فرضت الحالة التركية نفسها على كل الملفات المصرية بعد الثورة، ويبدو أن شعيرات العلاقات بين مصر وتركيا كانت مغلقةً بحكم توجهات نظام مبارك تجاه مصر وشعبها وتجاه الصهاينة, وكان ذلك واضحًا من موقف هذا النظام من تقدم أردوغان صوب غزة، ومطاردته للصهاينة دبلوماسيًّا وسياسيًّا، خاصةً بعد الصدام المروِّع بين الوحشية الصهيونية العسكرية المقصود منها ردع تركيا وتلقينها درسًا دمويًّا في أصول الصراع في هذه المنطقة التي يوصف فيها الصهاينة أنفسهم بالسيد الآمر المطاع, وبين التحضر والإنسانية التركية في سفينة "أفي مرمرة" التركية التي اتهمها الكيان الصهيوني بأنها من تدمير منظمة خيرية إرهابية إسلامية؛ تهدف إلى إنقاذ "الإرهابيين" في غزة بكل مشاعر معاداة السامية.

 

هكذا اصطدم المشروع التركي ذو الوجه الإنساني، الداعم للحق الفلسطيني، مع المشروع الاستعماري الصهيوني المستهدف لهذا الحق؛ فالحق الفلسطيني هو الهدف من الاستيعاب الصهيوني أو الحماية التركية، أو هو عنوان المشروعين المتصادمين في غيبة مصر التي تتراجع كل يوم في الشئون الداخلية، والتي أعلنت اعتزالها في المجال الخارجي.

 

الحالة التركية فرضت نفسها على الصعيد الداخلي المصري، كنموذج للإسلام في بيئة سياسية علمانية، والكفاءة السياسية الديمقراطية والرفاهة الاقتصادية والامتداد السياسي، وتقدم المشروع التركي بجسارة ضد المشروع الصهيوني, وقد تصادف أن اقتحم الصهاينة بجيشهم أرض مصر المتعاهدة معها على أن يسلم كل منهما بوائق الآخر، مصحوبةً بحملة ضارية ضد عجز مصر عن حماية سيناء, فصارت سيناء تعاني من فراغ سيادي وأمني يهدد أمن الصهاينة؛ مما يعطيهم الحق في أن يفعلوا ما يشاءون ويرونه مناسبًا في سيناء لحماية هذا الأمن.

 

كان رد الفعل المصري مقارَنًا برد الفعل التركي هو نفس يوم صدور تقرير "بالمر" الذي انحاز تمامًا للكيان الصهيوني، لافتًا نظر المواطن المصري، فجاءت زيارة أردوغان وسط إذلال الكيان الصهيوني لمصر، وإذلال تركيا للصهاينة, ويبدو أنه كلما ارتفعت وتيرة التحدي التركي للكيان ارتفعت أصوات الشعب المصري المطالبة بأن تحذو حكومته حذو تركيا مع الصهاينة.

 

فالديمقراطية التركية والازدهار الاقتصادي في الداخل, والشموخ التركي مقابل التذلل المصري تجاه الكيان الصهيوني سبقا زيارة أردوغان الذي يعرف مثل سابقه محمد علي باشا الألباني، قائد الحامية العثمانية في مصر، قدر مصر وقدرها.

 

ولا شك أن أردوغان يعوِّل على مستقبل مصر الحديثة في ظل ديمقراطية مستقرة؛ مما يفتح الباب أمام علاقات تركية مصرية لصالح البلدين, ولكنها عنصر ضاغط على الكيان الصهيوني في سلوكه في المنطقة وإزاء كل من مصر وتركيا، وقد يحلم أردوغان بتحالف مصري تركي وعربي تركي عمومًا من خلال مصر يحجِّم كلاًّ من إيران والكيان الصهيوني، ويملأ الفراغ بقوة مصرية تركية، ترسم خريطة المنطقة الجديدة، دون صدام مع الولايات المتحدة، بل إن هذه الخريطة ستدفع الكيان إلى التلاؤم مع الوضع الجديد، ويرفع من قدرة واشنطن على تطويع تل أبيب.

