لا شك أن ما يحدث في سوريا الآن يؤكد أن سوريا الشريك العربي الرئيسي في حلف المقاومة والممانعة قد سقطت، ولن تستطيع استرداد دورها الذي تصدَّرت به المشهد العربي الفترة الماضية في غياب مصر ووقوفها بجانب المشروع الصهيوني الأمريكي، وتفتيت العراق وتخويف الخليج؛ كي يقفز في حضن الأمريكان، ووضوح المشروع الإيراني في المنطقة..
كل هذا منح سوريا موقفًا متميزًا، على الرغم من أنها لم تطلق رصاصة واحدة في اتجاه العدو الصهيوني ولم تحشد قواتها- حتى ولو من باب التهويش- على الحدود، ولم تنتفض بقوة عندما استُهدفت أراضيها من العدو الصهيوني وقصف مباني قيل إنها لمشروع نووي كما ترد الفصائل الفلسطينية عندما تقصف غزة!، بل كل ما حدث استنكار وتبرئة للنفس من كبيرة التفكير في أي مشروع نووي!!.
كل هذا الضعف والهوان على الرغم من أن سوريا لم ترتبط حتى اليوم بمعاهدة مع الكيان الصهيوني، مثل معاهدات الذل والعار (كامب ديفيد، ووادي عربة، وغيرهما).
ومن أسف أنه عندما انتفضت حكومة بشار الأسد كانت ضد شعبها، وعندما استعملت السلاح الذي قارب على الصدأ كان موجهًا إلى صدور الشعب السوري الأعزل ورءوسه، وكل محاولات الكذب والتجمل فشلت لكثرة الدماء التي سالت، والمعتقلين الذين اختفوا، والإصابات التي زادت، ولم تنجح محاولات إثبات وجود مسلحين من الشعب في مظاهراته التي بدأت ولن تنتهي إلا بسقوط الشاب الذى صار يقينًا ابنا لأبيه السفاح بلا أي رتوش، فقد فضحه الله كما فضح الحكام المخلوعين من قبله، ولكنه لن يستفيد بما حدث؛ فهو ممن كانوا يظنون أنهم في الأمان والاستثناء، ولن يجري عليهم ما جرى على من سبقهم.
إنهم لا يفهمون السنن الكونية ولا الاجتماعية ولا السياسية التي تحدث وتتكرر بلا أي تغيير؛ اللهم في الأسماء والأماكن والأزمنة!!
والذي يحزنني هو تردد الكثيرين من القيادات والهيئات في اتخاذ موقف حاسم مما يحدث؛ مثل المؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمر القومي العربي ومؤتمر الأحزاب العربية، وكلهم شاركتُ معهم نضالهم ومواقفهم المحترمة من الحكام الظلمة، وسؤالي لهم: على ماذا يراهنون؟
كيف يمكن لمن تلوثت يداه بدماء شعبه أن يبقى رمزًا أو قائدًا أو حتى إنسانًا محترمًا؟ اللهم بصرنا بالحق واجعلنا أهلا لنصرته ونصرة أهله اللهم آمين.
مرة أخرى القيادات الجامعية
لم أجد ردًّا على أي تساؤل حول موقف المجلس الأعلى وموقف د. عصام شرف المغاير لما أعلن عنه بخصوص إقالة القيادات الجامعية كافة قبل بداية العام الدراسي!! لقد تكلمت فى المقال السابق حول أزمة الصراع بين الشرعية الثورية التي نحملها نحن كشعب والشرعية القانونية التي دائمًا يلجأ إليها المجلس الأعلى في قضايا حساسة وعاجلة، واليوم أقول: لو أصر المجلس والوزارة على إجراء الانتخابات في المقاعد الشاغرة فقط فهذا معناه إسباغ الحصانة على قيادات جامعية متهمة بالفساد، ومستندات فسادها تجاوزت مئات الأوراق؛ بل وصل جزء منها للوزير السابق دكتور عمرو عزت سلامة، على أن هناك بلاغات في النيابة العامة ضد أغلب العمداء ورؤساء الجامعات الذين رفضوا الاستقالة؛ خوفًا من ملاحقتهم، فلا مانع- حلاًّ للمشكل الخطير الذي يقترب من العام الجامعي والجامعات- من قرار على الأقل بإقالة كل من وجهت له تهم الفساد المالي والإداري والعلمي أحيانًا لحين ثبوت التهمة أو البراءة منها!!
لكن يبقى في عمله والضرر الواقع منه ماثل أمام العيون دون أى محاسبة أو حتى استكمال للتحقيقات، فهو العبث ذاته والعناد الذي تخلصنا منه بالدماء، فهل هي دعوة مقصودة للغليان والغضب؛ لتحقيق أهداف أخرى لا يعلمها سوى المجلس الأعلى ورئيس الوزراء ويا ترى ما هى؟؟
السياحة وعقلية الاستعلاء
حديثي عن السياحة لن أتحدث فيه عن حل أو حرمة رغم أني قادم من رحلة للغردقة؛ استجابة لتنشيط السياحة الداخلية كما حدث عام 1995م بعد حادث الأقصر؛ حيث ذهبت فى رحلة أسرية أيضًا إلى الأقصر وأسوان، وكلاهما ممتع، لكن هناك فروق كبيرة؛ حيث تميزت الرحلة الأولى في 1995م بأنها سياحة حضارية تاريخية لها روادها، وهذا ما تأكد في الرحلة الثانية، تلك التي كانت رحلة ترفيهية خالصة، وقد تحولت فيها الغردقة خاصة منطقة الممشى وغيرها من المناطق الترفيهية إلى ماخور يمكن أن يحرم المصريين من الاستمتاع بجمال بلادهم! بل الأدهى من ذلك أن المسيطرين على هذا النوع من السياحة لا يتعد عددهم أصابع اليدين، كما هو الحال في شرم الشيخ، أي أن هناك مستفيدين من تحويل السياحة إلى دعارة بشكل رسمي، ضحاياه الفعليون شباب مصر، ثم كل المصريين، مسلمين ومسيحيين، الذين تأذوا من مشاهد هي في عرف أصحابها حياة عادية واستمتاع لا يتم إلا بهذه الطريقة!!
