الحمد لله، فقد قام الشعب المصري بتحطيم جدار الفصل الخرساني بين الجمهور المصري، والعمارة التي تقع فيها سفارة الغزاة النازيين اليهود القتلة، وتم إنزال العلم الصهيوني وإحراقه للمرة الثانية، وتبع ذلك مضاعفات؛ ونسأل الله أن تنجلي الغمة!

 

قبل ذلك لم أقتنع بالتعليل الذي ساقه محافظ الجيزة لإنشاء الجدار! الرجل أشار إلى ضرورة حماية سكان العمارة والعمارات المجاورة من المتظاهرين والمحتجين الذين يقصدون المكان للاحتجاج على ممارسات القتلة ضد أبنائنا الضباط والجنود وقتلهم مع سبق الإصرار والترصد.

 

معلوم أن محافظة الجيزة تعاني من مشكلة النظافة بصورة مخيفة، وكثير من أهل المحافظة يستغيثون ليل نهار لإنقاذهم من تلال القمامة المتراكمة في الشوارع والميادين، ولكن المحافظة لا تلقي إليهم بالا، ولا تهتم برفع القمامة بمثل هذا الاهتمام غير العادي الذي أبدته في إقامة الجدار العازل عند العمارة التي تقع فيها السفارة الممثلة للعدو النازي اليهودي.

 

محافظة الجيزة تتحرك بتمهل وبطء شديدين في تنظيف المحافظة، ولكنها صنعت بسرعة خارقة وهمة شديدة ؛ الجدار الذي سماه بعضهم جدار بارليف، في إشارة إلى الجدار الذي أقامه العدو على الجانب الشرقي للقناة بعد هزيمة 1967، وحطمه المصريون في حرب رمضان 1393هـ = أكتوبر 1973 م، مما يعني أن الشعب المصري قادر على إزالة هذا الجدار الجديد في قلب القاهرة أسوة بجدار بارليف الذي أقيم على ضفة القناة.

 

الجدار الجديد في قلب القاهرة يشير إلى دلالات عديدة، منها :

- أن إقامته بمثل هذه السرعة تعبر عن هوان دماء المصريين، ورخصها أمام أسعار دماء اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة، فقد قامت الآلة العسكرية النازية اليهودية بشن أكثر من حرب على قطاع غزة، وقتلت أكثر من ألف وخمسمائة فلسطيني، وإصابة أكثر من خمسة آلاف رجل وامرأة وطفل، فضلا عن تدمير مئات البيوت والمدارس والمساجد والمؤسسات، وكل ذلك من أجل عسكري نازي يهودي واحد اسمه جلعاد شاليط أسره المجاهدون الفلسطينيون في إحدى عملياتهم ضد المحتل النازي اليهودي.

 

- طريقة معالجة مقتل خمسة جنود مصريين على الحدود المصرية الفلسطينية بالطيران النازي اليهودي مع سبق الإصرار والترصد، تشير إلى أن سياسة العهد البائد ما زالت قائمة، وأن ابتلاع الإهانات النازية اليهودية سياسة مستمرة، وغير قابلة للتغيير بعد ثورة يناير، فقد أعلنت الحكومة عن سحب السفير المصري في المساء، وفي الصباح نفت هذا الأمر تماما، وبدلا من طرد السفير النازي اليهودي، فقد كان السفير المذكور يتحدث بصلف ووقاحة أنه لن يغادر القاهرة، وسيبقى رغم أنف المصريين!

 

- حين أعلن وزير الحرب النازي اليهودي إيهود باراك أن بلاده تأسف على موت – وليس قتل - الجنود المصريين، روجت بعض أبواق السلطة أن الغزاة النازيين اليهود قد اعتذروا عن جريمتهم ضد مصر وأبنائها، وكانت المفاجأة أن الوزير المذكور أعلن في وقاحة معتادة أن كيانه الغازي لن يعتذر إلى أحد!

 

- كانت هبة الشعب المصري وانطلاقه نحو سفارة العدو للتظاهر والاعتصام احتجاجا على استباحة الحدود المصرية، وقتل الجنود المصريين، رد فعل طبيعيا أذهل العدو وأربكه، وكان من الممكن استثمار هذا الوضع لإرغام القتلة اليهود على الاعتذار، وتأديبهم معنويًّا أمام العالم، وتعديل معاهدة الإذعان التي وقعت في كامب ديفيد، بما يحافظ على سلامة جنودنا وحدودنا، وبما يوقف العربدة النازية اليهودية في منطقة رفح وما حولها، ويجعل من صوت الشعب المصري صاحب حضور في التعامل مع القتلة ومساوماتهم الرخيصة التي لا تتوقف. وللأسف الشديد فقد أهدرت السلطة المصرية هذه الورقة المهمة، عقب التدخل الأميركي، لصالح وعود لن تتحقق، وإذا تحققت فلن تثمر نتيجة عملية لصالح الشهداء والوطن.

 

- كان الأتراك في اللحظة التي يعلن فيها النازيون اليهود الغزاة أنهم لن يعتذروا للشعب المصري أو لن يعتذروا لأحد، يدشنون إجراءات سياسية بالغة الأهمية لتمريغ أنف الغزاة اليهود القتلة في التراب، حيث أعلن وزير الخارجية التركي أحمد دود أوغلو، عن طرد السفير النازي اليهودي في أنقرة، وتجميد الاتفاقيات العسكرية مع الغزاة النازيين اليهود، كما أعلن عبد الله جول رئيس تركيا أن العلاقات بين تركيا والغزاة النازيين اليهود لن تعود إلى طبيعتها ما لم يعتذر الغزاة عن قتل الأتراك التسعة، وتعويض أسرهم وأسر المصابين الآخرين، ورفع الحصار المجرم عن قطاع غزة.

