منذ عشرين عامًا والصومال يتخبَّط تارةً في متاهات حرب عسكرية مريرة يخوض غمارها الصوماليون وحدهم، وتارةً أخرى في المآسي والنكبات الإنسانية القاسية، التي قد تحيق وتفتك بالجميع، ولا تزال الأمم المتحدة- بدءًا منذ بداية النكبة الصومالية ومرورًا بحقبة أمراء الحرب ووصولاً إلى فترة ما بعد المحاكم الإسلامية، وانتهاء بالفترة الحالية- لا تزال تنظم مؤتمرات واجتماعات تعقد هنا أو هناك، غير أن ما يتمخض عن تلك المؤتمرات لا يصب دائمًا في صالح الصوماليين، فإما أن تكون حصيلة تلك المؤتمرات مزيدًا من التخبط أو إجهاض كل المحاولات الرامية إلى تحقيق دولة وكيان صومالي يعيد للنسر الجريح عافيته.

 

وخير دليل على ذلك مؤتمر مجلس الأمن للأم المتحدة المنعقد في نيروبي في شهر مايو الماضي، والذي كبح جماح إرادة الشعب الصومالي وأسقط حكومة "فرماجو" التي كانت تواقة إلى إحداث تغيير جذري على السياسة الصومالية، بالإضافة إلى أن هذا المؤتمر أعطى اعترافًا رسميًّا لولايات إقليمية قد لا يتوسع نطاق جغرافيتها إلا كيلومترين أو أقل من ذلك، وهذا ما يوسع فجوة الأزمة الصومالية، ويخلق تفككًا جديدًا وتفتيتًا رهيبًا لديمغرافية الصومال.

 

أعمال المؤتمر التشاوري بين الفصائل الصومالية انطلقت أعماله في مقديشو، والمشاركون في هذا المؤتمر- في تقديري- لا يمثلون جناح بعوضة لمن يشكِّل ثقلاً سياسيًّا في المسألة الصومالية، كما أنهم غير قادرين على التوصل إلى اتفاق يُنهي أزمة القرن الإفريقي، وهذا ما يوحي بأن المؤتمر لم يكن في نظر البعض إلا بمجرد "دردشة" لعرض أحاديث وخطب لا ترقى إلى مستوى الأزمة الصومالية.

 

ويتزامن هذا المؤتمر مع ما تشهده مناطق متفرقة من الصومال- جنوبًا وشمالاً- من قتال ضارٍ بين الصوماليين، فعصابات مسلحة تقض مضاجع القوات الأمنية في بونتلاند، وأخرى تغار على قبائل رعوية في بلدات متفرقة في وسط الصومال؛ لتعيث فسادًا وخرابًا في البوادي والقرى، إضافةً إلى أزمة مجاعة استفحلت ثلث جنوب الصومال، غير أن رسم خارطة تتيح التجاوز عن المرحلة الانتقالية هو الذي كان الشغل الشاغل للمجتمعين في المؤتمر، دون أن يلتفتوا إلى القتال القبلي الذي يدور بين الصوماليين.

 

لم يكن هذا المؤتمر هو الأول من نوعه الذي تنظمه الأمم المتحدة لحل المشكلة الصومالية، غير أنها فاقت أكثر من 15 مؤتمرًا للمصالحة، وكانت النتائج والتوصيات والقرارات كحصاد الهشيم، كما كان الفشل حليفًا لها طيلة تلك السنوات المنصرمة.. فهل يشكل هذا المؤتمر تدويلاً جديدًا من قبل الأمم المتحدة أم أنه نقطة انعطاف جديد قد تغير حال الصومال المزري إلى أحسن منه؟.

 

وقد أطل علينا هذا المؤتمر في وقت اشتدت المجاعة على الصوماليين، بينما الأمم المتحدة وجميع منظماتها الإغاثية يلعبون دورًا هامشيًّا غير واضح المعالم، واكتفت بإصدار تقارير وإحصائيات مرعبة قد تتحدث عن ارتفاع مستوى سوى التغذية في جنوب الصومال، أو إعلان عن امتداد المجاعة إلى مناطق جديدة، دون أن يكتب لبرنامج الأغذية العالمي أي دور داخل الصومال، اللهم إلا بعض المساعدات التي تتكون أصلاً من قمح قديم تكدس في المخازن سنوات مديدة؛ ليفرغوا على أفواه الجائعين في القرن الإفريقي.

 

وأيًّا كانت الأمور فإن الصومال لم يتحرر بعد من "شرنقة" التبيعة الإقليمية كما يدور في فلك الأمم المتحدة، وإن تكن الأخيرة تنآى بنفسها عما يدور في الصومال من تقلبات سياسية وحرب طاحنة، وتتجاهل عن أنها هي الصانعة الحقيقة للمشكلة الصومالية؛ فمتى يتم تصحيح المسار وتنتهي لعبة التدويل ونقمة التجاهل الدولي في المسألة الصومالية.