لا ينكر عاقل دور الفن في تربية الشعوب سلبًا أو إيجابًا، فالفن إحدى وسائل البرمجة اللغوية العصبية، يمكن من خلاله أن نبني أي مجتمع بناءً سليمًا راشدًا يدفعه إلى البناء والعمل والسير في طريق الرقي والتقدم، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون الفن معولَ هدم للأخلاق والقيم والسلوكيات ويحطم كل أمل تتطلع إليه الأمة.

 

نعم.. لقد أصبح للفن تأثير بالغ في قطاعات عظيمة من الجماهير، على اختلاف أعمارهم وأنواعهم وثقافاتهم؛ فهو يؤثر في الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والشباب والأطفال، وتجاوز تأثيره البيت والمدرسة والشارع، ولا يخفى علينا أن عددًا كبيرًا من الناس ليس له أي رافد من روافد التثقيف إلا الفن بكل أشكاله من غناء وبرامج ودراما، فهو الأستاذ والموجه والمعلم.

 

هذه المكانة التأثيرية للفن في المجتمع تفرض علينا أن نضعه في اعتبارنا، ونحاول ضبط مساره وحسن توجيهه.

 

وكم كنت أتمنى أن يعدل الفن المصري مساره بعد الثورة.. وانتظرت في رمضان لأرى ما يقدمه الفن للشعب، وخاصةً أن أهل الفن عودونا أن يكون رمضان موسمًا لعرض الأعمال الفنية القوية والمتميزة، وما بين رمضان والثورة بضعة أشهر كانت كافية لتقديم الجديد الذي يتناسب مع ما حدث في الساحة من تغيير.

 

والمشاهد لبرامج رمضان ومسلسلاته هذا العام تحديدًا يدرك أن أهل الفن في مصر كانوا في غيبوبة عما حدث ويحدث على أرض الوطن؛ برامج (هايفة) إلى أقصى درجات الهيافة، الفنانون لا هم لهم إلا أن يصنعوا مقالب في بعضهم.. ويبدو أن هذا هو أثر المقلب الرهيب الذي شربوه في النظام السابق؛ فقرروا أن تكون حياتهم كلها مقالب في مقالب.

 

الشعب لم يعد تستهويه مثل هذه البرامج الهايفة والتافهة، لقد فاق الشعب من غفلته بعد الثورة الملهمة، وأدرك حجم ما كان يدبر له، ولم يكن الفن يومًا بريئًا من تلك التدابير الشيطانية التي كان يحيكها النظام السابق للشعب.

 

أما عن المسلسلات الرمضانية فحدث ولا حرج فهي مليئة بالإفيهات السخيفة، ويحاول بعض المؤلفين والمخرجين والممثلين أن يقنعنا بأنه متعايش مع الأحداث فيقحمون كلمات من وحي الثورة، مثل التحرير والوطنية وثورة الشباب و(الفيس بوك) في المسلسلات بمناسبة وغير مناسبة.

 

لقد مر على الثورة حوالي ستة أشهر كانت كفيلة بصنع أعمال فنية تليق بهذا الحدث الجلل وتمجد بطولاته وبطولات شبابه؛ ولكن ما زال الفن في غيبوبة تامة بكل مستوياته: المؤلفين والمنتجين والمخرجين والممثلين والمغنين.

 

ليس معنى أن يخرج أحدهم ببعض الأغاني التافهة عن الثورة يكون قد وفاها حقها، وليس مجرد ذكر الثورة في أي عمل يُعتبَر هذا الممثل ثوريًّا عظيمًا.

 

ولكن لم يكن أحد من أهل الفن على مستوى الحدث وعذرًا لسيدة الغناء العربي أن أستعير مقطعًا وأحرفه من أغانيها الشهيرة، فأقول: أهل الفن صحيح مساكين.. تايهين ضايعين.. وبعد الثورة متنحين ومش فايقين.. ومتلخبطين..

 

نعم يبدو أن أهل الفن كانوا يعدون العدة للتوريث وتثبيت أركان النظام بسلاسل متتالية من المسلسلات والأفلام التي تشوه الإسلاميين وتسخر منهم، وتدعو إلى الرضا بالواقع، وعلى رأي المثل اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش، هذا بالإضافة إلى أفلام من عينة طباخ الريس وأظنهم كانوا يعدون العدة لسلسلة أفلام تكسر الدنيا: على منوال هذا الفيلم منها: بدلة الريس.. وكلب الريس.. وساعة الريس.. وشعر الريس.. إلخ.

 

وسلسلة أخرى على منوال زواج بقرار جمهوري.. مثل طلاق بقرار جمهوري.. وطهور (حفل ختان) بقرار جمهوري.. واستحمام بقرار جمهوري.. إلخ.

 

يا أهل الفن أفيقوا من غفلتكم وأعيدوا اكتشاف أنفسكم من جديد قبل أن يلفظكم المجتمع إلى الأبد، وعندها لن تكون لكم رجعة.