أيضًا بعيدًا عن الحل والحرمة التي لا يمكن للمصريين أن يتخلوا عنها في تقييم الأمور! لكن لأني شاهد عيان أردت أن أشجع السياحة في بلدي كلما دعت الحاجة فوجدت نفسي في أزمة- أقول: إن الأسوأ من سيطرة مافيا سياحة الدعارة في المواقع الساحلية الترفيهية هو الإصرار على استبعاد الشعب المصري من فلسفة السياحة ومنظمومتها في مصر! فلقد تأكد لي أن السياحة في مصر لا تعترف بالسائح المصري، ولا تقيم له وزنًا، ولا تقدم له تسهيلاً أو خدمة تشجعه على السفر والسياحة في أرجاء مصر العامرة بكل ما هو رائع وخلاب، من طبيعة ساحرة ومناخ متميز، لكن السياسة السياحية في مصر تمنع أغلبية الشعب المصري من التفكير في السياحة الداخلية، ولا تلجأ له إلا في الأزمات مع الإحساس بالضرر والزهق والقرف عند استقبال السياح المصريين!!
إن حل مشكلة السياحة يكمن أولاً في احترام الإنسان المصري، والاعتراف بحقه في الاستمتاع بجمال وطنه كما تفعل كل الدول المحترمة دون إقصاء أو تعجيز (تذكرة السفر للغردقة 1200 جنيه للفرد.. أنا كأستاذ جامعي أمشى أرخص مش أركب باص حتى!) باختصار عندما نحترم المصريين ونحترم أنفسنا يحترمنا الأجانب، ويراعوا إحساسنا لكن طالما استمر احتكار السياحة كما هو حادث الآن فلا معنى للحديث عن الحلال والحرام في السياحة.. الله يرحمها!!.
صندوق الشكاوى
(1) أبدأ بنداءين، الأول: من الأستاذ الدكتور مأمون عاشور، الأستاذ بطب عين شمس يقول فيه: "في ظل تدهور الحالة الأمنية أثناء وبعد الثورة اختفت سيارات عددها بعشرات الألوف من مختلف الموديلات في جميع أنحاء الجمهورية، بعض تلك السيارات تترك في الشوارع بعد فترة لحدوث عطل بها أو بعد سرقة محتوياتها وفي كل الأحوال لا يستطيع أصحابها البحث عنها في جميع مدن مصر وقراها.
نتمنى أن تقوم الجمعيات الأهلية والأحزاب والنوادي بعمل آلية؛ لجمع معلومات عن السيارات المهملة بالشوارع والساحات، ونشر تلك المعلومات في وسائل الإعلام وصفحات النت وأقسام الشرطة ربما تساهم تلك الخطوة في العثور على بعض تلك السيارات".
الثاني: من الأستاذ محمد ثابت توفيق الذي تم تعيينه في قناة النيل الثقافية عام 1998م حتى جاء رفض الأمن بعد استدعائه وبعد سفر للخليج ونشر أكثر من ثلاثين كتاب له، وهو عضو اتحاد كتاب مصر، عاد ليحاول مرة ثانية فوجد أنه ممنوع من دخول مبنى الإذاعة والتليفزيون، ونزل له سكرتير الوزير ليقدم مظلمته ورغم مرور أكثر من 25 يومًا لم يتلق ردًّا! والسؤال: "هو فيه ثورة قامت ولا احنا بنحلم"!!.
(2) الصناديق الخاصة هي مصدر تمويل فلول الحزب الوطني التي ما زالت تسيطر على الهيئات الحكومية والمؤسسات والمشاريع في كل الوزارات، وهي كما أعلن الجهاز المركزي للمحاسبات تبلغ أكثر من عشرة آلاف صندوق خاص تم رصد تريليون و272 مليار جنيه فيها خلال العشر سنوات الماضية، وقد ذكرت حركة رابطة "رقابيون ضد الفساد" مطلبًا مهًّما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، وكل تأخير فيه يحتاج إلى تبرير من المجلس الأعلى والوزارة الانتقالية التى تمهد للانتخابات القادمة، وهو ضرورة إلزام كل الوحدات التابعة للجهاز الإدارى للدولة وغيرها، والتي تحتفظ بحسابات هذه الصناديق لدى البنوك التجارية بتحويل ما لدبها من أموال إلى الحساب الموحد بالبنك المركزي، وأيضًا اتخاذ قرار بإلغاء المادة 20 من القانون رقم 53 لسنة 73 الذى سمح بإنشاء هذه الحسابات بعيدًا عن رقابة الدولة.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.
-----------------
* برلماني سابق وقيادي بحزب "الحرية والعدالة"- g.hishmat@gmail.com