- الأهداف المنشودة للأحزاب السياسية:
غاية الغايات السامية للأحزاب السياسية هي تقديم الخدمات النافعة والمشروعة لأفراد الوطن بما يحفظ عقيدتهم وأنفسهم وأعراضهم وثقافتهم وأموالهم في إطار من القيم والمثل والأخلاق الحسنة والسلوك السوي المستقيم.
وليست الغاية من إنشاء أي حزب سياسي هي تحقيق منافع معنوية أو مادية لأعضائه تتعارض مع المنافع الوطنية العليا، فالأحزاب ليست مغنمًا لكن تضحية وفداء من أجل الوطن.
وحيث إن الحزب ليس مؤسسة اقتصادية هادفة للربح أوجالبة للمال ولكن مؤسسة خدمية، فإنه يحتاج إلى مال لتمويل أنشطته المختلفة؛ لتحقيق مقاصده الوطنية المشروعة، ويثار في هذا الخصوص تساؤلات منها: من أين يحصل الحزب على هذا المال؟ وكيف تتم الرقابة على مصادره ومجالات إنفاقه؟ هذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسة المختصرة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها والقوانين واللوائح التنظيمية المعتمدة والموثقة؛ لتستفيد منها الأحزاب السياسية والأجهزة الرقابية عليها.
- الضوابط الشرعية لمصادر تمويل الأحزاب السياسية:
يؤكد الفقهاء على قاعدة شرعية مهمة وهي: "مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة"، وقاعدة: "وسائل الحلال حلال" ويقصد بذلك أن تكون غايات (مقاصد) الحزب السياسي مشروعة، وأن تكون الوسائل لتحقيق هذه الغايات مشروعة كذلك، وهذا عكس ما يتردد أحيانًا في الفكر الوضعي من مفاهيم منها: "أن الغاية تبرر الوسيلة"، أو ما يطلق عليها أحيانًا الميكيافيلية، وهي مرفوضة في الإسلام.
وتأسيسًا على ذلك يجب أن تكون وسائل تمويل الحزب مشروعة.
ولقد استنبط فقهاء الإسلام من مصادر الشريعة الإسلامية مجموعة من الضوابط التي تحكم مصادر الأموال، وهي تنطبق على الأحزاب السياسية، من أهمها ما يأتي:
* أن يكون المال الوارد إلى الحزب قد اكتسب من مصدر حلال وقانوني، ولذلك يحظر على أي حزب أن يتلقى أموالاً قذرة غير مشروعة؛ لأن هذا يتعارض مع الغايات الوطنية السامية؛ طبقًا للقاعدة الشرعية: "وسائل الحرام حرام".
* أن يكون مصدر المال معلومًا، وهذا ما يطلق عليه مبدأ التبيان أو الشفافية أو الإفصاح؛ إذ يجب على الحزب أن يوضح لمن يهمه الأمر مصدر الأموال التي ترد له في ضوء المثبت في سجلاته.
* ألا يكون المال مقرونًا بشروط تمس أمن الوطن وسلامته، فوسائل الحرام حرام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
* وجوب توثيق مصادر المال وتدوينها؛ حتى تطمئن أجهزة الرقابة أن هذا المال قد جلب بالحق ووفقًا للقوانين واللوائح التنظيمية، ويقول الفقهاء: إن الكتابة والتدوين والتوثيق يحقق الطمأنينة ويزيل الشك والريبة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) (البقرة: من الآية282).
* تجنب قبول أموال لتحقيق مآرب خاصة لجهات محلية أو أجنبية تتعارض مع مصالح الوطن العليا؛ تجنبًا للشبهات؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (رواه مسلم).
* تجنب قبول أموال من دول معادية للوطن أو يكون فيها مساسًا بسيادته، فأمن الوطن وسيادته وإرادته أسمى من أي مصلحة ذاتية لأي حزب، ولقد حرمت الشريعة الإسلامية التعامل مع الدول المحاربة المعتدية ومنها على سبيل المثال: إسرائيل.
ومن المصادر المشروعة لتمويل الأحزاب على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ما يأتي:
- رسوم انضمام الأعضاء واشتراكاتهم حسب لائحة الحزب.
- التبرعات والهبات والهدايا من الأعضاء ومن الغير.
- الدعم من الحكومة حسب القوانين والتشريعات.
- إيرادات الأعيان والأموال الموقوفة للحزب وفقًا لقانون الأوقاف.
- إيرادات بعض الأنشطة الحزبية مثل الدورات التدريبية والرحلات والمعسكرات وحملات العمرة والحج ونحو ذلك.
- إيرادات الصحف والمجلات والقنوات إن وجدت.
- القروض الحسنة لسد الفجوة التمويلية في ميزانية الحزب.
- أي إيرادات أخرى يتوافر فيها الشروط الشرعية والقانونية واللائحية للحزب.
