سألني سائل: هل ستشاركون كإخوان مسلمين في جمعة تصحيح المسار يوم 9 سبتمبر التي دعت إليها بعض التيارات؟ قلت: لا، ولماذا نشارك؟ قال: ولماذا لا تشاركون؟ قلت: وهل النزول في مظاهرات هو الأصل أم الاستقرار الذي لم تنعم به مصر منذ 25 يناير وإلى الآن هو الأصل؟ طالما أنه ليست هناك أسباب قوية تدعو للنزول في مليونيات فالاستقرار والالتفات إلى الإنتاج هو الأساس، وإلا فقدت المليونيات زخمها وقيمتها.
بالطبع لقد كان هناك بعض الأسباب من وجهة نظر من نزل يوم الجمعة الماضية، ولكنها أسباب شتى غير متفق عليها، وغالبًا ما تكون الأسباب المعلنة غير ما يتم في الميدان فغالبًا ما تتحول هذه المظاهرات إما لسباب المجلس العسكري والمطالبة برحيله دون إيجاد بديل، أو احتكاك مع الشرطة بأي طريقة، أو الطعن في الإسلاميين الذين لم يشاركوا والتشكيك في وطنيتهم.. كل ذلك يتم غالبًا تحت مظلة من الأسباب المتفق عليها مثل دماء الشهداء وعودة الأمن، وتحقيق مطالب الثورة، وسرعة إنجاز المحاكمات.. إلى آخر ما حفظنا من مطالب استُهْلكت مرارًا وتكرارًا.
كان هذا الحوار قبيل الجمعة الماضية، ثم كان ما كان في هذه الجمعة التي سميت زورًا بجمعة تصحيح المسار، وإذا بها تتحول إلى تعطيل المسار؛ بل السير عكس اتجاه الثورة والانحراف بمسار الثورة بل ذهب بعض الفكاهيين على (الفيس بوك) إلى القول بأنه بعد جمعة تصحيح المسار فإن الجمعة القادمة ستكون جمعة ضبط زوايا وترصيص؛ لأنهم اكتشفوا في جمعة تصحيح المسار أن الثورة "بتحدف شمال جامد".
لا أعرف السبب الحقيقي الذي يجعل مَن يريدون تصحيح مسار الثورة أن يذهبوا مع سابق الإصرار والترصد إلى وزارة الداخلية ورشقها بالحجارة، وتحطيم بعض النوافذ، وإزالة شعار الشرطة عن مبنى الوزارة مع التزام الشرطة الكامل بضبط النفس، وعدم الانجرار لما أراده هؤلاء المتحرشون، ثم لا أدري ما الداعي إلى الذهاب إلى السفارة الإسرائيلية مرة أخرى لإنزال العلم وتحطيم الحواجز، مع تحفظنا على وجود سفير وسفارة في الأساس لليهود المغتصبين في مصر؛ إلا أن الظرف لا يحتمل وما فيه مصر من مشاكل أكبر بكثير وأولى وأجدى بالاهتمام، فلكل حادث حديث، ومن الممكن ادخار هذا الغضب لعمل أجدى في المستقبل، ولكن فلندع مصر تنهض من كبوتها ولندع اقتصادها يتعافى، ثم لماذا أيضًا يتوجه هؤلاء الحريصون على مصر ومصلحة مصر إلى مديرية أمن الجيزة والسفارة السعودية، وحدث ما حدث من تحطيم وحرق لسيارات الشرطة وسيارات الأهالي.
لقد علمنا أن حصيلة هذا اليوم هو 3 قتلى وحرق وتدمير 16 سيارة شرطة، ونحو 1000 مصاب غير التلفيات في المباني وسيارات الأهالي القاطنين في هذا الحي، هل هذا ما أراده الداعون لهذه الجمعة؟ وبالطبع سيقول قائل: إنهم لم يريدوا حدوث هذا، وأنهم غير مسئولين.. فأرد عليهم بالمثل الشعبي: "اللي يحضر العفريت لازم يعرف يصرفه"– مع احترامنا للعفاريت– بالطبع هم مسئولون.. والذي لا يستطيع السيطرة على هذه الأعداد من البشر لا يضع نفسه في الواجهة ويدعو لمليونيات ومظاهرات لا يعرف إلى أي شيء ستذهب بالبلد في هذا التوقيت الدقيق من تاريخها.
ثم لماذا يحدث هذا في اليوم الذي يسبق امتثال المشير طنطاوي للإدلاء بشهادته في قضية مبارك والعادلي؟ ولمصلحة من التعمد في إذهاب هيبة الشرطة، وإثارة التخبط في صفوفها كلما تماثلت للشفاء بعد أحداث ثورة يناير، وبدأت في محاولة ضبط الشارع والقبض على الخارجين على القانون؟ هل لأحد مصلحة في هذا إلا اللصوص.. لا أقول أولئك اللصوص الذين يسرقون الناس والمحال والبيوت؛ بل أولئك المتربصين بهذه الثورة، والذين يريدون سرقتها وإبعادها عن مسارها وتفريغها من مضمونها.
وفي النهاية هل أتجاوز إن وضعت علامة استفهام كبيرة حول تلاقي مصالح كل من: الداعين إلى الدستور أولاً والذين أرادوا للمجلس العسكري الاستمرار في حكم البلاد لسنتين– المتحرشين بالجيش في جمعة واعتصام 8 يوليو وما بعدها من أحداث في العباسية– الداعين للمبادئ الفوق دستورية والتي تصادر على إرادة الشعب وحقه في صياغة دستوره– الداعين لتأجيل الانتخابات التي من شأنها تصحيح هذه الفوضى وتكليف حكومة منتخبة يمكن محاسبتها ووجود ممثلين حقيقيين منتخبين عن الأمة بدلاً من أن يتكلم باسمها أي أحد– وأخيرًا أولئك الداعين لجمعة تصحيح المسار.
أرى أن على هؤلاء جميعًا تصحيح مسارهم هم، وضبط بوصلتهم، والالتفات إلى المصالح العليا للوطن بدلاً من الالتفات إلى المصالح الشخصية أو الحزبية، فالثورة حتى الآن لم تبارح مسارها وتسير بخطى حثيثة؛ لتحقيق غايتها، وهذا لا ينفي وجود بعض التخوفات والانحرافات ولكن في المجمل الأعم نحن في خير عميم نريد له الاستمرار برعاية الحريصين الحقيقيين على مصلحة هذا الوطن الحبيب.