أكدت لجنة "بالمر" التي نظرت حادثة الهجوم الصهيوني على أسطول الحرية المتجه إلى غزة؛ لكسر حصار الصهاينة عليها في مايو 2010م أمرين خطيرين: الأول أن الحصار البحري لغزة مشروع، وأن هجوم الصهاينة على الأسطول كان دفاعًا شرعيًّا عن النفس، ولكن تل أبيب استخدمت في هذا الهجوم المشروع قوة تجاوزت المسموح به في هذه الحادثة، وقد أذيعت نتائج هذا التقرير يوم 3/9/2011م في لحظة كانت تل أبيب فيه تعلن هيمنتها على المنطقة، وأن البحر المتوسط قد أصبح بحيرة إسرائيلية، بينما كانت تركيا بضغوط من واشنطن تنسحب تدريجيًّا من المشهد؛ حتى تتفادى المزيد من تدهور العلاقات مع الصهاينة، بل كانت الجهود مستمرة لرأب الصدع في علاقات الحليفين الإستراتيجية المستندة على خلفية العلاقة مع واشنطن والناتو؛ حيث تعول واشنطن كثيرًا على دور تركي في المنطقة لا يحتك بالصهاينة، وإنما يستجيب لمتطلبات أوراق القوة التركية في هذه المرحلة، وأهمها تعزيز الديمقراطية والنمو الاقتصادى ووضع الجيش في مكانه المهني غير السياسي، وهي إنجازات حقق بها حزب "العدالة والتنمية" ما كان يبدو مستحيلاً منذ عقدين من الزمان.
وكانت تركيا تحاذر من الصدام مع الكيان الصهيوني لدرجة أنها رفضت أن تبحر قافلة الحرية (2) من أراضيها بينما جرح (آفى مرمرة) لا يزال مفتوحًا وطلب الاعتذار من تل أبيب لا يزال يطرق أبوابها وهي ترفضه بعناد، وتريد تجاوزه، بل طلبت تل أبيب من أنقرة أن تعتذر عن تدبير عدوان أسطول الحرية وتجرُّئه على اجتياز البحر المتوسط، بحر إسرائيل العظمى.
هكذا بدا المشهد يوم إعلان تقرير "بالمر" الذي فجر غضب الأتراك، خاصة أن مصر قد أعلنت من خلال موقفها من عدوان الصهاينة على جنودها في سيناء وإدانتها لمصر بعجزها عن منع الإرهاب الذي يستهدف الصهاينة، أنها تؤثر السلامة بالانسحاب أمام القوة االصهيونية المتربصة بالجميع؛ مما أشاع الراحة عند الصهاينة بأن الجبهة المصرية لا تزال جبهة آمنة كما كانت في عهد كنزها الإستراتيجي حسني مبارك. ولذلك فإن رد الفعل التركي يتعاظم أثره في ظل هذا الوضع: توحش الصهاينة على مصر والعرب، وفرض هيمنتها على البحر المتوسط، ودعم واشنطن للقرن الإسرائيلى الجديد، وشعور الأتراك بالإهانة بسبب هذا الموقف، وصفعة تقرير بالمر الذي يخالف القانون الدولي عندما يؤكد مشروعية الحصار، كما يخالف القانون الدولي عندما يقر لإسرائيل بأنها مارست حق الدفاع الشرعي بالهجوم على الأسطول المدني في أعالي البحار.
وبصرف النظر عن التدابير التركية في مجال العلاقات الثنائية مع إسرائيل التي أحرجت مصر أيضًا، فإن أخطر ما أعلنته تركيا وهو وخزة أخرى في جنب مصر التي تمتد شواطئها على البحر المتوسط لأكثر من 1200 كيلومتر، هو أن البحر المتوسط مياه دولية، ولن يكون بحيرة إسرائيلية، وأن ما تمارسه تل أبيب هو بلطجة بحرية يجب وقفها، وأن تركيا قررت أن تسير قواتها البحرية؛ لتأمين البحر الأبيض من هذه البلطجة ما دام المجتمع الدولي غير مكترث بهذه البلطجة، وأن البحرية التركية سوف تحمي بشكل خاص سفن الإنقاذ المتجهة إلى غزة.
في السياق نفسه كررت تركيا شروط الصلح مع الصهاينة، وأولها: الاعتذار والتعويض، ورفع الحصار عن غزة، وهذا هو البعد الإقليمي الجديد والمثير في تداعيات الصراع الجديد بين إسرائيل وتركيا، والذي يكشف أن تركيا سوف تقود الشعوب العربية التي عجزت حكوماتها عن التصدي للبلطجة الصهيونية؛ إذ تدرك هذه الشعوب جيدًا أن تل أبيب هي التحدي الأخطر للوجود العربي، وأن النظم قد استسلمت للصهاينة؛ بل إن بعضها كان حليفًا للصهاينة في حلف يستهدف الدول العربية وهذه الشعوب، والمثال الأوضح هو مصر التي لا تزال تل أبيب تنظر إليها بقلق بالغ وتخشى أن تؤدي الثورة إلى إقامة نظام وطني مثل النظام التركي يقلب ميزان القوة ضد الصهاينة.
أما الإجراء الآخر التركي فهو إثارة مدى مشروعية الحصار على غزة في القانون الدولي أمام محكمة العدل الدولية.
