سؤال طاردني وأنا أقيم خارج أرض وطني، وقد تحوَّل السؤال بعد عودتي إلى كابوس مؤرق، ومؤدى السؤال: هل تتحول مصر إلى غابة حقيقية؟ هل نعود إلى عصر ما قبل التاريخ والدولة؟ وهل نصبح بلدًا لا مكان فيه للضعيف؟

 

قبل أن أتهم بالمبالغة أو رؤية الحقيقة من خلال منظار أسود فإني أبادر إلى إيراد عناوين بعض الصحف: ماذا يحدث في جمهورية صفط اللبن؟ ذبح مواطن وقطع يد آخر وتشويه أربعة تطبيقًا لحد السرقة.. أساتذة الاجتماع: كثرة حوادث السرقة أصابت المواطنين بالضيق وخلقت لديهم الرغبة في الانتقام.. (الدستور اليومي- الثاني من سبتمبر الجاري).

 

تحريات الشرطة تشير إلى ارتكاب ستمائة إنسان جريمة صفط اللبن.. هجوم مسلح يقوده مسجل خطر على نقطة شرطة في الأقصر.. هجوم مسلح على مطعم في ديروط .. البلطجية يبترون يد صاحب ورشة في باب الشعرية.. خمس عشرة جريمة خطف وطلب فدية.. ضبط تسع عصابات وثمانية وأربعين تاجر مخدرات (المصري اليوم الثاني والثالث والرابع من سبتمبر الجاري) بلطجية يقتحمون مكتب مكافحة جرائم المخدرات بفاقوس ويطلقون سراح متهم( اليوم السابع- بتاريخ الرابع من سبتمبر الجاري) السلاح في يد الجميع، مواجهات مسلحة بين قرى في قنا، سطو مسلح في الدقهلية، الرصاص يحسم أولوية المرور في نجع حمادي( الشروق- الخامس من سبتمبر الجاري).

 

أعرف أن الجريمة ظاهرة إنسانية اجتماعية، وأعرف أن هناك مدنًا في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها تُرتكب فيها جرائم أشنع، وأعرف أن مصر طوال تاريخها ترتكب فيها جرائم باعتبار أن ساكنيها بشر وليسوا ملائكة.

 

أسلم بكل هذا ولكن الجديد أن جرائم العنف صارت تتخذ صورة بالغة الخطورة لتحديها سلطة الدولة جهارًا نهارًا وبلا مواربة وهو ما يوفر مناخًا يهدد الثورة اذ يكسبها في كل يوم خصومًا جددًا من مؤيديها، فالقضية باختصار شديد أن كل من تنتهك حرمته أو يسرق ماله أو يهدد في أمنه ليس ملومًا إذا تحول إلى ساخط على الثورة، وهناك نغمة كانت تتردد خافتة، ثم صارت تعلو نبرتها وتطرح في جملة من قبيل (هذا ما أخذناه من الثورة)!

 

علينا أن نعالج الأمر إذن، والبداية أن نشخص الداء لأنه يستحيل- علميًّا وعمليًّا- أن يكون القرار صحيحًا في غيبة معلومات صحيحة.

 

تكمن خلف ضياع هيبة القانون عوامل لابد من التعاطي معها بحكمة وشجاعة ودون خداع لأنفسنا، وهذه العوامل – في تقديري – تكمن فيما يلي:

