عندما وقع حادث الحافلة العسكرية في إيلات يوم 16 أغسطس 2011

ألمح الصهاينة إلى أن هذا الحادث وقع في إيلات ولكن بالقرب من الحدود المصرية ثم تطور الموقف الصهيوني والمصري من الحادث طوال ذلك اليوم فبدأت التصريحات الصهيونية تتجه بشكل مكثف نحو تحميل مصر المسئولية عن الحادث وعندما انتهى اليوم كانت مصر في نظر الصهاينة هي المساهمة مع مقاومة غزة في التخطيط وتنفيذ هذا الحادث، وأشارت التعليقات الصهيونية صراحة إلى أن الحدود المصرية أصبحت بعد زوال مبارك هي الهاجس الأكبر بعد أن أكدت مصر تخليها عن تحالفها مع تل أبيب ذلك التحالف الذي وفر عليها 70% من ميزانيتها العسكرية، كما أن خط الحدود أصبح مفتوحًا بسبب عجز مصر حتى لو أحسنت نيتها تجاه الصهاينة عن السيطرة على سيناء، ولم تهتم تل أبيب لما رددته التصريحات المصرية من نفي أي علاقة لمصر بهذا الحادث بل إن الذين قاموا بالحادث قد هاجموا أولاً القوة المصرية بالمنطقة واشتبكوا معها.

 

من الواضح أن إسرائيل تطمع في سيناء بسبب مواردها الكبيرة وعدم اهتمام مصر بها بل وانتهاج الحكومة المصرية سياسات دمرت العلاقة بين الحكومة والمواطنين في سيناء كما أن تل أبيب هي التي تخلق المشاكل لمصر فيها تحت عنوان عريض وهو أن مصر لا تحتاج إلى سيناء كما أنها لا تستطيع السيطرة عليها وتأمينها وأن سلطة الحكومة المصرية فيها أصبحت معدومة وصارت سيناء مرتعًا للجماعات الإرهابية التي تهاجم إسرائيل. هذا الموقف الصهيوني الذي تبلور خلال ساعات من وقوع الحادث أشار إلى أن مصر مبارك كانت تسيطر على سيناء وتؤمن الحدود من أي هجمات ضد الصهاينة ولكن مصر ما بعد مبارك أي مصر الثورة أصبحت تكره تل أبيب بالإضافة إلى عجزها عن احترام التزاماتها في معاهدة السلام، وقد أكدت واشنطن هذا الموقف منذ الساعات الأولى للحادث.

 

من ناحية ثالثة فإن الحكومة المصرية التزمت الصمت حتى عندما تواردت الأنباء بأن تل أبيب قامت بالهجوم على المنطقة الواقعة بين طابا وإيلات وقتلت عددًا من الجنود والضباط المصريين في إطار البحث عن المهاجمين للحافلة العسكرية الصهيونية بإيلات وذلك بعد ساعات من اتهام مصر رسميًّا بأنها تقف وراء الحادث أو أنها في أضعف الفروض غير قادرة على غير وقوعه على الأراضي المصرية. ولم تتحرك الحكومة المصرية إلا بعد أن شعرت بفوران الشارع المصري وتدفق الآلاف إلى السفارة الصهيونية بالعبارات والهتافات المعادية للكيان الصهيوني.

 

وقيل مساء يوم 19 أغسطس إن مجلس الوزراء بحضور ممثل المجلس الأعلى اجتماعًا دائمًا وقيل إن المجلس الأعلى نفسه في اجتماع دائم لبحث الرد على العدوان، وأذيع أن رئيس الأركان المصري تفقد مسرح العمليات ثم بدأ أهالي الضحايا يشيرون في أجهزة الإعلام إلى أنهم تم دفن شهدائهم في صمت.

 

ولكن يبدو أن الضغط الشعبي والإصرار على رحيل السفير الصهيوني قد أدى إلى أثرين: الأول هو تصريح السفير الصهيوني في القناة العاشرة للعدو الصهيوني بأنه لن يغادر مصر إلا بتعليمات من حكومته مما ترك انطباعًا بأنه يتحدى أي قرار لإبعاده.

 

والأثر الثاني هو ما أذيع ثم نفي بالصباح بأن مجلس الوزراء قرر سحب السفير المصري بتل أبيب فبقي الجزء المحقق من الموقف المصري وهو الاحتجاج على العدوان وطلب التحقيق بالحادث وفق عبارات مجلس الوزراء معنى ذلك أن مصر سكتت عن اتهام تل أبيب لها بعدم القدرة على حماية سيناء من الإرهابيين واتهامها بالمساعدة في الهجوم على حافلة إيلات خاصة أن إسرائيل اتهمت مصر بعدم التزامها بتأمين حدودها بموجب اتفاقية السلام.

