ما أجمل أن يجتمع المسلمون بعد التحرير متآخين مترابطين في أعراس أخوية، ولقاءات ودية، واجتماعات إيمانية ترتوي فيها القلوب برحيق الإيمان، وتتزود بزاد التقوى، وتتآزر على الخير، وتتعاون على المعروف، وتتعاهد على حمل الرسالة، وتتواصى بتبليغ الهدي وبناء النهضة!، وما أروع أن يتعانق المسلمون كالبنيان المرصوص، ويلتحموا كالجسد الواحد، ويتناصروا كالسواعد الفتية، في مواجهة الأعاصير والفتن، التي تقتلع الرواسي، وتزلزل الجبال، في مقاومة المؤامرات والدسائس التي تحاك في الظلام، وتدبر بليل لتعصف بالجسد المسلم الناهض، وتدمر الصف المؤمن الفتي، وتهلك الحرث والنسل الناشط، والله لا يحب الفساد. 

 

ونحن لا نزيد المسلمين علمًا بما تُبَيِّته القوى المستعمرة من شر ودمار للمسلمين، وبما فعلته الأنظمة الباغية من فتك وهلاك بالمتقين، وكيد للإسلام وحملة فكرته، وبما تكتبه الأقلام المأجورة التي زودت بالمال الحرام وبما تردده الأفواه المسعورة، من نباح ورغاء آناء الليل وأطراف النهار، لتلويث الفكرة الإسلامية، والتحريض على حملتها، والقائمين بها والداعين إليها، وبما يفعله الزخم الإعلامي الداوي الذي يصم الآذان، في العامة والبسطاء من الناس وسليمي النية من تلك الشعوب المسكينة، ولقد كشفت القوى الخفية التي تكيد للمسلمين عن خطتها، وأظهرت وجهتها، وأفصحت عن مقصدها، ورددت ذلك وسائل الإعلام من مجلات وصحف وإذاعات ودوريات مختلفة.

 

فهذا (موروبيرجر) في كتابه (العالم العربي المعاصر) يقول: "إن الخوف من العرب أو الاهتمام من جانبنا بالأمة العربية ليس ناتجًا عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، الذي يجب محاربته للحيلولة دون وحدة العرب والمسلمين التي تؤدي إلى قوتهم، لأن قوة العرب والمسلمين تتصاعد دائمًا مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره" ولهذا فالغرب يتخذ الإسلام عدوًّا الآن.

 

ويقول لورانس براون: "كان قادتنا يخوفوننا بالخطر اليهودي، والخطر الياباني، والخطر البلشفي لكنه تبيَّن أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا، وأما اليابانيون، فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، لكننا وجدنا الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته المدهشة!!.

 

ويعبر كالاهان رئيس وزراء بريطانيا السابق، عن تخوفه من الإسلام، وذلك في مقابلة إذاعية بريطانية؛ حيث سأله المذيع عن أهم الموضوعات التي ستبحث في مؤتمر (جوايد يلوب الرباعي) فقال له: (الشرق الأوسط)، فطلب منه المذيع مزيدًا من الإيضاح، فأجابه باختصار: (ربما كان من الصعب عليك أن تفهم ما يدور في هذه المناطق، ولكنى كنصراني مخلص، أقول لك: إن هناك عقيدة معادية لنا في تلك البلاد، يشعر بها ويعرفها تمامًا النصارى المخلصون، وهذا هو ما سنبحثه في المؤتمر، لننظر كيف نكبتها أو نقضي عليها".

 

من قديم والمسلمون يواجهون أعداء مجتمعين متآزرين متناصرين يمسك بعضهم بِحُجْز بعض قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال: من الآية 73)، (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة: من الآية 67). 

 

وقد يدهش الإنسان إذا رأى الشيوعي والنصراني واليهودي وحتى من يعبد البقر يعادي الإسلام، وصدق الله: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: 217)، (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: من الآية 120)، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة: من الآية 36).

 

ولهذا لا نعجب إذ نرى الزعيم الشيوعي (كاسترو) الكوبي ينصح زعماء إسرائيل فيقول لأحدهم: (يجب على إسرائيل أن لا تترك حركات الفداء الفلسطيني تتخذ طابعًا إسلاميًّا، لأن اكتساب هذه الحركات هذا الطابع العقائدي سيجعل منها شعلة من الحماس الذي هو مألوف عند الجماعات الإسلامية، وإن هذا الحماس الديني سيستقطب جماعات إسلامية أخرى، مما يجعل من المستحيل على إسرائيل أن تصون كيانها، وعلى إسرائيل أن تسعى لجعل كل دولة عربية في جوارها غير إسلامية، كأن تكون وطنية اشتراكية فإن منتهى المطاف لأية حركة مقاومة عربية ذات طابع علماني، هو التعايش السلمي مع الدولة الإسرائيلية) وهذه النصيحة لم تغب عن بال إسرائيل ولو للحظة واحدة، حيث تعمل إسرائيل جاهدة على ضرب الحركات الإسلامية.

 

يقول (ابن جوريون) الرئيس الإسرائيلي السابق- مفصحًا عن خشية إسرائيل من الإسلام: (إن أخشى ما تخشاه إسرائيل أن يظهر في العالم العربي محمد من جديد)، نعم أن يظهر الإسلام فيعلي راية الحق ويأخذ بيد المستضعفين ويُمَكِّن لهم في الأرض: (وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: من الآية 6)، يخشى الأعداء أن يبزغ فجر العقيدة وتطلع شمس الحقيقة؛ فتكشف اللصوص والسراق والقتلة والمأجورين وتجار السموم والرذيلة، يخشى الدجاجلة أن يأتي عباد الرحمن الأطهار الأبرار الأتقياء الأنقياء، أصحاب العزائم أولو الأيدي والأبصار، رجال الصدق الذين لا ينكثون العهود مع الله، ولا يقبلون الضيم والهوان، فيتردد النشيد من جديد ويعلو الهتاف ويتردد الصدى في الدنيا (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)) (الإسراء).

 

ولهذا فنحن نرى اليوم آثار هذا الزخم العدائي ممثلاً في حرب لا هوادة فيها على الإسلام والمسلمين، سخر فيها كل شيء، ودفعت فيها ببعض الأنظمة البائدة في بلاد المسلمين لتكون رأس الحربة التي تغمس في الجسد الإسلامي لتفتك به، وتقضي على العاملين له، ولكننا نعرف- بحمد الله- قوة الإسلام حين يبغي عليه ويُحارب، وسطوته حين تتكأكأ عليه أعداؤه، وبأسه حين ينادى به في ساحة الجهاد، وها أنتم يا شباب الإسلام وجنده، ويا فتية الرحمن وحزبه يناديكم الإسلام من جديد أن هلموا لتكسروا القيد، وتدرءوا الظلم، وتدفعوا المكر، وترفعوا الراية، وقد فعلتم اليوم ما أبهر العالم وحررتم بلادكم فأكملوا المسيرة وسارعوا الخطو .

 

ومن يجد الطريق إلى المعالي      فلا يذر المطي بلا سنام

ولم أر في عيوب الناس عيبًا      كنقص القادرين على التمام

فشُدوا العزم، وزكوا النفس، وأخلصوا النية، وسارعوا الخطو، وضموا الصف، ونادوا بالوحدة والحب، وَزَيلُوا القتامة والفرقة، وارفعوا الصوت، ورتلوا الآيات فقد جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف: من الآية 21).