أولا فقدان الإحساس بالعدل وشيوع منطق مدمر مؤداه أن القانون إنما يخضع له الضعفاء فلما قامت الثورة ضعفت هيبة الشرطة، فاستقوى الكثيرون، وصار خرق القانون أمرًا ذائعًا، وما أوردته من تعالي البعض على الخضوع للقانون أمر مسلم لا يتناطح فيه عنزان، بل إن أكثر الناس خروجًا على القانون هم بعض رجال القانون بكل أسف، وهناك عبارة شائعة تلقى بقوة لتصعق رجل الشرطة عندما يهم بتطبيق القانون على البعض وهي (ألا تعرف مَن أنا!) والأمر امتداد لثقافة بالغة الرداءة يقوم على حراستها تراث نابت من أزمنة الهوان مؤداه أن الماء لا يصعد إلى العالي! بينما في دول العالم المتقدم يخضع الجميع للقانون بدءًا من رئيس الدولة، والأمثلة لا تحصى، من ذلك أن القيامة قامت في بريطانيا عندما استقلت زوج رئيس الوزراء المترو دون حجز تذكرة؛ لأنها استيقظت من النوم متأخرة، فقامت مسرعة لتلحق موعد محكمة تنعقد في مدينة بعيدة، وكانت محامية موكلة للترافع عن أحد الناس، وبرغم أنها دفعت ثمن التذكرة والغرامة في محطة الوصول فإن الصحافة هاجمتها هجومًا ضاريًا، وغضب الرأي العام باعتبار أن أصحاب السلطة وذويهم هم أحرى الناس باحترام القانون.

 

وعلى ذكر قانون المرور فإن من عجائب مصر أن هناك فئات مستثناة من تطبيق أحكامه وهم عمومًا كبار المسئولين! أيليق بالله هذا؟ وهل هناك وجه منطقي لإفلات أحد كائنًا من كان من الخضوع لأحكام القانون، وإلى متى نظل محكومين بثقافة الماء الذي لا يصعد للعالي بينما العلو الحقيقي كما تراه الأمم المتحضرة ويوافق المنطق والعقل إنما يكون في احترام القانون وتطبيق أحكامه على الجميع.

 

حكى لي من أثق به أنه عُيِّن وكيلاً لقائد المرور في إحدى محافظات الوجه البحري، وما إن تسلَّم عمله حتى أعطاه قائد المرور قائمةً بأرقام سيارات محددة، منبهًا إياه لقيمة ومقام ونفوذ أصحابها، وحتى يلقي في نفسه الرعب راح يُذكِّره بجزاء مَن تعرض لأي من هؤلاء النافذين من الضباط السابقين؛ حيث نُقلوا لأماكن نائية، وما زلت أذكر من بين الأسماء اسم نائب مخضرم في البرلمان ينتمي لعائلة ثرية.

 

ولا شك أنه ما من مصري إلا وجعبته عامرة بمئات القصص في هذا الاتجاه، والنتيجة أن تطبيق القانون أصبح عند البعض دليل عجز بينما الإفلات منه صار من علامات الوجاهة والنفوذ، ومن له قريب أو صديق يعمل ضابطًا بالمرور يعلم علم اليقين أنه بمجرد ضبط السيارات المخالفة فإن الهواتف النقالة تصاب بالسخونة وتستنجد بالنافذين من الأهل والمعارف، حتى إن بعض الضباط يضبط عشرين سيارة فيضطر إلى إخلاء بعضها ثم يشعر بالخجل من الباقين فيقول لهم توكلوا على الله انصرفوا! ومن آيات عدم تطبيق القانون على الجميع ما نراه على ساحة العدالة المصرية اليوم من مفارقات موجعة تثير المرارة سيرًا وراء منهج يلائم وصف جبران خليل جبران:

فالسجن والموت للجانين إن صغروا   والمجد والفخر والإثراء إن كبروا 

فســـارق الزهر مذموم ومحتقر    وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر 

