لا أرى لأمة الإسلام تشبيهًا أدق من قول الشيخ محمد الغزالي: "إن الأمة الإسلامية تشبه قرية أو مدينة انقطع عنها تيار الكهرباء، فهي تخبط في ظلام دامس لا تدري أين الطريق".
وهذا الظلام الدامس هو الجهل الذي نعده الآفة الكبرى التي وقع المسلمون بسببها في التبعية والضلالة والذلة والمهانة.
ونقصد بالجهل هنا غياب العلم بحقيقة هذا الدين، ولهذا فقد كان أول خطاب توجه به الحق سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هو الدعوة إلى القراءة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)) (العلق).
وكان من أوائل السور القرآنية التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سورة القلم، إذ أقسم الله به لشرفه وعظم مكانته وعلو قدره وشرف ما يرمز إليه وهو الكلمة التي فتح الله بها قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًّا وأعينًا عميًا.
وكان أول عملٍ قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمته هو تعليمها ما ينبغي عليها فعله لتدرك طبيعة المهمة الملقاة على عاتقها؛ فتحسن حملها وتحسن السير بها في هذه الحياة.
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)) (الجمعة).
ولقد حدد المصطفى صلى الله عليه وسلم مهمته في أمته بوضوح وجلاء فقال: "إنما بعثتُ معلمًا".
ومن يتأمل حكمة الله في البدء بالتعليم يدرك أن التعليم أساس لما سيصدر عن الفرد من أعمال أو أقوال أو أخلاق، ويدرك أيضًا أن تطور البشرية وازدهارها وصعودها في مدارج الكمال وارتقائها، لا يمكن أن يتم بغير تعلم.
بل إن رسالة الإنسان في الأرض لا يمكن أن تتم دون العلم بطبيعة هذه الرسالة، وبكيفية استقلال معطيات الله التي بثها في الكون من حولنا.
ودون معرفة دقيقة بكيفية التعامل مع مفردات هذا الكون، إنسانه وحيوانه ونباته وجماده؛ لا يمكن أن يتطور الإنسان ويكون سيدًا لهذا الكون.
ومن هنا كان هذا الحوار المقدس الذي أداره الحق سبحانه وتعالى مع ملائكته؛ ليصل بهم إلى الإقرار بعظمة هذا الإنسان، والتسليم له بإحسان مهمة القيام بشئون الاستخلاف في الأرض.
وكان التفرد الذي اختص الله به آدم هو التعليم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)) (البقرة).
إن الفطرة التي ركزها الله في قلوب عباده وجعلها سر الانجذاب الدائم إليه هي قبسة من نوره أو سر من أسرار الخالق الحكيم سبحانه أودعها كيان كل إنسان مهما كان لونه أو جنسه أو دينه، فهذه الفطرة تهفو إلى الخير ويحنُّ إلى الحق ويستريح للقيم الإيمانية، وينجذب دائمًا إلى الله، وهو ما نفهمه من قول خالقنا العظيم سبحانه: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: من الآية 30).
وهو ما أثبته الفلاسفة الحكماء بكثير من التجارب التي أظهرت أن الإنسان متدين بفطرته، وأنه لو تُرك وشأنه دون تعليم أو تهذيب فإنه لا بدَّ أن يتجه بالعبادة إلى جهة ما يجد في ظلها الأمان والهدوء والدعة.
إن البشرية لم تعرف بغير عبادة، ولم تُر غير متدينة في أي حقبة من تاريخها منذ خلق الله آدم وأسجد له ملائكته وأمنه على أجله ورزقه ومصيره في دنياه وأخراه، وخاطبه بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)) (الذاريات).
ولأن الإنسان قد يُخطئ الجهة التي خلقت ورزقت وأبدعت فأحسنت الإبداع والإتقان بسبب إبليس اللعين الذي أخذ على عاتقه مهمة الإغواء والإضلال: (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (83)) (ص)، وأكد تلك المهمة في مرات عديدة بقوله يجابه ويكشف مكره وكيده: (وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً (120)) (النساء).
وأمام هذا التحدي الذي أعلنه الشيطان، فإن الأمر يحتاج إلى حماس مخلصين ورجال صادقين، ويسدّون أمام الشيطان مداخله ويحذرون الناس من هذه المداخل حتى لا يستبد بهذه الفطرة فيفسدها وبأشواق النفس فينحرف بها عن مسارها بإلقاءاته ووسوسته".
إن مهمة الخطباء والدعاة ليست صناعة أجهزة الاستقبال في الكيان البشري، فهذه الأجهزة موجودة مجربة وجاهزة ومدربة، وإنما المهم أن يضبطوا موجاتها فلا تتجه إلى غير الجهة المعنية بالهداية والتوفيق والسداد، وأن يزيلوا من طريقها عوائق الاختلال والإغواء، وأن ينبهوها إلى الباطل المزين الذي يلبس أردية الحق ليوقع فريسته الطيبة الساذجة فيما يفسدها ويطغيها.
(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) (فاطر: من الآية 8)، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) (آل عمران: من الآية 14).
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)) (الكهف).