 

من الواضح أيضًا أن أطماع الصهاينة في سيناء قد تعاظمت ولكنها لم تتحقق خلال حكم مبارك ما دامت سيناء مفتوحة لهم بدون قيود ولكن الخط الذي تركز عليه قيادة الصهاينة الآن وهو تواطؤ مصر وعجزها مما يتطلب أن تقوم تل أبيب بنفسها بحماية حدودها مع مصر وربما يتطلب ذلك احتلال الشريط الحدودي فيما يشبه الجدار العازل الذي يمنع عن إسرائيل المخاطر الأمنية التي تهددها من جانب مصر تمامًا كما وصفت إسرائيل الجدار العازل بالأراضي الفلسطينية بأنه جدار الأمن ضد هجمات المقاومة على الكيان.

 

لعل السياق العام لهذا الحدث يؤكد الملاحظات الخمس الآتية:

الملاحظة الأولى: أنه لا يمكن تفسير مستقبل العلاقات المصرية الصهيونية إلا في السياق الأوسع وهو موقف نظام مبارك من الكيان وموقف الكيان من الثورة المصرية في مصر بدون مبارك أو مطامع إسرائيل التاريخية في سيناء وكل الأحداث التالية يجب أن يتم تفسيرها وقراءتها على ضوء هذه الخلفية العامة.

 

الملاحظة الثانية: هي أن تل أبيب قد فرضت على مصر بعد ثورة 52 أجندة الصراع معها عندما هاجمت القوى المصرية في غزة في فبراير 1955 فاضطرت مصر إلى البحث عن السلاح من موسكو والتحالف معها.

 

 في هذه المرة بعد ثورة 25 يناير تريد تل أبيب أن يثور الشعب المصري كما شاء ولكنها تحتفظ بمصر ساحة آمنة لها أو متعاونة معها.

 

الملاحظة الثالثة: أن تركيز تل أبيب خلال الثورة المصرية على احترام معاهدة السلام كان خداعًا لأن الذي يخرق المعاهدة هو الكيان ولذلك فمن الغريب أن تسكت مصر وإلا تشير إلى معاهدة السلام التي أثارتها إسرائيل رغم أن إسرائيل تدرك جيدًا أن فزعها الأكبر ليس من احتمال إلغاء المعاهدة ولكن من اليقين بأن الشعب المصري قد ودع إلى الآن كنزه الإستراتيجي "حسني مبارك" وأنه أعاد الكيان مع مصر إلى المربع الأول بعد كل هذا الاستثمار الصهيوني بالساحة المصرية.

 

الملاحظة الرابعة هي أن مصر الرسمية قد تباطأت وترددت في مواقفها وردود أفعالها كما غلف هذا الموقف ضبابًا كثيفًا ولو كان مبارك بالسلطة لما زاد على موقف الحكومة المصرية تجاه الحادث.

 

الملاحظة الخامسة: أن عدوان الصهاينة على مصر لا بد أن يتم تحليله في إطار معاهدة السلام التي تؤكد حق الطرفين في ألا يهاجم من أرض الطرف الآخر ولذلك فإن اتهام الصهاينة لمصر يعني أبعد من الاتهام بالتقصير لالتزاماتها في المعاهدة وإنما عجزها الكامل عن تامين الكيان خاصة أن العدو اطمأن بالمعاهدات الثلاثة إلى جواره المباشر في مصر بمعاهدة السلام وفي فلسطين باتفاق أوسلو وفي الأردن اتفاقية السلام.

 

وكان يجب على مصر أن تدين الصهاينة بخرقهم هذه المعاهدة لأن المعاهدة تحيل عند اختلاف الطرفين في التفسير أو التطبيق والوصول بالاختلاف إلى درجة النزاع أن يتم تسويته بالمفاوضات ثم بالتوفيق ثم بالتحكيم ولكن الكيان قرر وحده أن مصر تورطت بالهجوم وانتهكت المعاهدة وقررت أن تمارس على الأراضي المصرية حقها بالدفاع الشرعي عن النفس.

 

أما كيف نظر الصهاينة إلى مصر من خلال هذه الحادثة فهو الأمر الذي يسبب القلق لأن تل أبيب قررت أن مصر لن تقوى على أي مستوى أن ترد وأن إشارة رئيس الحكومة المصرية على صفحته بأن الدم المصري لن يذهب سدى هو من قبيل التنفيس والتهدئة وأن مصر الرسمية لم تظهر أي نية للرد بأي صورة وتلك رسالة لإسرائيل بأن تتقدم في مشروعها صوب سيناء.

 

كيف يمكن للشعب المصري أن يترجم صورته إلى موقف يردع الصهاينة ويحافظ على سيناء؟!
لا بد أن تدرك رءوس الصهاينة أن الشعب المصري قد أصبح الطرف الأساسي في المعادلة وأن ترتب على ذلك ما يناسب من آثار.