والتطبيق الحرفي للبيتين يجري بهمة، إذ يساق صغار المجرمين إلى محاكمات سريعة تنتهي بأحكام باترة (ولا اعتراض لي هنا)، ولكن أكابر المجرمين مدللون يتنقل كبيرهم بين مستشفيات خمس نجوم، بينما يرقد من سرق بيضة في غياهب السجون وتطبق عليه لوائح السجن بحزم، وليس هذا منطق الثورات ولا يمت لها بصلة، ونذكر لمجرد التذكرة أن الثورة الفرنسية قامت لدواع شبيهة بأسباب الثورة المصرية وهي فساد الطبقة الحاكمة والامتيازات الطبقية وتدخل الملكة ماري أنطوانيت في تعيين الوزراء وضعف شخصية الملك لويس السادس عشر، وبينما أعدم في فرنسا الملك والملكة ونحو أربعين ألفًا حتى النائب العام فوكييه تينفيل قد حل عليه الدور فأعدم، ولا نطالب بإعدام أحد ظلمًا ولا بمحاكمات عاجلة، ولكننا نطالب بمساواة المجرم الأكبر- الذي فعل بمصر وشعبها الأفاعيل- بغيره من صغار المجرمين؛ فلا يعامل معاملة تستفز تسعين مليون مصري سامهم الخسف، وسلط عليهم الأوغاد فريقًا يقمع وفريقًا ينهب ثرواتهم، وختم بنكبة عظمى هي قتل نحو ألف مصري وإصابة ضعفهم بعاهات مستديمة، ثم نسمع في كل يوم عن وجع في رأسه أو نوبة اكتئاب أصابته، طلبًا لشفقة لا محل لها، فالأجدر بالشفقة المجني عليه لا الجاني! أو يسمح حال محاكمته بالاعتداء على أهل الشهداء ووضعهم في متناول أيدي من لا نعرف من أي نبع شربوا، من الباكين على كنز إسرائيل الاستراتيجي.

 

ومن المفجع أن قاتل الشهداء يلقى رعاية بالغة بينما أهل ضحاياه يهانون ويتعرضون للضرب؛ مما يقض مضاجع الشهداء في قبورهم!

 

والسبب الثاني أن بعض القوانين تمثل أكبر إغراء لخرقها، وعلى سبيل المثال فإن الضرب الذي لا يخلف إصابات لا يحاكم مرتكبه باعتبار أن إهانة المواطن أمر لا قيمة له، وبالنسبة للسب مهما كانت بشاعة الألفاظ وفحشها فإن النيابة تحفظ البلاغ، مقررة أن الأمر ليس جريمة بناء على تعليمات من النائب العام منذ خمسينيات القرن الماضي.

 

لقد تحول المشرع المصري خاصة بقيادة الدكتور فتحي سرور إلى صكاكة لإخراج قوانين تحمي ولي النعم، وتقنن لوراثة الحكم من بعده ولو مات أكثر المصريين قهرًا، بينما لم يلتفت إلى ما يهم الناس في حياتهم ويسن له التشريعات الملائمة، حتى إن نهر النيل صار مصبًّا للمجاري ومخلفات المصانع، بينما كان المصري الفرعوني يعتقد أن أول ما يسأل عنه يوم البعث هل لوث ماء النيل أم لا، وكل ذلك والمشرع يغط في نوم عميق باعتبار أن الدولة قد اختزلت في شخص الرئيس المخلوع وأسرته وأن مهمة المشرع بالأساس هي تحويل أحلام الأسرة إلى قوانين!

 

والسبب الثالث يكمن في أداء الشرطة، وهو ملف ملتبس يحتاج إلى حلول ثورية خلاقة، وقد قلت من قبل في مناسبات سابقة وأكرر أن اللواء منصور العيسوي- مع الاحترام لتاريخه- ليس رجل المرحلة وأنه لا بد من توفير الضمانات اللازمة لرجال الشرطة لحسن أداء عملهم، ولا بد أيضًا من محاسبة المقصرين منهم والمتقاعسين بهاجس أن على الذين ثاروا على إهانات الشرطة أن يدفعوا ثمن ثورتهم، لأن الشرطي أجير لدى الناس يتقاضى راتبه من مالهم، وليس من حقه إهانتهم!

 

وأقترح تخريج دفعات من خريجي كليات الحقوق ليكونوا ضباطًا في غضون أسابيع بعد تلقيهم دورات شرطية وحقوقية، مع مواصلة تطهير الجهاز الأمني من كل من تلوثت يداه بانتهاك كرامة المصريين أو حريتهم، ولا بد من تنظيم حملات جادة لإعادة الانضباط للشارع المصري الذي ينحدر إلى هاوية من الفوضى والانفلات.