- الضوابط الشرعية لنفقات الأحزاب السياسية:
يجب أن توجه موارد الحزب السياسي إلى تمويل أنشطته المشروعة التي فيها نفع للوطن، ويحكم ذلك مجموعة من الضوابط الشرعية من أهمها ما يأتي:
* الإنفاق فى المجالات الحلال والمشروعة ذات العلاقة بالمنفعة الوطنية، وهذا ما يطلق عليه الفقهاء: الإنفاق في الحلال الطيب.
* الإنفاق وفقًا للأولويات وهي الضروريات فالحاجيات وفقًا لما يراه أهل الحنكة والخبرة والبصيرة في قيادات الحزب.
* الإنفاق في ضوء الموارد المتاحة، ولا يجوز للحزب أن يقترض إلا لضرورة معتبرة شرعًا، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية 7).
* الإنفاق المرتبط بأهداف الحزب وأنشطته المشروعة وفقًا لقاعدة السببية التي تربط النفقة بالغرض منها، فلكل شيء سببًا.
* تجنب الإسراف، ويقصد به الإنفاق فوق الوسطية والقوامة والاعتدال، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن: (أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)) (سورة الفرقان:67)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد" (رواه الإمام أحمد).
* تجنب التبذير، ويقصد به الإنفاق فيما يخالف شرع الله ولا يعود على الوطن بأي منفعة معتبرة شرعًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفسوق والهلاك.
* تجنب المظهرية والتفاخر والتباهي والذي لا يحقق للوطن أي منفعة، بل يحقق هوى بعض أعضاء الحزب، فقد أهلك الله قارون بسبب كبريائه ومظهريته، فقد قال الله تبارك وتعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ (81)) (القصص).
* الاقتصاد في النفقات الإدارية في حدود المعايير المتعارف عليها؛ حتى لا تطغى على نفقات الأنشطة الرئيسية ذات العلاقة المباشرة بمقاصد الحزب المنشودة.
* تجنب الإنفاق الذى يقود إلى فساد الذمم وسلب إرادة الناس، ومنه على سبيل المثال: شراء الأصوات والرشوة ونحو ذلك؛ مما يحدث في حالة الانتخابات وعقد الصفقات مع المفسدين في الوطن.
* تجنب نفقات المحاكاة والتقاليد التي تتعارض مع قيم المجتمع ومُثُله وعاداته.
وخلاصة القول: يجب أن يكون الانفاق في الحق ويمنع من الباطل.
ومن أهم نفقات الأحزاب السياسية على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ما يأتي:
- نفقات الأنشطة المختلفة: السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضة والطبية والصحفية ونحو ذلك، ويجب التوازن بين هذه الأنشطة بحيث لا يطغى، أحدهما على الآخر.
- نفقات المقرات الإدارية للحزب، ومنها على سبيل المثال: الإيجارات والأجور والمطبوعات والاتصالات والانتقالات والإعلانات ونحوها، ويجب أن تكون في نطاق المتعارف عليه.
- نفقات إصدار الجرائد والمجلات وأجهزة الإعلام المختلفة إن وجدت في إطار تحقيق غايات الحزب ذات العلاقة بمنفعة الوطن.
- نفقات المشاركة في المؤتمرات والندوات المحلية وغير المحلية ذات العلاقة بمنفعة الوطن.
- مشتريات الأصول الثابتة ذات العلاقة بأنشطة الحزب ونفقات صيانتها في حدود الضروريات والحاجيات.
- المساهمة في أعمال البر والإغاثة في حالات الكوارث والمصائب المحلية والعالمية في إطار المشروعية والقانون واللوائح المنتظمة، كذلك في ضوء القواعد والسياسات والإجراءات التي تحكم النفقات السابقة؛ لتكون المرجعية عند التفتيش والرقابة وبراءة الذمة.
- أجهزة الرقابة المالية على موارد الأحزاب السياسية ونفقاتها:
تخضع موارد الحزب ونفقاته بصفة عامة للرقابة من قبل مجموعة من أجهزة الرقابة من أهمها ما يأتي:
أولاً: الرقابة المالية الداخلية بواسطة مراجع الحسابات الداخلي والذي يتولى الرقابة قبل وخلال وبعد الحدث المالي؛ للتأكد من استيفاء القواعد والضوابط والإجراءات الواردة في اللائحة المالية للحزب، وبيان المخالفات والأخطاء وتصويبها، وهذه الرقابة شاملة ودائمة
ومستدامة طوال العام، ويجب أن يتمتع المراجع الداخلي بالاستقلال المهني والحيدة؛ حتى يكون موضع ثقة.