الإجراء الأول وهو عسكرة البحر المتوسط له تداعياته الخطيرة والمدى الذي يمكن أن يصل إليه في ظل هيمنة الأسطول السادس والناتو بمناسبة العمليات في ليبيا، ولكن شرق المتوسط يتخذ نسقًا جديدًا داخل النسق العام للبحر المتوسط، وبذلك تصبح القوة هي الفيصل في تبعية شرق المتوسط بين أنقرة وتل أبيب، وهل تسمح واشنطن بالصدام بين عملاقي المتوسط بعد فشل جهود إرضاء تركيا أم أن واشنطن ستبذل أقصى الجهد؛ لكي يظل ملف الهيمنة على شرق المتوسط في يد إسرائيل حليفها الأبدي والمطلق؟
وهل يصبح المتوسط ساحة للصراع كما أصبح البحر الأحمر عندما لم يعد بحيرة عربية بانزواء مصر وذبولها في عهد مبارك وتسليم القياد للكيان الصهيوني الذي يعتصره الألم لنهاية حقبة مبارك الذي قدم مصالح الكيان على مصالح وطنه؟ إلا أن هذا المناخ يسمح أيضًا بأن يصبح البحر المتوسط ساحة لاستعراض القوة البحرية لأي دولة غير متوسطية مثل إيران وغيرها، وهذا كله ضد مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة. وماذا لو هاجمت إسرائيل سفن كسر الحصار، وهي في حراسة البحرية التركية، هل تقع حرب بحرية بين الطرفين؟ إن قرار تركيا بحراسة سفن كسر الحصار واشتراط رفع الحصار عن غزة رسالة للمنطقة بأن تركيا هي التي تتصدى عندما عجز العرب، وهي رسالة سياسية إستراتيجية وليست خطة عملية لكسر الحصار بالقوة وإجبار إسرائيل على الاختيار بين النكوص عن المواجهة أو المواجهة بما لها من تداعيات وتوابع خطيرة على إسرائيل؛ إذ يخشى أن تشتعل المنطقة في عملية تصفية حساب مع بلطجي المنطقة الذي جاء الأتراك ليحرروها من شروره؟.
أما الإجراء الثاني الذي لا يقل خطورة فهو تصدي تركيا لنزع الشرعية عن "إسرائيل" التي نشأت خارج رحم القانون الدولي؛ ولذلك لا تقبل منه إلا ما يخدم مشروعها ولا تقره إلا لهذه الغاية، ولذلك جاء تقرير بالمر أكثر تشددًا من تقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية التي حققت في حادث أسطول الحرية.
أعلنت تركيا أنها ستلجأ إلى محكمة العدل الدولية؛ لكشف الطبيعة القانونية لحصار غزة، وهو أمر لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح، ولكن في ضوء تقرير بالمر فنحن بحاجة إلى إعادة التأكيد على أن الحصار جريمة، وأن الجريمة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بغزة، ثم يزداد حجم الجريمة عندما تقوم بها إسرائيل في عرض البحر وفي البحار العالية وضد أسطول مدني مسالم يهدف إلى إغاثة أهالي غزة المحاصرين ظلمًا وعدوانًا.
وتستطيع تركيا أن تعرض القضية على محكمة العدل الدولية بطريقتين، الأولى أن تقيم تركيا الدعوى مباشرة ضد "إسرائيل"، ولكن يُخشى أن تصطدم المحكمة بتحفظات إسرائيل على قبول اختصاص المحكمة، وهي أنها لا تقبل اختصاص المحكمة في كل المنازعات المتعلقة بقيامها وحدودها ووجودها؛ وحيث إن سلوك إسرائيل مرتبط عندها بوجودها، وأن شرعيتها دائمًا قريبة من جلدها، فإنه يخشى أن تفشل المحكمة في إثبات اختصاصها في نظر القضية؛ لأن إثبات عدم مشروعية الحصار بحكم قضائي يعني عمليًّا أن من حق تركيا أن تنتقم من إسرائيل بكل صور الانتقام، أي أن القضية في نظر تركيا هي فاتحة للمزيد من الإجراءات، وتدرك تركيا قطعًا أن مشروعها سوف يصطدم حتمًا بالكيان، وأنها لن تقبل أن يعيدها الكيان إلى حدودها الجغرافية، وتنفرد بكل الساحة التي تخلى عنها العرب، وفى مقدمتهم مصر التي أطفأت أنوارها وخلدت إلى سبات عميق لتصحو على واقع المنطقة الجديد، وربما أصبحت هي نفسها عرضة لتوزيع مناطق النفوذ في العصر الجديد.
ولكن وزير خارجية تركيا أشار إلى أن قضية حصار غزة ليست قضية ثنائية بين تركيا والكيان، وإنما هي قضية بين "إسرائيل" والمجتمع الدولي، وهذا يعني: إما أن تركيا ترفع الدعوى ووراءها مصلحة دولية معتبرة، أو أنها سوف تسعى لاستصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي استشاري من المحكمة حول مدى مشروعية الحظر في ذهن تركيا. طبعًا سوف تستغرق القضية وقتًا والرأي الاستشاري كذلك، كما أن الرأى الاستشاري حول الجدار العازل لا يزال حبرًا على ورق، ولكن الرأي الجديد سيكون أساسًا لشرعية التحرك التركي لصالح غزة.