عقب ثورة 25 يناير وسقوط مبارك وانتقال شرارة الثورة إلى دول عربية أخرى أبرزها سوريا باعتبارها من دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، أجمعت مراكز الدراسات العالمية على أن العلاقات بين الدول العربية وتل أبيب لن تعود كما كانت على الإطلاق، بعدما تحررت إرادة الدول وأصبحت كلمة الشعوب هي القرار الفعلي وانتهى عهد الحكام العملاء الذين يربطون مصالح بلادهم بمصالحهم هم الشخصية مع تل أبيب والغرب.
ربما لهذا قال عاموس جلعاد، رئيس الطاقم السياسي والأمني بوزارة الدفاع- بعد تحذير نبيل العربي وزير الخارجية الأسبق للكيان من الاندفاع إلى عملية عسكرية في قطاع غزة، خلال مشاركته في مؤتمر أكاديمية أريئيل الصهيونية تحت عنوان: "شرق أوسط جديد"-: إن السلام مع مصر "لن يدوم"، بحسب موقع "نيوز وان" الإخباري الصهيوني، ووصف السلام مع مصر بأنه "معقد" وإذا ما أصبح لنظام الحكم هناك طابع متشدد ومتطرف فإنني لا أعتقد أن السلام سيستمر ويدوم".
والحقيقة أن الثورة المصرية وليس حادث قتل الصهاينة الخمسة من الضباط والجنود على الحدود هو الذي أدى لتدهور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب وستقودها حتمًا- مع استقرار الأوضاع في مصر وتولي حكومة منتخبة شعبية قريبًا– إلى مرحلة التوتر الشديد وربما الحرب.
مصر تغيرت!
إذ سبق لتل أبيب أن ضربت حدود مصر عدة مرات خصوصًا في منطقة رفح وقتلت قرابة 65 جنديًّا ومواطنا مدنيًّا مصريًّا بدعاوى أنها أخطأت الهدف وهي تطارد مهاجمين للكيان، ولم تتحرك مصر مبارك حيئنذ وصمتت (!).. ولكن الجديد بعد الثورة الشعبية المصرية أن الشعب لن يسكت ولن يقبل بما كان يحدث قبل ثورة 25 يناير.. فالمواجهة هنا هي بين ثورة وبين العدو الصهيوني لا مجرد نظام حكم عميل يقال إنه "كنز إستراتيجي" للكيان الصهيوني.
وحتى قرار مصر، استدعاء سفيرها ياسر رضا، من الكيان، هو قرار الثورة المصرية التي ضغط شبابها وتظاهروا لنصرة كرامة الجيش المصري والشرطة على الحدود، وحاصروا السفارة الصهيونية بالقاهرة، وطالبوا بطرد السفير، ما أضطر الحكومة لهذا التصعيد الذي سيتسبب في تدهور العلاقات المتوترة أصلاً منذ أشهر بين البلدين، وقد يؤدي أيضًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفسخ معاهدة "كامب ديفيد" للسلام بين البلدين.
وهو ما يعني أن مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير على صعيد السياسية الخارجية فيما يخص العلاقة مع أمريكا وتل أبيب هي مرحلة ثورة أيضًا على كل العلاقات المشبوهة التي خلفها النظام السابق، ونشهد فيها بدايات العد العكسي لهذه العلاقات المتميزة للصهاينة والأمريكان وحصرها مؤقتًا في مجرد اتفاقية سلام يجرى محاسبة تل أبيب على كل بند فيها وأولها بند السلام وحل مشكلة فلسطين بعدما تغيرت مصر.
بعبارة أخرى.. لقد جعلت الثورات العربية ردود أفعال الدول العربية حاسمة مع الكيان، حسبما يؤكد اللواء جمال مظلوم الخبير والمحلل العسكري، وحسنا فعل حزب الحرية والعدالة في بيانه الأخير ردًّا على الاعتداءات الصهيونية على سيناء حينما سعى لتذكير الصهاينة والأمريكان أن مصر تغيرت بقوله: "إن الاحتلال الصهيوني لا يدرك أن مصر تغيرت، وأنها بعد الثورة لن تسمح بتكرار الانتهاكات التي كان يمررها النظام البائد"، وإن "الجريمة التي اقترفتها العصابات الصهيونية والتي أدت إلى استشهاد وإصابة مجموعة من ضباط وجنود الشرطة المصرية.. تسببت في حالة من الغليان بين جموع هذا الشعب العظيم"، وإن "مصر أصبحت الآن حرة الإرادة وصاحبة القرار، ولن تسمح مطلقًًا بالمساس بأمنها وسلامة حدودها أو سلامة أبنائها الذين يحمون الحدود ويذودون عن أمنها بأي شكل من الأشكال".
وكذلك تذكيره الإدارة الأمريكية أن هناك ثورة حدثت في أرض مصر "ورفض كل تدخل في الشأن الداخلي المصري، بعد أن تحررت الإرادة والقرار المصري".
وهي رسالة ربما التقطها الصهاينة لأول مرة منذ توقيع اتفاقية السلام، وغيروا بموجبها لهجتهم نسبيًّا؛ حيث أكد رئيس الهيئة السياسية والأمنية بوزارة الدفاع الصهيونية عاموس جلعاد أهمية العلاقات بين مصر و"إسرائيل" على الصعيد الإستراتيجي، وشدد على ضرورة الحفاظ عليها وقال لراديو "إسرائيل" إنه "ليست هناك أي نية لدى أي فرد في المؤسسة الأمنية أو الجيش الإسرائيلي لإلحاق الضرر بأفراد الشرطة أو الجنود المصريين" وأن السلام بين البلدين "إستراتيجي" و"ثمين " و"جوهري"!.
