بينما تتلهَّف بعض القوى السياسية على الساحة على تقسيم الكعكة بعد الثورة تبدو التحديات كاسحةً أمام الثورة الوليدة، وهناك- على الأخص- الملف الأمني، وقد بتُّ أخشى أن يكون هذا الملف أكبر مفرخ للثورة المضادة؛ لأن حاجة الناس للأمن ليست ترفًا، بل إنهم قد يصبرون على الجوع وحتى على المرض، ولكن لا صبر لأحد على أمانه الشخصي، وقد بات الرعب جزءًا من ثقافة الناس اليومية.
ولا شك أن صورة الملف الأمني بالغة التعقيد، ويقيني أن الأمن لن يسود بحلول مما أرى ملامحها على الساحة، وفي المشهد ثلاثة أطراف هي: الشرطة والشعب والمجرمون، وبالنسبة للشعب فإن مطلب الأمن لا يقبل مساومة، وذلك حق، وبالنسبة للشرطة فإن هناك دواعي تثير القلق، منها أن الشرطة مهزومة مكسورة محبطة، وهناك التباس كبير في شأن محاكمة بعض رجال الشرطة؛ الذين قيل إنهم كانوا يدافعون عن أماكن عملهم خلال الثورة وبعدها، وهناك خشية من التصدي للبلطجية من جهتين؛ أولاهما: إمكان التعرض لأذى لا تعرف حدوده، والثانية إمكان التعرض للمساءلة القانونية، خاصةً أن من الشائع الآن أن هناك من يرى أن دولة القانون سقطت وأنها فرصته ليفعل ما شاء، وقد قرأنا عن مجرمين يقبض عليهم فيلتفّ المئات من أنصارهم ويهاجمون الشرطة ويفرضون عليها عنوةً واقتدارًا إخلاء سبيل المجرمين!.
والطرف الثالث في المعادلة هم المجرمون، وفي الحقيقة فإنني حائر حيرة غيري عن هذا العدد الهائل من المجرمين والمستعدين للإجرام والعدوان أيضًا على خلق الله على نحو عشوائي، حتى إن السائر في الطريق يهيِّئ نفسه لسماع صنوف من الشتائم والإهانات لأتفه الأسباب!.
ولقد كان ما جرى في مدينة دسوق مروِّعًا في كل وجوهه، وعلى عهدة الصحف فإن رجلاً يلقب "بربار" روَّع الناس بالسلاح، وفرض الإتاوات، فضجُّوا ولجئوا إلى الشرطة التي نصحتهم بقتله، فتجمع عدد من الناس قيل إن منهم بلطجية وقتلوا الرجل شر قتلة.
ولست في معرض إدانة أحد ولا تبرئته، ولكن الحادثة تشير إلى اندفاع المجتمع إلى هاوية سحيقة، فأهل دسوق- ولي بهم معرفة وثيقة- يميلون إلى الوداعة والطيبة الشديدة، ودسوق ملاذ آمن لأهل الأرض جميعًا سنويًّا خلال إقامة مولد سيدي إبراهيم الدسوقي، فكيف تضيق بالناس السبل حتى يمزقوا "بربار" الذي تصرف- كما نُشر- بطريقة بربرية فلم يجد الناس إلا مواجهة بربرية "بربار" ببربرية أنكى منها وأشد، بينما الشرطة تقف وكأن الأمر لا يعنيها!.
لقد رحل الكابوس مبارك منذ ستة أشهر، ومن يومها ونحن نسمع عن اجتماعات في وزارة الداخلية ومراجعات ومشاورات، وسمعنا- ولا نعترض- عن تحسين أجور رجال الشرطة وترضيات ومحاولات بث الطمأنينة في نفوسهم، ومع هذا فإن الأمر ما زال متدهورًا، وما زال الألوف من المجرمين هاربين من السجون، يعيثون في الأرض فسادًا، ويفرضون الإتاوات على الناس جهارًا نهارًا، وما زال الشارع فوضى عارمة فماذا ننتظر؟!
لقد علمت من أكثر أصدقائي أنهم سعوا لترخيص أسلحة نارية، ولكنه حل نفسي أكثر مما هو عملي؛ لأن المواطن يحمل مسدسًا بينما يحمل البلطجي مدفعًا رشاشًا، ثم إن البلطجية يقفون جماعات ويخرجون على الطريق العام، أو يدخلون المساكن شاهرين الموت ينتظر ضغطة زر، ثم إن السلاح ليس متاحًا لكل مواطن؛ إما لعجزه عن شراء السلاح، وإما لعجزه عن استعماله، ثم لو أننا وفَّرنا سلاحًا لكل مواطن أليس لنا حق السؤال عن سبب تكبُّد الدولة رواتب وزارة الداخلية من الخفير إلى الوزير؟!
وفي الحقيقة إنني أحمل كل التقدير للواء العيسوي، وأعرف نقاء تاريخه وثقافته واستقامته، ولكننا في ظرف تاريخي دقيق لا يحتمل مجاملةً لأحد فوق مصالح الشعب المصري.
إن بداية البدايات في يقيني هي رحيل اللواء العيسوي، وتعيين وزير داخلية يجمع بين الخبرة وروح الشباب وعزمهم وجهدهم، كما أنه يتعيَّن إلحاق دفعات من حملة الحقوق بكلية الشرطة وتخريجهم في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر بعد تلقيهم دورات شرطية، ولا بد من وضع تشريعات صارمة باترة للإجرام والمجرمين.
وبرغم مشاعر طيبة أحملها للدكتور عصام شرف فإن عليه أن يعلم أن رصيده لدى الناس آخذ في النفاد وأخشى أن ينقلب عليه نفس ميدان التحرير الذي أجلسه حيث جلس؛ لأن وده الزائد وحده لن يحل أمنًا، ولن يكف ترويع المواطنين، وإنما لا بد من عزم وحزم، وضرب بيد من حديد علي يد المجرمين، وعليه أن يدرك أن الوقت لم يعد في صالحه، وأعرف كغيري أن الرجل ليس طالب سلطة، فإن كان غير قادر على حل معضلة ترويع المجرمين والأراذل وأسافل الناس لسائر المواطنين؛ فإن عليه أن يبادر بالرحيل بيده لا بيد ميدان التحرير!.
لا بد من قانون حازم يطبق على الجميع، ومن شرطة تعرف أنها في خدمة المجتمع حقًّا، وأن توفر الدولة لرجل الشرطة حياةً لائقةً كريمةً، وضمانات لحسن أداء عمله، ولا بد من إشاعة ثقافة بين الناس؛ مؤداها أن الحرية مسئولية وليست فوضى، وأن من يرتكب جرمًا لا بد أن ينال عقابًا رادعًا يوازي جرمه ويجعله عبرة لغيره؛ لأن العقوبة المتخاذلة هي أكبر إغراء للمجرم على العودة للإجرام، نريد وجه مصر الحضاري الجميل وسلوكًا راقيًا، وإلا فإن علينا أن نتوقع نمو الثورة المضادة بروافد جديدة ليست بالضرورة من أتباع الحزب الوطني المقبور ولكنها هذه المرة من المصريين العاديين الذي انتقلوا من بؤس نظام مبارك إلى جحيم الأمن الضائع!.