 

هذا هو تصور أردوغان- كما أتصور- ما دام هو لم يتحدث تفصيلاً عن حدود العلاقة مع مصر من زاوية تحجيم الصهاينة، ولكنه تحدث عن شرق المتوسط وسيد هذه المنطقة، وتحدث عن اضطرار واشنطن إلى الاعتراف بتركيا كلاعب معتبر في المنطقة، له مشروعه السلمي البنَّاء.

 

على الجانب الآخر، فإن التقارب المصري التركي سوف يصطدم بقضية مقابلة، وهي: حدود التوتر المصري الصهيوني , والتركي الصهيوني.. صحيح أن حسابات كل ملف عند كل طرف مختلفة وربما متباينة؛ فالقضية تتعلق برسم خريطة القوى في هذه المنطقة من العالم؛ حيث كانت الخريطة قبل الثورة مبسطة للغاية: لاعب إقليمي واحد متسيَّد هو الكيان الصهيوني، ومنطقة عربية شاسعة، أسلمت الروح بقيادة مصر مبارك إمام الساجدين لأمريكا والكيان الصهيوني فيما عُرف بـ"معسكر الاعتدال", ومحاولات إيرانية للبروز، يقابلها صد صهيوني وإقليمي، تحركه واشنطن وتسانده، ومحاولات تركية يعثر بها الخجل والتردُّد في ارتياد الملف الأكثر حساسية، وهو الملف الفلسطيني.

 

الصداقة بين تركيا ومصر يمكن أن تصل إلى أقصى الحدود السياسية والاقتصادية، وإلى حدود أقل من الناحية العسكرية، ولكننا لا نظن أن تصل الصداقة إلى حد التحالف ضد الكيان الصهيوني تحالفًا سياسيًّا أو عسكريًّا أو دبلوماسيًّا.

 

أما الصدام بين الكيان وتركيا فقد يظل دون سقف الصدام المسلَّح فذلك أمر لن تسمح به واشنطن، حليفة الطرفين, ولكن تركيا عازمة على أن تسبِّب صراعًا مستمرًّا للكيان, وربما تجعله عند حافة الهاوية، ولا أظن أن اعتذار الصهاينة لتركيا متوقَّع؛ لأن الاعتذار يعني التسليم لتركيا بزعامة المنطقة برًّا وبحرًا وانكسار الصهاينة, وفي الغالب فإن واشنطن سوف توفِّق بين المشروعين، التركي والصهيوني, وإذا حدث ذلك فإن مصر يفترض أن تظل ساكنةً جامدةً, في هذه الحالة سوف تتحول تركيا والكيان إلى معاداة إيران، وسوف يشتد الصراع في المنطقة، وتخف نغمة العداء التركي للصهاينة في الملف الفلسطيني، خاصةً أن الطابع البراجماتي هو الذي يغلب على التفكير التركي، وإذا قدر للتيار الإسلامي أن ينجح في مصر فقد تظهر في سماء العلاقات المصرية التركية الكثير من الأحاجي والألغاز.

 

المنطقة يعاد رسم خرائطها, وما لم تدرك مصر هذه الفرصة فقد يفوتها قطار توزيع الأنصبة، وتصبح تركيا والكيان الصهيوني وإيران- كما يحدث الآن- هم فرسان الملحمة الجديدة.

 

وعلى الجملة كانت الزيارة بشيرًا لمصر ونذيرًا للصهاينة، نجح بها أردوغان في إثارة القلق الأمريكي؛ ولذلك تسارع واشنطن إلى رأب الصدع بين الحليفين وإقناع أردوغان بألا يتبنَّى حسابات إستراتيجية مع مصر.