يوم تفاءلنا عقب الثورة بخطوةٍ أولى خطتها الجامعة المصرية إلى الأمام، تمثلت في إخراج الحرس الجامعي، وطرد أمن الدولة من أرجاء الجامعة ومكاتبها، وإجراء انتخابات طلابية- لأول مرة- نزيهة وشفافة دون استبعاد أو منع أو شطب، وإعادة الاعتبار للأساتذة كبار السن، ووعود بتحرير المناصب الإدارية والقيادية من عشوائية الاختيار أو المحسوبية، والعمل على تحسين مرتبات الأساتذة التي انحطت حتى تفوق عليها مرتب الفراش في بعض الجهات.. كان تفاؤلنا نابعًا من إحساس الثورة وضرورة التغيير، وأملاً في وضع الأمور في نصابها الصحيح بعد أن ساد الخلل طويلاً لدرجة أن صار الأستاذ الجامعي مسحوقًا في هيبته ووجوده وكرامته وتأثيره!.
تفاؤلنا ذهب مع الريح مع وجود الوزير السابق، وحل مكانه التشاؤم مع مجيء الوزير الحالي، فمنذ تشكيل الوزارة العتيدة، والوزير الجديد الذي كان نائبًا لرئيس جامعة القاهرة لم يتحرك قيد أنملة نحو تحقيق الوعود التي وعد بها الوزير السابق، وينتظر الأساتذة تنفيذها، وهي وعود لا يحتاج معظمها إلى ميزانيات ولا قرارات صعبة.. كل ما تحتاجه هو تقديمها إلى جهات الاختصاص للتصديق على تنفيذها.
التشاؤم بدأ عندما تراجعت وزارة التعليم العالي عن تغيير القيادات الجامعية، وصدر عن المجلس الأعلى للجامعات بيان يشير إلى أن المجلس وأعضاءه من القيادات التي تم تنصيبها في عهد النظام الفاسد البائد، قد قرر عدم تحقيق رغبة الأساتذة في تغيير القيادات، متكئًا على القانون الذي يوجب أن تتغير القيادة بعد انتهاء المدة القانونية!
ويبدو أن السادة أعضاء المجلس الأعلى للجامعات تناسوا أن الشعب أسقط النظام الفاسد ورموزه دون انتظار للدستور أو القانون، ثم إن تعيين القيادات الجامعية كما يعلم الوزير الحالي تم بترشيح الجهات الأمنية، التي تقدِّم الموالين لها، المنفذين لإرادتها، أو الراضين عن النظام البوليسي الفاسد، وممارساته الشاذة ضد الأساتذة والطلاب والبحث العلمي، وتحرم الأكفاء الذين يرفضون النظام الفاسد ولا يتناغمون معه.
من الطبيعي أن ترفض القيادات الجامعية الراهنة منهج التغيير؛ لأنها مستفيدة من الوضع الحالي، وتدافع عن مصالحها، فالواحد منهم يتقاضى مائة ضعف مرتبه على الأقل، أي ما يساوي مرتب مائة زميل له لم يحظ بالرضا السامي لأجهزة الأمن التي كانت تحكم الجامعة، وفضلاً عن ذلك فالمنصب مع أضوائه وغواياته يمثل سلطة يصعب التخلي عنها بسهولة،.. وخاصة من يشتاق إلى منصب أعلى أو ينتظر أن يكون له حضور في مواقع أخرى تتجاوز جدران الجامعة.
هناك من القيادات من هو طيب السيرة، ولا يقدح فيه أن يكون اختياره قد تم عن طريق أمن النظام، وهذا لا يضيره أن يستقيل وتتم إعادة انتخابه مرة أخرى، فيكون محصنًا بإرادة زملائه، قويًّا بدعمهم، مستضيئًا بأفكارهم ومشورتهم.. ولكن الأغلبية فيما يبدو لها منهج آخر، وتتصور أن التخلي عن المنصب إهانة للأساتذة ونيل من كرامتهم، وهذا تصور غير صحيح، فالكرامة الجامعية قد استباحها الأمن منذ سنوات بعيدة للغاية يوم صار نقيب الشرطة أقوى من عميد الكلية، وعميد الشرطة أقوى من رئيس الجامعة، وأمين الشرطة أقوى من الأستاذ والمدرس والمعيد..
كرامة الجامعة، وهيبة الأستاذ، وحرمة دار العلم سحقها النظام البوليسي الفاشي، وساعده على ذلك بعض أبناء الجامعة الباحثين عن مصالحهم الخاصة، ومنافعهم الشخصية، فقصرت هاماتهم أمام الغزاة الذين استباحوا المحراب المقدس خدمة للديكتاتور الطاغية، وطأطأوا الرءوس ذلاًّ وهوانا لدى خصوم الحياة والكرامة والشرف.
