في حفل افتتاح مقرِّ جماعة الإخوان المسلمين بالقاهرة سألت د. عمرو الشوبكي، أحد ضيوف الحفل: هل التاريخ يكرر نفسه ويحدث ما حدث؟.. فقال لي: لا، بل يتطور، نافيًا أن يتكرر مرة أخرى ما حدث مع الجماعة في وقت سابق.
ولكن لا يزال قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نِدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) يتردد في خلدي وأجد صداه ما بين وقت وآخر في التشابه الذي أرصده والتكرار الذي يصدمني، فعندما قرأت أن د. محمد بديع أمَّ حكومة ثورة 25 في السفارة السعودية فوجئت أيضًا أن المستشار حسن الهضيبي، المرشد السابق، أمَّ قيادات ثورة 52 أيضًا، وعندما أتابع اجتماعات د. محمد بديع وقيادات الأحزاب مع المجلس العسكري في فترة سابقة أعود لاجتماعات المستشار حسن الهضيبي مع قيادات الثورة.
أنظر أيضًا وأطالع التاريخ فأجد قيادات الثورة العسكرية تحكم قبضتها على البلاد إبان
عبد الناصر في ثورة 52 رغم المطالبات بعودة الجيش لثكناته وتسليم الحكم للمدنيين وعقد جمعية تأسيسية للنظر في مشروع دستور 1954م وإقراره، وفجأة أجد المجلس العسكري بعد ثورة 25 يخرج علينا الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، في تصريح بأن القوات المسلحة سوف تبقى بعد استتباب الأمور وإجراء الانتخابات حارسًا وضامنًا لحقوق الشعب وحماية الدستور ومصالح البلاد، قائلاً: "لن نسمح لأي سلطة بأن تتجاوز في يوم من الأيام وتجور على حقوق هذا الشعب وكرامته وحريته"، مع أن الأصل أن هذا الأمر في يد السلطات التشريعية والتنفيذية وغيرها من السلطات المدنية لا غير.
وأنا لا أتجاوز عندما أكون أشد قلقًا عندما يتم إجراء استفتاء دستوري خرج بنتيجة مؤيدة فأجد المجلس العسكري في ثورة 25 يُخرج إعلانًا دستوريًّا يرضي فريقي: (نعم ولا) على النحو الذي يرى فيه أن هذا هو استقرار البلاد، مع أن البعض رآه فتنة البلاد وانقسام القوى، والدخول في معترك الاستقطاب السياسي وتبارز الأيدولوجيات بعد أن ذابت في بحر 25 يناير.
وقبل أن يتم التعرض إلى د. عمرو حمزاوي ود. محمد البلتاجي ود. جمال حشمت
ود. أحمد أبو بركة، تلك الرموز السياسية البارزة في المشهد العام بمصر ما قبل وبعد ثورة 25 على يد البلطجة كنت أردد بين زملائي أنني أخشى ما أخشاه مع مجيء السفيرة الأمريكية أستاذة الفوضى والاغتيالات السياسية في الخارج- كما يتردد- أن يتكرر السيناريو، ونخوض سيناريو سنوات ما قبل ثورة 52 أو بعدها، ويكون اللاعب الرئيسي فيها والمستخدم هو "البلطجية"، وعندما أجده أمرًا هكذا ماثلاً أمامي على هذا النحو لا أجد مفرًّا من القول بأن ثورة 25 أو ثورة 52 تتكرر المشاهد ولكن بتطور، وبالتالي فإمعان النظر واستلهام الدروس من التاريخ حق الوقت الذي لا يمكن تجاهله؛ حتى لا نفاجأ بتطورات على أرض الواقع تعيق عمل النهضة والتجديد.
ولا أستطيع أن أجد تفسيرًا لحماية الإخوان ثورة 52، وإجبار الملك على التنازل عن عرش مصر وحماية الإخوان لثورة 25 في ميدان التحرير في أشد لحظات المواجهة قبيل تنحي مبارك عن حكم مصر؛ بل حشدهم ليس في ميدان التحرير فقط ولكن في ميادين محافظات مصر كاملة، وهناك شهود ثقات على ذلك، فهل هذا تشابه أم تقارب أم رسائل يجب أن تصل؟.. لا أدري، ولكن هذه التشابه يجعلني أفكر أكثر.
الكثير حينما أفتح معه هذا الحديث يقول: هناك فارق كبير بين ثورة العسكر وثورة الشعب كل الشعب، لكنني قلت له: إن الثورتين 25 و 52 أحد لاعبيها هم الإخوان والمجلس العسكري وبعض القوى الحزبية والسياسية في الأمرين.
إذن، إذا كان التاريخ يتكرر ويتشابه على هذا النحو، فهل نرى مصر مقبلة على حروب أخرى مع الكيان الصهيوني والعالم في ظل الربيع العربي والثورات السلمية التي تسقط الطواغيت كما أسقطت بلدان أخرى على نحو مختلف طواغيت أخرى في زمن سابق أم أنني أستبق الأحداث وأرتدي نظارة سوداء وأريد أن أعيش فقه المحنة على الدوام، ولا أستطيع أن أخرج من شرنقة التضييق والجو البوليسي؟!!
