حذرنا الأصدقاء المرة تلو المرات من تفريغ "المليونيات" من قيمتها وهيبتها، واستهلاكها لصالح خطط سياسية حزبية غير توافقية، تخالف ما استقرت عليه خارطة الطريق الشعبية في استفتاء مارس.

 

كما حذرناهم أكثر من مرة دون مجيبٍ من استغلال ميدان التحرير في مطالب غير توافقية مع خلطها بمطالب توافقية، وغضبوا منا لما عبرنا عن رأينا بوضوح في "جمعة سابقة"، وخلطوا الأوراق والأرقام؛ ليثبتوا أنهم وحدهم يحتكرون الحقيقة والصواب، ويعرفونهما بشكل حصري.

 

وجاءت جمعة "تصحيح المسار"، وكنت أتمنى أن تحقق النجاح المطلوب، وخرجت وسائل إعلامهم تتلاعب بالأرقام والمشهد بشكل مخزٍ، فأحدها قالت حضر "عشرات الآلاف" والأخرى قالت "مئات الآلاف"، والثالثة تجاهلت المليونية وقالت "إنها نجحت نجاحًا رائعًا" وجميعهم تناسى دعم "الألتراس" للأعداد، والمسئولية الوطنية على من قاموا بالتنظيم في ضرورة وجودهم حتى نهاية الفعاليات، وعدم الانسحاب وترك الأمور تتطور أمام مديرية أمن الجيزة وقعت أحداث مؤسفة في حقِّ أمن الوطن وسلامته، ما يهدد استقراره.

 

إن الصورة الآن باتت واضحة بشدة، فهناك مَن يريد أن يسحب الوطن بأكمله إلى حيث لا يعرف هو، بعد خسارته في جولة الاستفتاء، ويريد أن يعطل كل شيء ما دام لم ينجح في أي شيء، ويريد أن يحقر أي رأي ما دام لم يخرج من جيبه، في وقت يسيطر على المجلس الأعلى للقوات المسلحة تردد وتباطؤ يحتاجان إلى توقف فوري، والسير قدمًا في خارطة الطريق الشعبية القانونية المنضبطة التي أقرها استفتاء 19 مارس.

 

إن هناك أمورًا محل اتفاق، مثل الحد الأدنى للأجور، ولكن هناك وقت داهم، وتركة ثقيلة منذ 30 سنةً، والعالم لم ينشأ في ليلة، والدولة المتقدمة لم تنهض في ساعة، ولذلك يجب التركيز في مطالب الوقت مثل قانون الانتخابات والملاحظات عليه، على سبيل المثال لا الحصر.

 

وأن هناك أمورًا محل جدل تحتمل الاختلاف، ولكن لا تستدعي إرهاب الرأي العام أو حشد المليونيات لها، وإحداث ضجيج بلا طحن يستفيد منه الوطن إرضاء لخطط حزبية وحركية.

 

يا سادة.. كنا مطاردين فنصرنا الله وأيقظ الشعب فصنع ثورة مهيبة وعظيمة، وكنا على مقربة من حبال المشنقة بعد خطاب شيطاني للديكتاتور أثناء الثورة، فدفعها الرب إلى رقاب من ظلموا الشعب، وهم الآن في قفص الاتهام وبين ليلة وأخرى يقتربون من هذا الحبل، فلِمَا كل هذا التفرق والتلاعب بمسار الثورة ولصالح من؟!.

 

إن البعد عن الشارع وترابه وتجاهل مطالبه التي تبحث عن الاستقرار، والعيش في برج عاج وحماية إعلامية مسيسة مشبوهة هي نفس الأخطاء التي وقع فيها النظام المخلوع فأسقطوه، وهو ما لا نتمناه لأصدقاء الدرب الثوري حتى إن جاروا علينا، عسى أن يخرج منهم من يعرف للشارع قيمته، ويرفض الجلوس في أبراج المخلوع، ويصحح مساره ليتوافق مع المسار الحقيقي للثورة الشعبية المباركة.