الجامعة اليوم في حاجة إلى أن تجعل الانتخابات طريقًا وحيدًا لاختيار قياداتها في كل المستويات، والانتخابات أفضل الطرق للاختيار مهما كانت سلبياتها، لأن البديل أكثر سوءًا وبؤسًا، وآثاره أخطر وأكبر!
ثم إن تغيير قانون الجامعة يمكن أن يتم في أربع وعشرين ساعة لو أراد السيد الوزير، ولدى الأساتذة ونوادي هيئات التدريس والأقسام والكليات تصورات تكاد تكون متطابقة لتعديل القانون الحالي للجامعات أو تغييره تماما.
لقد آن الأوان أن تلغى وزارة التعليم العالي، والمجلس الأعلى للجامعات، وتضاف المؤسسات التابعة للأولى إلى وزارة التعليم، ويستطيع وزير التعليم أن يعلن نتائج مكتب التنسيق التي تكاد تكون مهمة وزير التعليم العالي وحدها.
إن استقلال الجامعة في الحركة والنشاط كفيل أن يحقق تقدمًا ملموسًا في العملية التعليمية، فضلاً عن إتاحة الفرصة للباحثين كي يعملوا وفق أهداف المجتمع، ويحققوا نتائج جيدة أو لا بأس بها.
وأعتقد أن ضم الصناديق الخاصة إلى ميزانية الجامعة سيؤدي إلى تحسين ميزانية البحث العلمي وانتعاشه، بدلاً من توجيه أموال هذه الصناديق إلى مكافآت يحصل عليها المسئولون الكبار، والموظفون الذين لا علاقة لهم بالتدريس ولا بالبحث العلمي.. ثم إن هذه الصناديق يجب أن يكون عائدها طيبًا ومقبولاً، فلا يجوز أن تكون هناك دورات تفرض بطريقة تعسفية، أو عن طريق ما يسمى التعليم المفتوح، أو الانتساب الموجه وغير الموجه وفرض مقابل باهظ على الطلاب بما يجعل التعليم العالي في شبه خصخصة لا تراعي غايات المجتمع في إشاعة العلم وتيسيره بالنسبة لأفراد الشعب، وإذا كان النظام السابق قد اعتزم خصخصة التعليم، وجعل التعليم المفتوح والانتساب مصدرًا من مصادر الكسب والتربح دون مراعاة لمبدأ العدالة الذي يقوم عليه مكتب التنسيق، فإن الأمر يقتضي مراجعة شاملة للتعليم المفتوح والانتساب.
لا أفهم أن يتقدم خريج من الجامعات أو المعاهد العليا للدراسة منتسبًا في تخصص غير تخصصه، فيفرض عليه أن يدفع خمسة آلاف جنيه في السنة، ثم ينشئ ملفًّا يدفع بموجبه ألفًا ومائتي جنيه ( ؟) في الكلية التي يدرس بها، هذا أمر غريب وغير مفهوم، فهذا الذي أنهى الدراسة الجامعية ويريد أن يزداد علما بالانتساب لماذا نرهقه بدفع ما لا يطيق؟ ألا يجوز أن يحقق تفوقًا في دراسته الجديدة؟
إن الصناديق الخاصة يجب أن تسعى للدخل الطبيعي، وأن تتوقف حمى الدورات المحمومة التي لا غاية من ورائها غير الجباية، ومثل الصناديق موضوع الكتاب الجامعي الذي يمثل حالة سرطانية تتنافى مع المنهج الجامعي. فلا يوجد في التعليم الجامعي ما يسمى بالكتاب المقرر، وإنما هناك مراجع يعود إليها الطالب.. أما وقد وصلت الكارثة إلى التعليم الجامعي وصار هناك- بالعرف- كتاب جامعي، فلا أقل من اختيار كتاب جيد تتولى الجامعة تسويقه بطريقة ما، ومنح مقابل للأستاذ بطريقة شهرية أو سنوية لتنتهي عملية التجارة الرخيصة التي شاعت وتجذرت، وأضحت مصدر صراع عقيم.
استقلال الجامعة بات أمرًا أساسيًّا يوجب انتخاب القيادات الكبرى والصغرى، ويفرض مراجعة الخلل في البناء الجامعي حتى يكون لنا مكان في التصنيفات العالمية ولو على المستوى الإقليمي. والله الموفق.