 

هذا الموقف التركي المتقدم لم تستوعبه السلطة المصرية،وآثرت أن تسير على الموقف القديم الذي كان يقفه النظام البائد الذي عده اليهود الغزاة كنزا استراتيجيا، بل خرجت أصوات تردد الاسطوانة المشروخة القديمة تقول: هل تريدوننا أن ندخل حربًّا، ونحن غير مستعدين؟ وهذه الأصوات ليست بعيدة عن أصوات بعض المسئولين المصريين المرموقين، فقد قال أحدهم عقب نجاح الثورة لمن سأله عن مواجهة الغزاة، وفتح معبر رفح: انتو عايزين تودونا في داهية؟!

 

ومع أن هذا المسئول الذي يحتل منصبًا مهمًّا، يعلم أن اليهود الغزاة يفكرون ألف مرة قبل شن حرب شاملة ضد مصر، فلم يستوعب أن المواجهة السياسية لا تعني الحرب، بل تؤكد أن المصريين يملكون أوراقًا مهمة للغاية تجعل الغزاة اليهود القتلة يتراضخون ويسلمون بما تريده مصر دون قتال، والغزاة النازيون اليهود يعلمون جيدًا أنهم يكسبون من علاقاتهم الاقتصادية والتجارية والزراعية والسياسية مع مصر، وأن مصر لو جمدت هذه العلاقات جزئيًّا أو كليًّا فهم الخاسر الأكبر، ولكن هذا المسئول صاحب المنصب المرموق والقوم عندنا تجاهلوا كل ذلك، وصمتوا صمت القبور، وضاعت دماء الشهداء هدرًا، وراحت وسائل الدعاية تروج لمفاوضات سياسية حول زيادة الجنود المصريين في المنطقة ( ج ) من سيناء، وتعديل الملحق العسكري لاتفاقيات كامب ديفيد!

 

تركيا لم تعلن الحرب على الغزاة النازيين اليهود، ولكنها تحركت في المنطقة المتاحة سياسيًّا، فجعلت اليهود القتلة ينوحون ويصرخون، وما زالت صحفهم منذ أسابيع تتحدث عن خسارتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية نتيجة موقف الأتراك، وتطالب حكومتهم بالاعتذار للأتراك، ولكن جنرالات القنوات الفضائية عندنا الذين يمثلهم بعض الصحفيين الأمنيين والمتسلقين خرجوا ينتقدون الموقف التركي، ويسخرون منه، ويحاولون إقناعنا بأن الموقف التركي مجرد طلقات فشنك لا قيمة لها!

 

كنت أتصور أن تقوم السلطة المصرية بدلا من إقامة جدار بارليف في قلب القاهرة، أن تنزع السفارة العدوانية من العمارة وتنقلها إلى خارج القاهرة، وأن تعزلها عن المجتمع المصري، وأن لا يجرح عَلَمُهم أبصار المصريين وعيونهم في وضح النهار. ولكن السلطة كما هي العادة؛ آثرت أن تستسلم للإرادة النازية اليهودية، وتنفق من أموال المصريين لحماية سفارة القتلة الغزاة!

 

ومع ذلك، فإن الشعب المصري بذكائه الفطري استخدم الجدار العازل في قلب القاهرة ليكون لوحة بارزة يسجل عليها عقيدته تجاه الغزاة اليهود القتلة، ويعلن عن إصراره على نزع مخالبهم المؤذية، وتحرير الأرض المحتلة، والمقدسات الإسلامية والعربية في فلسطين المحتلة.

 

إن من يشاهد ما كتبه المواطنون البسطاء على الجدار الفاصل العنصري قبل هدمه، يدرك أن الشعب المصري لا ينسى جرائم العدو، وممارساته الإرهابية ضد شعوبنا العربية والإسلامية، وأيضا فلن ينسى أبدًّا دماء الشهداء والمصابين على الحدود وفي أماكن أخرى، ولن يضيع حقه وإن طال الزمان!

 

وكم أتمنى من محافظة الجيزة التي أنيط بها إقامة جدار بارليف اللعين في قلب القاهرة، أن تهم بنظافة المدينة، ورفع القمامة من الشوارع والميادين، وأن تقوم بحل ولو مشكلة بسيطة في محيط المحافظة، وهي تنظيم المرور في شارع الهرم ومنطقة فيصل والمريوطية وميدان الجيزة والطالبية والعمرانية، وأن تضبط سائقي الميكروباص في حركتهم وسرعتهم.

 

وكم أتمنى من السلطة التي أمرت بإقامة الجدار أن تملك الشجاعة الأدبية، ولا تلقي بعبء المسئولية على محافظة الجيزة، كأنها جزيرة منعزلة عن باقي المؤسسات المصرية، لتظهر كأنها تتصرف بدوافع ذاتية وليس بأوامر سيادية تجعلها وهي البطيئة المتلكئة في حل مشكلة النظافة تتحرك مثل الرهوان لإقامة الجدار الذي يشير إلى هوان غير مسبوق، وذل غير مهضوم، بعد أن شعر المصريون بنشوة العزة عندما أسقطوا علم الغزاة النازيين اليهود!

 

ومهما يكن من أمر، فالشعب المصري قادر دائمًا على تصحيح الأمور، وتعديلها بما يحقق كرامته وعزته، ويحمي شرفه ووجوده، وهو ما تحقق بصورة ما مساء 9/9/2011، بارك الله في شباب مصر وأهلها ووفقهم لما يحب ويرضى.