ثانيًا: الرقابة الخارجية على الحسابات من قبل مراقب الحسابات الخارجي القانوني والذي تعينه الجمعية العامة للحزب، ويتولى بجانب عمله الروتيني تقديم تقرير عن المركز المالي للحزب وإيراداته ونفقاته ورأيه الفني المحايد.
ثالثًا: الرقابة الحكومية من قبل من يعنيه الأمر، وهذا يختلف من دولة إلى دولة، ومن مكان إلى مكان، ومنها على سبيل المثال في مصر: الرقابة الإدارية، والهيئة المشرفة على الأحزاب.
رابعًا: الرقابة الشعبية على أساس أن أي حزب جزء من الشعب ويعمل لمصلحة الوطن، وعليه وفقًا لنظام الحسبة فإنه يخضع للرقابة الشعبية، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110) (آل عمران)، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم).
وتعتبر المجالس النيابية أحد نماذج الرقابة الشعبية.
ويجب أن يتوافر في القائمين على الشئون المالية للحزب بصفة عامة مجموعة من الشروط من أهمها ما يأتي:
* الالتزام بالقيم الإيمانية والأخلاق الحسنة وبالسلوك السوي المنضبط ومنها:
- الإخلاص لله والولاء والانتماء للوطن وللحزب.
- الصدق والأمانة والعفة والعزة والقناعة والشفافية والحيدة.
- التعاون والتضامن وتيسير أمور الناس.
* الكفاءة الفنية في إدارة أموال الحزب بالحق وفقًا للضوابط الشرعية والقوانين الحكومية واللوائح التنظيمية.
* الحنكة والخبرة والبصيرة والمهارة في إدارة المعاملات المالية للحزب وإدارة شئونه المالية وقت اليسر والعسر.
* المعاصرة في ضبط المعاملات المالية واستخدام أساليب التقنية الحديثة؛ فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها.
- حكم الهدايا والهبات والتبرعات للحزب السياسي:
تعتبر الهدايا والهبات والتبرعات لتحقيق مقاصد مشروعة والتي تعود على الوطن بالنفع المشروع من المستحبات الجائزة شرعًا، ولقد أوصى بها رسول الله صلى الله عليه سلم بقوله: "تهادوا تحابوا" (رواه البيهقي)، فإذا أهدى أحد الموطنين سواء من أعضــاء الحزب أو من غيرهم إلى الحزب أعيانًا (عقارات – سيارات – أجهزة – أثاث)؛ ليعينه على تسيير أنشطته فلا حرج شرعي، بشرط ألا تكون مشروطة بشروط مخالفة للشرع أو للقانون أو للوائح وبما لا يمس إرادة الحزب. ويستلزم في هذه الحالة أن تعرض على اللجنة ذات الاختصاص في الحزب ويقبلها ثم توثق وتثبت في الدفاتر والسجلات.
- حكم الوصية المالية للحزب السياسي:
أحيانًا يوصي أحد الناس بوصية (عقار أو نحو ذلك ) للحزب على أن تنفذ بعد الموت، فهذا جائز بشرط ألا تزيد هذه الوصية عن ثلث التركة، وأن يكون نفعها مشروعًا، وإذا نفذت قبل الموت تعتبر من الهدايا والهبات ويطبق عليها الحكم السابق.
وفي كل الأحوال يجب اتخاذ الإجراءات القانونية لنقل الملكية من الموصي إلى الموصى إليه (للحزب)، ومن المفضل توثيقها في الشهر العقاري أو ما في حكمه حسب الأحوال.
- حكم إعطاء زكاة المال للحزب السياسي.
يتساءل كثير من الناس عن الحكم الشرعي لإنفاق جزء من زكاة المال لتمويل أنشطة الحزب السياسي المختلفة.
لقد تناول فقهاء الزكاة هذه المسألة بشيء من التفصيل، وكان الرأي الراجح هو عدم الجواز، ومن أدلتهم في هذا الخصوص ما يأتي:
1- أن تمويل أنشطة الحزب يخرج عن نطاق مصارف الزكاة الثمانية الواردة في القرآن الكريم، وهي: الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.
2- لا يجوز إعطاء الزكاة لغني أو لقادر على الكسب، وقد يكون من بين المستفيدين من أنشطة الحزب المختلفة من هو غني وقادر على الكسب.
3- لا يجوز التوسع في مصرف في سبيل الله ليشمل العمل السياسي؛ لأن معنى الإنفاق في سبيل الله هو القتال والجهاد لجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين السفلى، وأحيانًا يكون من أنشطة الحزب ما هو خارج هذا النطاق.
4- يحكم نفقات أنشطة الحزب بعض القواعد والسياسات والأسس المالية التي قد تتعارض مع فقه مصارف الزكاة.
5- هناك مصادر بديلة حلال لتمويل الحزب منها: الهبات والتبرعات والصدقات.
