- الحروب الأمريكية أبرز أسباب الأزمة المالية
- لماذا هناك خسائر فادحة للدول المتعاملة بالدولار
- أي نظام اقتصادي يتعارض مع الفطرة السوية سينهار
- حكام العرب يثقون في الخواجات أكثر من علماء الإسلام
- البعض يريد إفشال الاقتصاد الإسلامي خوفًا على مصالحهم
حوار: مي جابر ، يارا نجاتي
"إعصار الأزمة المالية الأمريكية يعصف باقتصاديات العالم" هكذا صدرت مانشتات الصحف لتعبر عن الأزمة المالية التي تهدد الولايات المتحدة الأمريكية بالإفلاس، وتعصف باقتصاديات الدول المرتبطة الدولار الأمريكي، ومن بينها مصر التي تحاول أن تتعافى بعد نجاح ثورة 25 يناير، فتهاوت أسهم البورصة المصرية بعد أن اجتاحت موجة من التدافع المحموم على البيع؛ مما تسبب في خسائر فادحة، بفعل تفاقم المخاوف من تعرض الأسواق العالمية لأزمة طاحنة، بعد خسارة الولايات المتحدة تصنيفها الائتماني الممتاز، واحتمالات تعرض العالم لأزمة ديون أمريكية وأوروبية مزدوجة.
ومع تكرار الأزمات الاقتصادية للنظم الرأسمالية تتسلط الأضواء على الاقتصاد الإسلامي الذي يقدم حلولاً لمثل هذه الأزمات المتتالية، وخاصة مع فشل النظام الاشتراكي في الاستمرار بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لم ينجح علماء الاقتصاد الإسلامي في الترويج له.
(إخوان أون لاين) حاول البحث عن أسباب الأزمة المالية الأمريكية، وكيفية مواجهتها بالاقتصاد الإسلامي، والكشف عن العوائق التي تقف أمام تطبيقه مع عالم الاقتصاد الإسلامي الدكتور حسين شحاتة.. فإلى التفاصيل:
* بداية.. نود أن توضح لنا النظام الاقتصادي الأمريكي بشيء من التفصيل؟
** يقوم الاقتصاد الأمريكي على تطبيق النظام الرأسمالي الحر، وهو يقوم على عدة أسس منها: حرية المعاملات في أسواق المال والنقد، وهو ما يرتبط بحدود تدخل ضيقة للدولة فيها، والالتزام بنظام سعر الفائدة على الإقراض والاقتراض، كما تسمح فيه التجارة بأموال الغير ويتمثل الربح في الفرق بين تكلفة التمويل وبين الربح المحقق، ومن أحد أساسيات النظام الرأسمالي التجارة بالديون أي بيع الدين بالدين.
بالإضافة إلى التعامل بنظام المشتقات المالية وهي معاملات ورقية وهمية، أما فيما يخص العجز في الميزانية للدولة فتمويله يكون عن طريق طبع النقود لتمويل العجز.
* ما هي طبيعة الأزمة التي حدثت في الولايات المتحدة مؤخرًا؟
** الولايات المتحدة الأمريكية لجأت إلى طبع كمية كبيرة من النقود لتغطية نفقات الحروب التي تشنها في مختلف أنحاء العالم، ووجود قواتها خارج أراضيها خاصة في أفغانستان والعراق، وتزامن ذلك أيضًا مع انخفاض التصنيف الائتماني لها؛ حيث لا يجب أن تتخطى الأموال المقترضة نسبًا معينة متعارف عليها عالميًّا من الدخل القومي للدولة، وإذا كان حجم المال المقترض قليلاً يكون التصنيف الائتماني مقبولاً، أما إذا زادت ووصلت إلى نسب كبيرة وتجاوزت الحدود المسموح بها انخفض التصنيف الائتماني، وهو ما يضعف قيمة النقد، خاصة إذا لجأت الدولة إلى طبع كمية من النقود للسدِّ عن العجز في ميزانيتها.
أكل الأموال بالباطل!
* وما هي تأثيرات انخفاض التصنيف الائتماني بجانب انخفاض قيمة الدولار؟
** علماء الاقتصاد يرون أن انخفاض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الأمريكية يقود إلى سلسلة أخرى من المضاعفات السلبية، تنتهي بانخفاض القيمة الشرائية للدولار الأمريكي، وهو ما يلقي بالتهديد على الدول المرتبطة بالدولار، بحدوث خسائر فادحة.
والواقع الآن يهدد أيضًا بعدم استقرار النظام المالي العالمي، وهو ما يرجع إلى صور أكل الأموال بالباطل، والتي نهت الشريعة الإسلامية عنها.
* من وجهة نظرك هل تتوقع أن يتعافى الاقتصاد الأمريكي من هذه الأزمة؟
** لا، بل ستلاحق الأزمات المالية النظام الاقتصادي الأمريكي ما دام يقوم على التجارة بالديون والتمويل بالعجز وعلى المشتقات المالية وعلى طبع النقود لتمويل الحروب القائمة، وسيكون مجرد نظرية في الكتب الاقتصادية مثل النظام الاشتراكي والذي انهار من قبل لأنه قام على أسس تتعارض مع الفطرة السوية للإنسان، وهي حب التملك.