حيث توقعت صحف "هاآرتس" و"يديعوت أحرونوت" و"معاريف" و"جيروزاليم بوست" و"الإذاعة الإسرائيلية"، أن الأيام القادمة ستمثل اختبارًا صعبًا وحرجًا للغاية بين البلدين اللذين شهدا توترًا كبيرًا في علاقاتهما، عقب الثورة المصرية التي أطاحت بنظام مبارك، وعقب امتثال الإدارة المصرية الجديدة للضغوط الشعبية والثورية التي تطالب بإنهاء سنوات العسل والعلاقات الحميمة بين القاهرة وتل أبيب، التي كانت قائمة طوال عقود حكم مبارك.
فما جرى في سيناء من إرهاب ومن تهديد صهيوني بإعادة احتلالها بدعاوى عدم قدرتنا على حفظ الأمن فيها ثم العدوان على الجنود المصريين.. أعادنا مرة أخرى إلى أساس المشكلة وهي اتفاقية السلام مع الكيان التي تمنعنا من الاحتفاظ بقوات كبيرة في سيناء وتحدد عدد قوات الشرطة التي تقف على الحدود بـ750 جنديًّا فقط على الرغم من رغم أن الحدود بين مصر والكيان تمتد إلى أكثر من 200 كيلو متر!.
فالأمر يستلزم فورًا تعديل بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد، وخاصة الملحق العسكري وخاصة المنطقة (ج) على الحدود مع الكيان ونشر 4 آلاف جندي على الأقل، ويستلزم أيضًا تعديل المنطقة (د) داخل الكيان وإخلاءها من آليات وطائرات الاحتلال.
فالمكسب المصري أو الفرصة الذهبية التي يجب أن تسعى مصر لاقتناصها عقب الفوضى الأمنية التي جرت في سيناء وعقب عملية الهجوم على إيلات هي السعي للضغط على الكيان وأمريكا من أجل زيادة القوات المصرية في سيناء وتكليف وزارة الخارجية المصرية بضرورة البدء الفوري في إجراء مشاورات مع الكيان وأمريكا بخصوص اتفاقية كامب ديفيد، لزيادة أعداد ونوعيات القوات والأسلحة في المنطقتين "ب، ج" في شمال سيناء، وزيادة أعداد الجنود المصريين على الحدود المصرية الصهيونية إلى 4 آلاف جندي، بعد أن كانت 750 جنديًّا، وذلك لإحكام القبضة الأمنية في سيناء، وحتى لا يشكو الكيان لاحقًا من عدم قدرة مصر على حماية وتأمين سيناء.
وهذه النقطة لفت خبراء عسكريون الأنظار إليها، كما أشارت مجلة (إيكونومست) البريطانية، في مقال تحليلي، لأهميتها، مشيرة إلى أن الكيان بصدد مأزق خطير، لأنه من ناحية، يريد من السلطة العسكرية المصرية المؤقتة تحت قيادة المشير حسين طنطاوي أن تستعيد سيطرتها على شبه جزيرة سيناء، ومن ناحية أخرى، ترفض تخفيف القيود التي تنص عليها معاهدة السلام المصرية الصهيونية على نشر قوات عسكرية شرق السويس!.
فقد قسمت سيناء من الناحية الأمنية إلى ثلاثة شرائح طولية سميت من الغرب إلى الشرق بالمناطق (أ) و(ب) و(ج).
- المنطقة (أ) المنطقة المحصورة بين قناة السويس والخط (أ) المذكور عاليه بعرض 58 كم، وفيها سمح لمصر بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة تتكون من 22 ألف جندي مشاة مصري (كان يوجد 80 ألف جندي في سيناء عقب نصر أكتوبر تم سحب أغلبهم بعد الاتفاقية) مع تسليح يقتصر على 230 دبابة (كان يوجد لمصر قبل الاتفاقية ألف دبابة هناك) و126 مدفعا ميدانيًّا و126 مدفعًا مضادًّا للطائرات عيار 37 مم و480 مركبة.
- ثم المنطقة (ب) وعرضها 109 كم الواقعة شرق المنطقة (أ) وتقتصر على 4000 جندي من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة.
- ثم المنطقة (ج) وعرضها 33 كم وتنحصر بين الحدود الدولية من الشرق والمنطقة (ب) من الغرب، ولا يسمح فيها بأي وجود للقوات المسلحة المصرية وتقتصر على قوات من الشرطة (البوليس)، وأضيف لهم عام 2005م عدد 750 جندي حرس حدود بموجب اتفاق فيلادلفي.
وعلى العكس قيدت الاتفاقية الكيان في المنطقة (د) فقط التي تقع غرب الحدود الدولية وعرضها 3 كم فقط، بتحديد عدد القوات بـ4000 جندي حرس حدود دون حديث عن تقييد حجم تسليحها؛ ولذلك يستخدمون الطائرات والدبابات في هذه المنطقة بحرية!.
يجب أن نرسخ (أولاً) بالتالي لدى الصهاينة أن مصر تغيرت بعد الثورة، وأنها لم تعد تقبل عربدتها التي كانت تحدث قبل ثورة 25 يناير وسترد بعنف، وأن ننتقل (ثانيًا) إلى الخطوات السياسية الأهم وهي الضغط لتعديل اتفاقية كامب ديفيد؛ لنقل مزيد من القوات لسيناء.. أما المرحلة (الثالثة) الأهم فهي البدء فورًا بتوفير كل فرص التعمير والتنمية في سيناء، فهذه التنمية وتعمير سيناء هي التي ستتصدى لأي صلف صهيوني.