إن الأحداث المتلاحقة اليوم في مصر خاصة في أرض سيناء الحبيبة لا يخفى على أحد أنها أحداث مفتعلة ومقصودة من جهات عدة يهمها في المقام الأول السعي لإفشال الثورة المصرية التي قلبت الموازين والسياسات في المنطقة العربية بل والعالمية رأسًا على عقب.
وإذا أردنا أن نمعن النظر ونفقه ما يحدث فلنبدأ من البداية، وهي اتفاقية مشبوهة بين الكيان الصهيوني المغتصب وبين النظام المصري- فهي لم تكن اتفاقية بموافقة الشعب المصري أو حتى كان يعرف عن بنودها شيئًا- وقد كان المستفيد الأكبر منها هو الكيان الصهيوني أو علي الأصح هو المستفيد الأوحد، وقد خرجت مصر بهذه الاتفاقية من عباءة الأمة العربية، والتي بنص الدستور هي جزء من الأمة العربية "مصر جزء من الأمة العربية".
وفقدت مصر السيادة الوطنية على جزءٍ من أراضيها وهي أرض سيناء؛ وذلك بتحويل المطارات العسكرية فيها إلى مطارات مدنية غير مسموح فيها- بموجب الاتفاقية- باستخدامها في أي أغراض عسكرية، كما فرضت الاتفاقية على مصر ترك مناطق شاسعة من سيناء خاليةً من السلاح ومناطق أخرى لا يُسمح فيها بأي وجود عسكري مصري؛ ما جعل ثلثي سيناء منزوع السلاح، وبالتالي يصعب الدفاع عنها إذا أراد الصهاينة إعادة احتلالها كما هددوا بذلك أكثر من مرة.
وقد كشف الخبراء عن أن هذا البند هو أخطر بنود الاتفاقية على اعتبار أن الانسحاب من سيناء كان مشروطًا بالاعتراف بإلكيان الغاصب والسلام والتطبيع معها، وإلا فسوف تعود إلى احتلالها مرةً أخرى.
وهذا ما يعدُّ مخالفةً صريحةً للمادة الثالثة من الدستور التي تقرُّ حق السيادة للشعب دون قيدٍ أو شرطٍ فتنص على: "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها".
وهذا ما أكده وزير الأمن الداخلي الصهيوني بقوله في إحدى محاضراته (سنعود إلى سيناء إذا حدث في مصر ما لا يرضينا)، مشيرًا إلى أنه كان من نتائج تلك الضغوط الصهيونية استبعاد التيارات السياسية ذات التوجه العربي والإسلامي من المسرح السياسي.
وخرجت مصر وجيشها من حلبة الصراع العربي الصهيوني وضمنت إسرائيل بذلك خروج القوة الأكبر في المنطقة العربية مما أتاح لها الفرصة بتوجيه كل جهودها لتدعيم وجودها غير المشروع بأمان واطمئنان، وفي ظلِّ رعاية دولية وأمريكية غير شرعية أو مشروعة في ظاهرة اغتصاب لم تحدث على مستوى البشرية وهي استبدال وإحلال شعب مكان شعب هو صاحب الأرض والتاريخ.
وجاء اختيار الرئيس المصري المخلوع مبارك بمباركة صهيونية أمريكية؛ وذلك لكي يُقدِّم الدعم الكامل وغير المشروط للحفاظ على أمن الصهاينة وضمان إبقاء مصر خارج المنظومة العربية والإسلامية؛ وذلك بالسيطرة على الحركات الإسلامية وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، الذي حرص على إبعادهم عن الشارع المصري بكل قوته الغاشمة المتمثلة في آلته الأمنية؛ وذلك عبر إيداعهم السجون والمعتقلات وتحويل كوادرهم إلى المحاكمات العسكرية وتشويه صورتهم عبر وسائل إعلام لا يملكها إلا نظامه ومصادرة أموالهم ونسف أية محاولاتٍ منهم أو من أي شريفٍ في هذا البلد يحاول بناء منظومة اقتصادية وطنية، وكانت بدايتها مشروع "سلسبيل" على سبيل المثال لا الحصر، ثم تلتها بعد ذلك الاتفاقيات المشبوهة مثل الكويز وتصدير الغاز المصري مجانًا للعدو الصهيوني وفتح أرض سيناء على مصراعيها أمام الآلاف منهم باسم السياحة والتبادل التجاري في الوقت الذي كان من الصعب على بعض المصريين حتى محاولة التفكير في الاستثمار في سيناء أو الاقتراب منها، هذا غير حق المرور في قناة السويس وغيرها والاستثمارات في السويس وسيناء والمقدرة بتريليونات الدولارات باسم مجموعة مستثمرين تشهد على مدى وصول أذرع الأخطبوط الصهيوني وامتداده داخل الأراضي المصرية في ظل مباركة بل رعاية من النظام المخلوع ولمدة ثلاثين عامًا.