* وهل يعني ذلك أن تكرار الأزمات المالية في أمريكا يشير إلى انهيار النظام الرأسمالي؟
** نعم، فقد تنبأ عدد كبير من علماء الاقتصاد بانهيار النظام الرأسمالي المعاصر؛ لأنه يقوم على الاحتكار، والتكتلات، والجشع، والظلم الاقتصادي، فضلاً عن المعاملات الوهمية الورقية أو ما يسمى بـ"المشتقات"، وعلى التجارة في الديون ونظام الفائدة، ومن بين العلماء الذين تنبئوا بذلك العالم الاقتصادي "موريس آليه، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1989م.
* وهل قدم هؤلاء العلماء حلولاً للخروج من أزمة هذه المشاكل؟
** نعم وضع موريس آلية لخروج الدول الرأسمالية من هذا المأزق، تقترب كثيرًا من مفاهيم وأسس الاقتصاد الإسلامي؛ حيث أوصى بتخفيض سعر الفائدة ليصل إلى الصفر، وتجنب المضاربات (المقامرات) في الأسواق التي تقوم على نظام المشتقات المالية، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي وليس الاقتصاد الاستهلاكي، وتجنب التجارة في الديون والاعتماد على التمويل الذاتي، والالتزام بالأخلاق والمثل وتجنب الجشع والاستغلال.
الدولار اللص!
* وكيف ترى أثر الأزمة المالية الأمريكية المعاصرة في مصر والمنطقة العربية؟
** أي دولة يكون الاحتياطي النقدي الموجود في البنك المركزي في صورة دولارات، وليس في صورة ذهب أو عملة محترمة، سوف تتأثر كثيرًا بمقدار الانخفاض في القوة الشرائية للدولار الأمريكي.
ومن المعروف أن معظم عملات الدولة العربية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدولار، كما أن مدخراتها واستثماراتها واحتياطياتها بالدولار، فأي انهيار في قيمة الدولار سوف يسبب لها خسارة جسيمة، وأن الخاسر بكل تأكيد هو هذه الدول والرابح هو أمريكا، ولذلك يقول علماء الاقتصاد الإسلامي: "احذروا الدولار اللص"، ولكن للأسف لم يتعلم حكام العرب والمسلمين من أخطائهم ويثقون في الخواجات ولا يثقون بعلماء المسلمين، ألم يئن الوقت أن يكون لهم عملة مستقلة عن الدولار، نؤيد رؤية البنك الإسلامي للتنمية في جدة بأن نرجع إلى الدينار الإسلامي.
* وما هو دور علماء وفقهاء الاقتصاد الإسلامي إزاء الأزمــات المالية العالمية المتلاحقة بسبب تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي؟
** استطاع علماء وفقهاء الاقتصاد الإسلامي تقديمه في صورة تنظيرية وفي صورة تطبيقية إلى العالم، كما عقدت العديد من الندوات والمؤتمرات في هذا الخصوص، ولقد استفادت العديد من دول العالم من مفاهيم وأسس ومعايير وعقود الاقتصاد الإسلامي في مجال التطبيق، وصدور العديد من التشريعات في كثير من دول العالم بتسهيل إنشاء المؤسسات المالية الإسلامية، ويوجد الآن على مستوى العالم أكثر 400 مؤسسة مالية تطبق الاقتصاد الإسلامي في مجال المال والصرافة والمصرفية.
خطة التطبيق
* وهل هناك خطة وبرامج لتطبيق الاقتصاد الإسلامي؟
** نعم لقد أسهمت مجامع الفقه الإسلامي العالمية، ومنظمات المؤتمر الإسلامي، والبنك الإسلامي للتنمية بجدة وأقسام الاقتصاد في الجامعات العربية والإسلامية في وضع خطة موضوعية معاصرة؛ لتطبيق الاقتصاد الإسلامي، كما وضعنا في هذا الخصوص كتابًا يشرح هذه الخطة بعنوان "الاقتصاد الإسلامي بين الفكر والتطبيق، حيث خصصت فيه فصلاً كاملاً لموضوع التطبيق المعاصر للاقتصاد الإسلامي.
* هل هناك أعداء للنظام الاقتصادي الإسلامي داخل الوطن العربي؟
** نعم هناك أعداء المشروع الإسلامي للنهضة الاقتصادية، منهم على سبيل المثال: أنصار النظم الاقتصادية المادية الوضعية التي تنادي بفصل النظام الاقتصادي عن الدين وعن الأخلاق وعن العدالة الاجتماعية، والمحتكرون ذوو النفوذ السياسي الذين يأكلون أموال الشعوب بالباطل وما أكثرهم في الدول العربية!، ولقد كشفت الثورة المصرية القناع عنهم، فهؤلاء لا يعيشون إلا في ظل الفساد الذي يحاربه الإسلام، بالإضافة إلى الرأسمالية الطاغية التي لا تعمل إلا في ظل الفساد السياسي والاقتصادي.
* أخيرًا.. بماذا تنصح الدول العربية والإسلامية للخروج من هذه الأزمة؟
** ننصح الدول العربية والإسلامية بالالتزام بقواعد ومعايير النظام الاقتصادي الإسلامي؛ حيث إنها هي التي ستحقق لها النمو والنهضة والاستقرار الذي تتمناه كل الشعوب الإسلامية، خاصة بعد الثورات التي قامت في العديد منها لإسقاط النظم الفاسدة.