لعل أقسى درجات الألم التي يواجهها السجين عند خروجه من السجن هي نظرة الاتهام والتشكيك التي تطارده، وحالات الإقصاء التي يجدها من مجتمعه الذي يقف موقفًا سلبيًّا منه بشكل يعطِّل اندماجه السريع مع أبناء جنسه، ولكن الأسوأ من ذلك كله هو معاملة المسئولين عن السجن له عند إفراجه، وتعمدهم الواضح والصارخ لإلحاق كل صنوف العذاب النفسي والبدني للسجين، ومحاولة إذلاله في مخالفة ظاهرة لكل المبادئ الإنسانية ولكل الأعراف الدولية.

 

بمراجعة ما تم خلال الإفراج عن بعض السجناء في عيد الفطر يتضح مدى القسوة والعنف من قبل السجَّانين، وتعمدهم إهدار حقوق السجناء، فهناك حقوق لمن حكم عليه بالسجن وجميع التشريعات، وفي مقدمتهم الشريعة الإسلامية حفظت للسجين حقوقه كآدمي التي لا يمكن المساس بها.

 

وفي حياة كل إنسان لحظات فارقة يتمنَّى المرور عليها سريعًا والهروب منها بأية صورة بغضِّ النظر عن النتائج، ومن هذه اللحظات خروجه من الضيق إلى الحرية ومن الذل إلى العزة.

 

في صبيحة عيد الفطر المبارك لهذا العام- عام الثورة المباركة، عام التخلص من الطغيان والاستبداد والقهر- نادى السجَّان على أسماء مجموعة كبيرة من مساجين ليمان طره وأمره إياهم بضرورة التجمع السريع وارتداء ملابسهم الزرقاء والتنظف والتطيب والتلميع، استبشروا خيرًا بقدوم أول عيد لهم بعد رحيل زبانية المخلوع وأنهم سينالون وقتًا ممتعًا في هذا اليوم على غير العادة، البعض منهم غير مصدق، والبعض اعتبرها تسليةً من الذين ساء حظهم في عدم منحهم إجازات فقالوا نتسلَّى على المساجين, لكن كل ذلك لم يكن، فسرعان ما اكتشفوا أن كل ذلك لزوم الشو الإعلامي والتلميع الفضائي.

 

غالبية السجناء رفضوا التصوير والظهور؛ لأن ذلك من شأنه أن يشعر السجين بما ارتكبه من ذنب وشعوره به، ومحاولة التشهير به وسط أبناء مجتمعه، فكان العقاب بالضرب والسب بأقذع الشتائم والتحايل عليهم بكل الوسائل لتنفيذ الأوامر.

 

ثم كانت المفاجأة الضخمة عندما أخبروا بأنهم مفرج عنهم، ففرحوا وسعدوا، ثم ذهبوا بهم إلى سجن استقبال طره وهناك أمروهم بخلع العهدة (الملابس الزرقاء) وتسليمها، ولكن كيف يتم ذلك وملابسهم داخل الليمان وأماناتهم ونقودهم لدى موظفي السجن، طالبوا المسئولين بضرورة تسليمهم ملابسهم وأموالهم وهويتهم الشخصية وخطاب الإفراج فكان الرد التنكيل بهم وسبهم ورمي بطاقات الهوية على الأرض بصورة مذلة وكل واحد يبحث عما له ثم الخروج السريع بما عليهم من ملابس، سواء كانت داخلية ممزقة أو عرايا غير مهم، المهم الخروج دون تسليمهم أي نقود أو متعهدات شخصية ولا يهم أين يخرج؟ ولا أين يسكن في أسوان أو حلايب أو غيرها دون مراعاة للبعد الإنساني ومعاملة هؤلاء المسجونين بما يحفظ عليهم كرامتهم في مخالفة صريحة للمبادئ الأساسية لمعاملة السجناء التي اعتمدت وأعلنت بقرار الجمعية العامة 111/45 المؤرخ في كانون الأول1990م (يعامل كل السجناء بما يلزم من الاحترام لكرامتهم المتأصلة وقيمتهم كبشر).

 

هل سأل المسئول نفسه: كيف يخرج السجين بهذه الصورة؟ ماذا يقول لمن يقابله؟ أيتسول من أجل البحث عن طعام يأكله أو وسيلة مواصلات تقله إلى بلده؟ كيف يدخل على أولاده وذويه؟ هل نحتاج إلى ثورة في كل مكان على أرض الكنانة؟!

----------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.