وكان آخرها الجدار الحديدي العازل- جدار العار- الذي تقيمه مصر بينها وبين الأراضي الفلسطينية.
إذن فقد فَقَدَ بنو صهيون الكثير نتيجة قيام الثورة المصرية المجيدة وإقالة ذلك النظام العميل، وأصبح هناك تهديد مباشر من شعب مصر الذي استرجع كرامته مع حريته التي سلبت منه كثيرًا كذلك إرادته ووعيه السياسي، وقد ظلَّ مغيبًا لحقب متتالية، وقد بدا للعالم أن الرئيس وحده لم يخلع وإنما قد خلع معه الشعب المصري الخوف من جذوره والجهل السياسي والسلبية.
ويأتينا تصريح واضح ومباشر من أحد قادتهم الأمنيين بأنهم لن يسمحوا للثورة المصرية أن تنجح.
ويتوازى مع الأحداث الجارية شبه الانقلاب الداخلي داخل الكيان المحتل من مظاهرات واعتراضات على الأحوال المعيشية في شبه ثورة علي حكومة نتينياهو بينما تقف الأخيرة عاجزةً وضعيفةً في تلبية حاجات مواطنيها مما يدفعها لافتعال مشكلات خارجية إلهاءً لهؤلاء الغاضبين الغاصبين عنها وإشغالهم بعدو مشترك جديد وهو الشعب المصر.
كذلك الأوضاع الاقتصادية الراهنة التي يعاني منها العالم بسبب أزمة الديون الأمريكية وانهيار الاقتصاد الأمريكي فما كان من وزيرة خارجيتها إلا أن تعطي بالتصريحات هنا وهناك أو بالتعليمات كما هو واضح من سياقها بأن مصر ما عادت قادرةً على حماية أمن سيناء أو السيطرة عليها، وهي بذلك إنما تشير إلى أمن إسرائيل ملتمسةً لها التبرير في أي عملٍ إرهابي أو عدواني منها على الحدود المصرية أو على قطاع غزة بحجة أن مصر لم تعد قادرةً وأن على تل أبيب أن تدافع عن نفسها وفي نفس الوقت تعطي رسالةً للعالم أنها ما زالت متحكمةً في الأوضاع الخارجية رغم الظروف الاقتصادية، وفي نفس الوقت لا يخسر أوباما اللوبي اليهودي في أمريكا، خاصةً بعد أن تدهورت شعبيته بسبب الظروف الراهنة.
فمن إذن المستفيد الأول مما يحدث في سيناء من انفلاتٍ أمني وفوضى؟ ومن المستفيد الأول كذلك لانتشار البلطجة في شوارع مصر؟ ومن المستفيد من الوقيعة بين الشعب المصري وبين الجيش الذي يتشارك مع شعب مصر في إنجاح هذه الثورة وقد حماها من أول يوم إلى آخر يوم برفضه إطلاق رصاصة واحدة على متظاهر بل وقد وقف وقفةً بطوليةً طوال الثمانية عشر يومًا إلى يوم التنحي العظيم؟ من المستفيد الأول عن تشويه صورة قادة الجيش وقد كان من الممكن أن تضيع الثورة المصرية لا قدر الله لو تدخل سلبًا؟
لنبحث في الأمر ونُفكِّر ونتحد ونقف صفًّا واحدًا وكلمة واحدة أمام مَن أراد لمصر أن تكون في آخر الصفوف، وأن تكون مجرد حارس أمن لحدوده التي هي في الأصل ملك للعرب والمسلمين.
وليقف الشعب المصري من خلف جيشه متوحدًا معه مؤازرًا إياه في مواقفه، وليقف الجيش وكذلك الحكومة موقفًا مغايرًا للخط الذي كان يسير عليه النظام السابق- ومعروف لصالح مَن كان يعمل- وليعد الجميع النظر في بنود تلك الاتفاقية الجائرة فما كان يصح بالأمس في ظلِّ حكومات عميلة لا يصح اليوم في ظل ثورة صححت الموازين وأطلقت الحريات وأسقطت باطل ما كنا نحسب يومًا أنه سيسقط في ثمانية عشر يومًا.