 

والسبب الأخير يعود إلى الجهاز القضائي القائم على تطبيق القانون، وهناك تياران رئيسيان يحكمان مبدأ تناول هذا الملف الشائك، تيار يقول أصحابه إن للقضاء حرمة تحول دون طرح ما تعلق به علنًا وجهرًا صونًا للثقة العامة فيه، وتيار آخر- أراه محقًّا- يقول إن ما أثير من قضايا تتعلق بالشأن القضائي بالغ الخطورة وصار جزءًا من العلم العام وأنه يستحيل مجاراة منطق التستر؛ لأن الأمر ذائع مدو بحيث صار جزءًا من هتافات ميدان التحرير (الشعب يريد تطهير القضاء)، وهناك أمران تدور من حولهما علامات الاستفهام إزاء الصمت المريب وعدم فتحهما رغم أن أصواتًا بحت للمطالبة بالتحقيق، وهما أولاً ما قيل عن تزوير الانتخابات البرلمانية عامي ألفين وخمسة وألفين وعشرة وما تردد عن تورط بعض القضاة في ذلك، والغريب في القصة أن لعنة تشبه لعنة الفراعنة أحاطت بهذا الملف، فكل من تناوله بطلب التحقيق لوحق إداريًّا أو جنائيًّا، بينما بقي الموضوع الأصلي  مغلقًا محروسًا بروح الغائب الحاضر حسني مبارك، والأمر الآخر هو ما تسرب من أقبية الجهاز المقبور أمن الدولة العائد للحياة تحت مسمى الأمن الوطني، وقد نشر أن بعض القضاة كان متواطئًا مع الأمن يتلقى توجيهات مسبقة لإصدار أحكام معينة متفق عليها ضد خصوم النظام!

 

والغريب أن وزارة العدل التي أحالت قاضيًا إلى الصلاحية لأنه قبل منحةً للدكتوراه من خلال مؤسسة (فريدوم هاوس) الأمريكية بدعوى أن المؤسسة تعادي مصر إذ تعلن أنها ليست محكومة حكمًا ديمقراطيًّا إبَّان عهد الرئيس المخلوع، وهي نفس الوزارة التي رفعت
 وترفع إلى اليوم شعارها الخالد إزاء المصيبتين وهو لا أرى لا أسمع لا أتكلم!

 

ولقد تقدمت بطلب إلى النائب العام لكي يحقق في الأمر باعتبار أن ما ذكر يشكل – لو ثبت - جرائم جنائية، وطالبت مرارًا على قنوات فضائية ومنابر صحفية وزير العدل بالتحقيق وتشكيل لجنة من كبار القضاة لهذه المهمة مع إحالة من يثبت ارتكابه جريمة جنائية من القضاة إلى المحاكمة التأديبية والجنائية أو إعلان براءة الساحة القضائية مما حام من شبهات، ولكن الجواب ظل صمتًا لا أعرف له سببًا، ولا أظن غيري يعرف.

 

وها أنذا أتقدم اليوم بالبلاغ التالي إلى وزير العدل والنائب العام ..

السيد المستشار وزير العدل

السيد المستشار النائب العام

تحية طيبة وبعد

فقد ورد في تقاير لمحكمة النقض بشأن الانتخابات البرلمانية لعام ألفين وخمسة أن ما أعلن من نتائج بعض الدوائر يخالف الحصر الفعلي لأعداد من أعطوا أصواتهم لبعض المرشحين، وهو أمر يحتمل في بعض وجوهه أن يشكل جناية التزوير في أوراق رسمية من موظفين عامين حال قيام الدلائل الجدية على ذلك، كما تسرب من وثائق جهاز أمن الدولة ما يشير إلى إصدار قضاة أحكامًا باتفاق مسبق مع الأمن وهو أمر يشكل – لو صح – جريمة التوسط لدى قاض وقبول قاض وساطة وإصدار حكم بناءً عليها.

 

وحيث إن الثوب القضائي لا يحتمل هذا العبء المرهق على نقائه وثقة الناس فيه فإنني أتقدم طالبًا التحقيق في الأمر برمته إداريًّا وجنائيًّا وإعلان براءة الثوب القضائي مما لحق به من شبهات أو إحالة من يثبت تورطه في أمر مما تقدم إلى المساءلة جنائيًّا وتأديبيًّا..

وتقبلوا التحية.. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

--------

* رئيس محكمة استئناف القاهرة