﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت).

 

سورة العنكبوت سورة مكية، تبني وتربي الفرد على العقيدة السليمة، ولأهمية وخطورة هذا المثل المضروب في هذه الآية سميت السورة بـ"العنكبوت".

 

فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهةً من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد؛ فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه.

 

(الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ).. فالولاية هي الحب والنصرة؛ فهؤلاء يحبون أناسًا أو مجموعات أو اتجاهات تعيش في ظل مناهج مخالفة لمنهج الله، بل قد تكون معاديةً للمنهج الإسلامي وتشريعاته؛ فهم على قناعة بهذه المناهج وأصحابها يحبونهم ويؤيدونهم وينصرونهم بالفكر والجهد والمواقف، يدعون الناس للالتفاف حولهم ونصرتهم.

 

يشبههم الله سبحانه فيقول: (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون).

 

ولعل ما يتبادر إلى الأذهان أن وهن بيت العنكبوت هو الوهن الذي يدركه كلٌّ منا حين نستطيع أن نزيل بيتًا للعنكبوت- استغرق بناؤه سنوات- في لحظة، ولكن ليس هذا هو الوهن المقصود في الآية؛ بدليل أن العلماء أثبتوا بالدراسات العلمية أن خيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جدًّا، يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط واحدًا من المليون من البوصة المربعة‏، أو جزءًا من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان،‏ وهي على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، وتعدُّ الخصلات الحريرية التي تكون نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، ويتمدد الخيط الرفيع منه إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك أطلق العلماء عليه اسم "الفولاذ الحيوي" أو "الفولاذ البيولوجي"، وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرة، وتبلغ قوة احتماله 300.000 رطلاً للبوصة المربعة، فإذا قدر جدلاً وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت فيُمْكِنه حَمل طائرة "جامبو" بكل سهولة ومن الإعجاز في الآية أن الله عز وجل قال: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) ولم يقل: إن أوهن الخيوط، ولذلك كانت هناك دراسات بالجيش الأمريكي تسعى لصناعة دروع ضد المتفجرات من خيوط العنكبوت، ولكنهم ووجهوا بمشكلة كيفية تجميع هذا الكم الهائل من العنكبوت لإنتاج هذه الكمية الكبيرة من خيوط العنكبوت في مكان واحد، وهذا من المستحيلات؛ نظرًا للطبيعة الغير الاجتماعية للعنكبوت؛ فهو لا يحب أن يعيش في مجموعات، فضلاً عن الطبيعة العدوانية تجاه بعضه بعضًا، والتي تصل إلى أن يقتل ويأكل بعضهم بعضًا.

 

ومن الإعجاز أن الله عز وجل قال (اتَّخَذَتْ بَيْتاً) أي الأنثى ولم يكن علم التشريح والميكروسكوبات المجهرية التي يستطيع العلماء بها التفريق بين الذكر والأنثى أن يكتشفوا الغدد العنكبوتية التي خص الله بها الأنثى دون الذكر، والتي تبني بإفرازاتها خيوط العنكبوت.

 

وأثبت العلماء أن الأنثى بعد أن تنتهي من بناء بيتها تفرز مادةً ذات رائحة جذابة للذكر فيدخل البيت وبعد أن يقوم الذكر بتخصيبها تهاجمه وتقتله وتأكله، ولذلك تسمَّى بـ"الأرملة السوداء"، ثم تضع البيض وبعد أن يفقس تُخرج أعدادًا هائلة من العناكب الصغيرة فتقوم بقتل وأكل بعضها حتى يخف الزحام.

 

فتخيل أخي الكريم هذا البيت الذي تقتل الزوجة زوجها وتأكله بعد الإخصاب وتأكل الأم أبناءها ويقتل الإخوة بعضهم بعضً؛ أي بيت هذا؟ هل يشعر الفرد بالأمن والأمان والمودة والسكن داخل هذا البيت؟!!!!! أين هذا من البيت الذي يعيش في كنف منهج الله فيكون سكنًا للأب والأم والأولاد وترفرف المودة والرحمة عليه؟!

 

ولذلك كان هذا التشبيه المعجز من الله عز وجل أن الذين يعيشون في كنف مناهج غير منهج الله وتشريعه لعباده سيعيشون حياةً مثل حياة العنكبوت تتصف وتعاني من الوهن الاجتماعي والخلقي والاقتصادي؛ فالقوي يأكل الضعيف، والغني يأكل حقوق الفقراء، وذو السلطة يأكل من دونه من المواطنين.

 

فإنه من يتوكل على غير الله‏ طالبًا المناصرة والمؤازرة‏؛‏ فإنه بذلك يختار ويتخذ منهجًا واهيًا، وليس قويًّا‏، كما قد يتصور،‏ فالعنكبوت مثلاً تنسج بيتها بنفسها‏،‏ وتعتمد بالطبع على خيوطها‏‏ القوية- كما أشرنا‏-‏ وتتصور أنها بذلك قد صنعت بيتًا قويًّا،‏ ولكنه في الحقيقة واهن وضعيف في الهواء‏، فكذلك هو الحال مع من يولي أمره لغير الله، ويتصور أن هؤلاء الأولياء بمجموعهم قد ينفعونه.

 

يا إخواني.. أليست هذه حياة مجربة؟ ألم نحكم في الخمسينيات والستينيات بالمنهج الاشتراكي وفي السبعينيات من القرن الماضي حتى يومنا هذا بالمنهج الرأسمالي؟! فماذا جنينا؟ ألم نجنِ الفرقة والتشرذم والفقر والتفكك الاجتماعي، فأصبحنا نرى الأبناء يقذفون بالآباء بالشوارع والمصحات من أجل الاستيلاء على الشقة! وأصبحنا نرى الأبناء يتعاملون مع آبائهم وكأنهم بنوك للأموال لا أكثر، ورأينا الآباء يقصرون في حقوق أبنائهم، ورأينا الفقير يزداد فقرًا، والغني يزداد غنى، ورأينا أكل أموال الشعوب من قبل النخب الحاكمة، رأينا الاستبداد والقهر والظلم والطغيان، فالحاكم من أجل الحفاظ على كرسي الحكم يقتل آلافًا من أبناء شعبه.

 

يا شعب مصر بكل مكوناته السياسية والطائفية.. هذا هو تشبيه الخالق لنا، وهو تشبيه مجرب؛ فهل آن الأوان لأن نقدر الله حق قدره، فنتوافق على ما فيه مصلحة مصرنا الحبيبة، فلا نجاح ولا فلاح لنا ونحن نبني مصرنا يدًا بيد وكتفًا بكتف؛ إلا في ظل شريعة الخالق، والتي ما أنزلها الله على عباده إلا لتحقيق السعادة في الدنيا قبل أن يسعدهم في الآخرة بجنة النعيم.