خالق هذا الكون هو الله، والذي يعلم أمره وتدبيره وما يصلحه وما يفسده هو الله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)) (البقرة) وقد جعل الله لهذا الكون سننًا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)) (فاطر)؛ ولذلك كان على الناس التماس سنن ربهم في تعمير هذا الكون وإقامة الحضارة في المنهج الذي ارتضاه الله تعالى لهذه البشرية القرآن الكريم، والقرآن الكريم وحده هو مناط الاهتداء إلى القوانين الكونية والسنن الإلهية، لطالما أمر القرآن الكريم بالسير في الأرض، والنظر في السماء، كما فرض على المسلمين التفكير والتدبر والتعقل؛ وما ذاك إلا لاكتشاف كنه هذا الكون وأسراره.

 

والجهل بالسنن الإلهية ودور هذه السنن في بناء الحضارات يُصيب بالتخبط والحَيْرة، بل قد يوجه للإسلام الاتهام بتأخر المسلمين بسبب فقدان الوعي بها، وقد وجدنا من يقول: "إن دين الإسلام هو السبب في جهل المسلمين وضعفهم، ولا حياة لنا إلا باقتباس علم وسنن العمران من الأمم غير الإسلامية التي سادتنا بهذه العلوم، وما يؤيدها من الفنون والصناعات".

 

ولا ينطق بهذا السفه إلا مغيب العقل مما تعلمه من فلسفات مزيفة، أو جاهل بحقائق الإسلام جهلا تامًا، أو أنه ينطق بهذا الإفك لمصلحة دنيوية يعلمها القاصي منا والداني؛ إذ "كتاب الإسلام هو المرشد الأول لسنن الاجتماع والعمران، ولكن المسلمين قصَّروا في طور حياتهم العلمية عن تفصيل ذلك بالتدوين لعدم شعورهم بالحاجة إليه، وكان حقهم في هذا العصر أن يكونوا أوسع الناس به علمًا؛ لأن كتاب الله مؤيد للحاجة بل للضرورة التي تدعو إليه".

 

والقرآن الكريم أرشدنا إلى أن لله في خلقه سننًا، تتبعها يبني الأمة ويقيمها وصيةً على بقية الأمم؛ وذلك يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة، لنستمد الهداية منها، وذلك الواجب الإسلامي يفرض على أمتنا في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله تعالى في كونه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال.

 

ومن أهم السنن الربانية المُطردة في الاجتماع والعمران على الإطلاق: التدرج؛ ذلك أن الإصلاح والترقي لا ينجح ويثبت إلا إذا تدرج أهله فيه تدرجًا، "فمحاولة الطفو غرور، وطلب الغاية في البداية عجز وحرمان، ومراعاة السنن الإلهية ومسايرة النواميس الطبيعية كافية بفضل الله تعالى لبلوغ كل مقصد ونيْل كل مرام".

 

ولتعليم المسلمين هذه السنة الربانية تدرَّج الإسلام في فرض الفرائض، وتحريم الخبائث مراعاةً لطبائع البشر، فكان إعجازًا تشريعيًّا من الله تعالى، كما راعى التدرج في سيادة المجتمعات بعضها بعضًا، وراعى سنة التدرج في ارتقاء الإنسان بذاته إيمانيًّا، ونفسيًّا.... ومن أوضح ما راعاه الإسلام مع هذه الطبائع الإنسانية التدرج في التشريع، فقد فرض الفرائض التي افترضها على الإنسان على مراحل متعددة حتى وصلت إلى الصورة التي بها الآن.

 

فقد فرض الصلاة أول ما فرضها ركعتين ركعتين، ثم أقرت في السفر على هذا، وزِيدَت في الحضر إلى أربع، أعني: الظهر والعصر والعشاء.

 

والصيام فرض في أول الأمر على التخيير، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، ثم أصبح الصيام فرضًا لازمًا على كل مسلم صحيح مقيم لا عذر له: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية 185).

 

والزكاة فرضت بمكة على التخيير، من غير تقييد ولا تحديد حسب حاجة المسلمين، ثم فُرِضَت وحُدِّدت المقادير والأنصبة في المدينة، وكذلك المحرمات لم تحرم دفعة واحدة، لاسيما المتأصل منها في دماء العرب كالخمر.

 

فليس من الحكمة فطام الناس عنها بأمر يصدر لهم، وإنما الحكمة إعدادهم نفسيًّا وذهنيًّا لتقبلها، وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها.

 

فإذا ما اتبع المسلمون سنة التدرج في الارتقاء الحضاري والتاريخي سادوا العالم ودام ملكهم؛ فليس الهدف أن يصل المسلمون إلى تلك السيادة فحسب، وإنما المراد بقاء تلك السيادة في أيدي المسلمين، "فالمحافظة على المجد ليست أيسر من بلوغه، بل قد تكون استدامة النعمة أصعب من تحصيلها".

----------------

* nassareg2000@gmail.com