ما أحسنه وأبدعه!!
ما أروعه وأورعه!!
يرحمه الله من رجل طالما عاش كفافًا وقنَّعه الله بما آتاه..
عرفته رجلاً طيب القلب، نقي الفؤاد، طاهر السريرة، عفَّ اللسان، دمث الخلق، فطريَّ السجايا، خلال الخير تنسج ملامح سلوكه، وأمارات الصفاء ترتسم على بريق جبينه، وآيات الرضا والقناعة تبدو على محيَّاه..
تواضعه.. ما أرفعه!! وهو المعلم.. ما أنفعه!!
"يا أستاذنا".. نداؤه إياي، وأنا في عمر أولاده، حتى وجدتني أمام "والد" هو الزميل الصديق، والأريب الحكيم، الوافر العقل، السابغ الفهم، الشفوق الحاني، الباذل المعطاء، المقدام في غير انثناء، وأنا التلميذ لديه، المتعلم لأبجدياته البليغة، بينما هو المعلم والأستاذ.
عليك سلام الله من زميل في موعده التزام، وفي خلقه احترام، وفي تعاونه مع زملائه إقدام، ووالد في نظراته شفقة، وفي تعامله حنوٌّ، وفي محادثته طرب.
ما إن وصل مقر عمله ذات صباح حتى طفق يتصل بابنه "أنس" وقد خرج في رحلة صيف مع إخوانه، وبعد مرة بل مرتين بل مرات كثيرة يجيء اعتذار ابنه بأنه كان نائمًا، فإذا بصورة وجه فقيدنا تتغير إلى شعور باللوم أن أيقظ ابنه من نومه!!.. لكن الأمر عاجل: "كيف حالك؟.. انتبه لنفسك.. إياك والبحر.. اعتن بنفسك.. أسعيد برحلتك؟ هل يزعجك شيء؟.. تأتي بألف سلامة!!"..
يهاتف ابنته يومًا وقد توجهت إلى كليتها لاستخراج "بيان نجاح"؛ ليوضح لها بالتفصيل ما عليها أن تصنع، وأين ينبغي أن تذهب، وماذا يجب أن تقول؟ ويكرر كلامه مرات ومرات حرصًا على أمرها وشفقة عليها..
كان كلما سألته عن حاله وحال أولاده يطلب إليَّ أن أدعو لابنه "فلان" فقد أنهى دراسته الجامعية، "وأبحث له عن عمل كريم".. "ادع الله أن يرزقني مكانًا طيبًا أزوّج فيه ابني عبد الرحمن".. "ادع الله أن يلهم "ابنتي" الزوج الصالح الكفء".. حقًّا لقد كان ذا عاطفة فياضة بلغت شأوًا حسبك من مداه أن أوصى بدفنه مع أمه!! وقد كان!!.
لقد كان الوالد الراحل والأستاذ الرائع والزميل الصديق عابدًا نحسبه.. ولا نزكيه!! أصرَّ- وهو ذو عذر مرضي غلاب- على صيام ستة شوال عقب شهر رمضان؛ ليتمَّ صوم دهره، ليلقى ربه راضيًا مرضيًّا.
كان يستثمر أوقات فراغه في جني ثمار الثواب من فوق أشجار الطاعة؛ فهو الحريص على حزبه القرآني ترتيلاً، والمقيم الليل تبتيلاً، والمؤدي لضُحاه صبحًا، والمقبل على الطاعات ندبًا ونفلاً.. حتى كانت خاتمته أثناء وضوئه "بوابة" الطاعة.
لقد استمسك بوصية إمامه في الدعوة حسن البنا: "اجتهد أن تتحدث الفصحى.."؛ فصارت العربية الفصحى سجيةً له.
لقد كان شاعرًا ذا صناعة، يحذق الشعر، ويحسن قريضه ويهذب نظمًا حسن الأسلوب، أخَّاذ التعبير، ذا عاطفة ملتاعة، وجوى ذائب.. طالما أمتعنا بصناعته الشعرية في "إفطار رمضان" وعيَّد بها على زوَّار الموقع، ليقضي "عبد الرزاق" نحبه، مخلِّفًا وراءه سيرةً حسنة وعلمًا نافعًا وذكرى يتشرف بها من شاركه في صناعتها، وأثرًا يبكي عليه بعد موته، تجده في خدمته لجلال الدعوة في مجتمعَي التعليم، المصري واليمني، ثم في عضويته بـ"رابطة الأدب الإسلامي العالمية"، وفي بحثه الدءوب بمؤسسة "نهضة مصر"، وأخيرًا في موقع (إخوان أون لاين) محررًا لغويًّا، يحسن بصناعته خدمة الدعوة ويشيِّد صروحًا من المبادئ الفاضلة التي فطره الله عليها، لقد عاش الراحل الكريم منافحًا ومكافحًا بشعره ونظمه.
فإن لله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإنا لله وإنا إليه راجعون..
فرحمة الله وبركاته عليكم أخانا الكريم وفقيدنا العزيز.. متعك الله برضوانه، وبلغك منازل جنانه، وإلى أن نلقاكم.. وداعًا!!.
-------
* رئيس قسم المراجعة بـ(إخوان أون لاين).