أكاد أجن مع توالي الأحداث وتشابهها مع الزمن الماضي لكن أستغرب بشدة التقارير المثارة خلال الفترة الماضية حول الإخوان بين الثورتين فتقرير يدعو السلفيين إلى الاندماج في ثورة 25، وعدم تكرار ما يسميه أخطاء الإخوان في ثورة 52، وصلاح عيسى في روزاليوسف يكتب في العدد 4337- السبت الموافق- 23 يوليو 2011 مقالاً مطولاً بعنوان: "الإخوان المسلمون.. بين عسكر ثورة يوليو 1952م وعسكر ثورة يناير 2011م"، وفيه يصر على خلط الأوراق، وأبرز الإخوان على أنهم تعجلوا قطف الثمرة، ولم يستمعوا إلى كلام مرشدهم الأستاذ البنا في ثورة 52 بينما يقول في ثورة 25: "لو أنصف الإخوان المسلمون الذين شاركوا في 25 يناير 2011م لأدركوا أن مشكلتهم الأساسية تكمن في تحالفاتهم السياسية غير المبدئية، وأن السعي للاستظلال بالقوة السائدة والعمل لحسابها ضد الآخرين، لم يقدهم يومًا إلى تحقيق مشروعهم، لكنه قادهم إلى محنة بعد أخرى".
وهذه إشكالية مستمرة لدى السيد صلاح عيسى حتى بعد ثورة 25 في أغاليطه المستمرة وفرضه لرؤى ليس لها أثر من واقع أو تصور في خيال، فحينما تعامل الإخوان أو حزبها السياسي "الحرية والعدالة" مع الجيش "القوة السائدة" بمفهوم عيسى تعاملا معه كشريك تعهد بحماية الثورة، وعليه التزامات يجب أن يؤديها، وخطاب الإخوان والحزب مع المجلس العسكري خطاب قائم على مصلحة الوطن، فالانتقاد منهم كان صوب المجلس العسكري عندما أراد على سبيل المثال تحويل المدنيين إلى المحاكمات العسكرية؛ بل إن حزب "الحرية والعدالة" أحد المكونات الرئيسية لتحالف يضم الوفد والكرامة وأحزاب أخرى يسمى "التحالف الديمقراطي"، ولم يسع للسيطرة عليه أو فرض آرائه أو تصوراته من أجل بناء تحالف قادر على الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة البناء والاستقرار عبر توافق عام يوجده التحالف الديمقراطي حتى الآن.
بل في تحليل مقارن نقلته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بين موقف الجيش الآن، وبعد ثورة (انقلاب) يوليو عام 1952م، والذي كتبه عمر عاشور، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بمعهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستير البريطاني، قال: "إن القياس بالأحداث التي وقعت قبل حوالي 60 عامًا ليس تامًّا؛ حيث تمَّ استبدال بعض الأدوار، فالدور الذي قام به الوفد والليبراليون في الماضي، يقوم به الإخوان المسلمون اليوم.
ويضيف الكاتب: "فعلى النقيض تمامًا من الوضع عام 1952م، يلعب الإسلاميون الآن دور الديمقراطيين، بينما يطالب الليبراليون ببقاء الجيش في السلطة، ويقصد الكاتب هنا موافقة الإخوان على التعديلات الدستورية ورغبتهم في إجراء الانتخابات البرلمانية سريعًا في سبتمبر المقبل، تمهيدًا لنقل الحكم إلى سلطة مدنية، بينما يريد الليبراليون تأجيل الانتخابات لحين وضع الدستور أولاً بما يطيل بقاء الجيش في السلطة".
واستطرد قائلاً: "إن الخلط الذي مارسه المحلل!! عن قصد أو غير قصد يحتاج إلى إعادة قراءات ملفات ثورة 52 مرة أخرى ويكفيني أن أطرح سؤالاً مهمًّا فقط في هذه الزاوية، وهو: لماذا تمَّ الصدام إلى هذا الحد إبان 52 من جانب قيادات الثورة مع الإخوان إذا كانت الصفقة على النحو السالف ذكره؟ وليقرأ نص خطاب الأستاذ المرشد حسن الهضيبي إلى جمال عبد الناصر في رمضان 1373هـ / 4 مايو 1954م، والذي طالبه فيه بضرورة إعادة الحياة النيابية وإطلاق الحريات.
بل كنت أتمنى أن تكون "الجزيرة" حاضرة مشاهد ثورة 52؛ ليواجه أرشيفها تحليل "بي بي سي" ونرى إلى أي توجه انحاز تحليل "بي بي سي" في ثورة 25!!
وأيًّا كان الأمر يجب الاستفادة من التاريخ والإقرار بواقعه، وعدم الاستسلام لأحداثه التي تتطور بين الحين والآخر، وتأخذ أبعادًا وأشكالاً متقاربة أو مختلفة، لكن يجب أن نضع تصورًا للنهضة مدركين أبعاد الماضي وإشكاليات الواقع ورؤى المستقبل دون إقصاء أو تقليل، فمصر ستحرر مهما تجبَّر عليها أحد حتى وإن تشابهت الأيام وتكررت الأحداث وما إسقاط مبارك بشكل سلمي منا ببعيد!.