وتأسيسًا على ما سبق لا يجوز إنفاق مال الزكاة في أنشطة الحزب السياسية، ولكن إذا كان الحزب يتبع نشاطًا اجتماعيًّا مستقلاًّ مثل: كفالة يتيم، أو مستوصف طبي خيري، أو دار مسنين، فيجوز توجيه الزكاة بصفة متخصصة مفرزة إلى هذه الأنشطة؛ لأن مقاصدها الخيرية تتفق مع مقاصد الزكاة، ويشترط في هذه الحالة استقلال الذمة المالية للحزب عن الذمة المالية لهذه الأنشطة الخيرية.
- حكم قبول الأموال المكتسبة من حرام (الأموال الخبيثة) لتمويل الأحزاب السياسية:
أحيانًا يقوم بعض أعضاء الحزب أو غيرهم بإعطاء الحزب بعض الأموال التي قد اكتسبت بطرق غير مشروعة وغير قانونية، ويثار تساؤل: هل يقبل الحزب هذه الأموال على سبيل التبرع أو الهبة مع علمه بمصدرها الخبيث؟
هناك حالتان هما:
1- حالة توبة المتبرع توبة خالصة ويريد تطهير ماله، ففي هذه الحالة يرى بعض الفقهاء قبول هذه الأموال وإنفاقها في أنشطة الحزب العامة التي تعود على الوطن بصفة عامة بالخير، ويجب التيقن التام من أن المتبرع قد توقف عن الكسب الحرام.
2- حالة استمرار المتبرع في الكسب الحرام وإصراره على ذلك وعدم التوبة، ففي هذه الحالة يرى الفقهاء عدم قبول هذه الأموال حتى لا نقره على هذا العمل الحرام ونشجعه عليه، وفي ذلك درء للشبهات التي تسيء إلى سمعة الحزب وفقًا للقاعدة الشرعية: "المشاركة في الحرام حرام".
ولكن إذا كان مال المتبرع قد اختلط فيه الحلال بالحرام، وكان معظم ماله من الحلال، فلا حرج من قبول تبرعه وفقًا للقاعدة الشرعية أن "اليسير الحرام يأخذ حكم الكثير الحلال عند الضرورة".
- حكم الدعم المالي من الدولة للأحزاب السياسية:
في ظل الظروف العادية المستقرة وهناك ميسرة في خزينة الدولة، فليس هناك من حرج شرعي لقيام الحكومة بدعم الأحزاب السياسية بضوابط، منها أن تكون مقاصدها مشروعة ونافعة للوطن، وأن مالية الدولة تسمح بذلك.
أما إذا كانت الدولة مَدِينة وتعاني من عجز في ميزانيتها، وهناك نقص شديد في الوفاء بالضروريات والحاجيات لأفراد الوطن، فلا يجوز في هذه الحالة أن تقوم الدولة بدعم الأحزاب السياسية ماليًّا، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية 7)، وقوله عز وجل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ) (البقرة: من الآية 286)، وفي هذه الحالة يجب على الأحزاب السياسية أن تنمي مواردها بالسبل المشروعة والقانونية، ومن الأبواب الميسرة أمامها قبول التبرعات والهبات والوصايا من رجال المال والأعمال، أو القيام ببعض الأنشطة التي قد تحقق لها بعض الإيرادات، مثل: الحفلات المنضبطة بقواعد الشريعة الإسلامية وبالقوانين الحكومية.
وأنا أميل إلى أن تعتمد الأحزاب السياسية في تمويل أنشطتها الوطنية على مواردها الذاتية بعيدًا عن الدعم الحكومي في حالة أن الدولة فقيرة وتعاني من عجز في ميزانيتها.
- الخلاصة:
تبين من مناقشة الضوابط المالية (الموارد والنفقات) للأحزاب السياسية، أنه يجب أن تحصل الموارد بالحق وتنفق بالحق وتمنع من الباطل، ويحكم ذلك مجموعة من الضوابط الشرعية والقانونية والتنظيمية، في إطار المقاصد الوطنية السامية، ومن بينها تحقيق أقصى منفعة مشروعة للوطن وفقًا للقاعدة الشرعية: "مشروعية الغاية ومشروعية الوسائل"، وقاعدة باب سد الذرائع مقدم على باب جلب المنافع.
فإذا تم الالتزام بهذه الضوابط فعلاً، تحقق الخير للوطن، وازدادت الثقة بالحزب، واستقر المجتمع وأصبح التنافس بين الأحزاب السياسية قائمًا على مبدأ الخيرية، مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)) (آل عمران).
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
--------
* للاتصال بالمؤلف:
- تليفون: 0101504255
- بريد إلكتروني: Darelmashora@gmail
- موقع إلكتروني: Darelmashora.com
--------
** الأستاذ بجامعة الأزهر- خبير استـشاري في المعاملات المالية الشرعية