أمام أكاديمية الشرطية التي كان يحاكم فيها الرئيس المخلوع، وفي أثناء انعقاد الجلسة الثانية للمحاكمة، كان هناك حوالي مائة وخمسون شخصًا يدَّعون أنهم أنصار المخلوع، ويصفون أنفسهم أنهم "أبناء مبارك"، قاموا باستخدام الحجارة والطوب، وقذفوا بها أسر الشهداء ورجال الإعلام والشرطة والجيش، وظلوا على تلك الحال فترة طويلة دون أن يتدخل رجال الأمن بمطاردتهم أو القبض عليهم، كما ينبغي أن يكون عليه الأمر مع من يخرج على القانون ويعتدي على الآخرين، وتركوهم يعربدون والناس يجرون أمامهم، مع أن قوات الأمن التي كانت أمام الأكاديمية بلغت خمسة آلاف رجل وقيل إنهم كانوا عشرين ألفًا!.

 

كل ما فعله رجال الأمن هو عمل طوق لحماية الأكاديمية؛ دون أن يتخذوا موقفًا مع المشاغبين من "أبناء مبارك" الذين استهانوا بالأمن ورجاله، فضلاً عن القانون والنظام العام، وأسالوا الدماء غزيرة ومتدفقة!.

 

الإحساس العام في مصر أن وزارة الداخلية المنوط بها حماية الناس والقانون والنظام العام؛ قد قدمت استقالتها من وظيفتها، وتركت الحبل على الغارب للمجرمين والبلطجية والخارجين على القانون، وتفرَّغت لاستعادة الدور الشائن لجهاز أمن الدولة اللعين؛ ففي الوقت الذي تركت فيه المشاغبين من أبناء مبارك يهدرون القانون والنظام ويسيلون الدماء، كان هناك من يحتجز اثنين ينتسبان إلى الحركة الإسلامية في المطار كانا متجهين إلى السعودية لأداء العمرة؛ مما أعاد إلى الأذهان صورة العهد المظلم قبل سقوط النظام الفاسد، وذكر الناس بقوائم ترقُّب الوصول والسفر في المطار التي تضمُّ من لهم علاقة بقضايا الرأي أو الفكر، ويستبيح كرامتهم ضباط أمن الدولة!.

 

سكان الفضائيات الليلية مشغولون في برامج الثرثرة الليبرالية والماركسية والطائفية والأرزقية بكيفية إزاحة الإسلام من السياسة والمجتمع، وتجريد المسلمين من إسلامهم وأخلاقهم وقيمهم، ومنع انتقال السلطة من الجيش إلى الشعب، وصنع العقبات الواحدة تلو الأخرى ضد هذا الانتقال؛ كي يظلوا على حجر السلطة إلى الأبد مثلما استمروا ستين عامًا، كانوا فيها سندًا وعونًا للنظام البوليسي الفاشي، بل وكان بعضهم من كتَّاب التقارير للأجهزة الأمنية ضد زملائهم وغيرهم.. مستوطنو الفضائيات هؤلاء لم يفكروا يومًا في كيفية انفلات الأمن عن سابق قصد لتحقيق مآرب أرامل مبارك وعهده البشع، مع أن بعضهم تعرض لغارات البلطجية في جوف الليل!.

 

الداخلية تركت الحبل على الغارب للبلطجية وأصحاب القلوب الميتة ليعيثوا في الأرض فسادًا ويعبثوا بأمن الناس، دون خوف من قانون أو نظام، وهو ما حرص أرامل مبارك على تثبيته في عقول الشعب بأن عهد "سيدهم" كان أفضل من عهد الحرية، ومع أن الداخلية تعلم أسماء البلطجية وعناوينهم، ويعرفهم ضباط المباحث في كل مركز وقسم ونقطة جيدًا، ويمكنهم بقانون الطوارئ أن يجمعوهم في نصف ساعة ويضعوهم في المعتقلات وتحرير المجتمع من وحشيتهم وإجرامهم، بعد أن تركوهم يسرحون ويمرحون، ويسومون الناس سوء العذاب في وضح النهار دون خشية من مساءلة أو عقاب.

 

وقد كان حادث منشية العبد بدسوق نموذجًا لما وصلت إليه حالة التدهور الأمني التي تتم عن قصد وسابق إصرار؛ فقد قام البلطجي المعروف- الذي أُفرج عنه أو هرِّب من السجن بعد الثورة- بفرض إجرامه على أهل المنطقة، ووصلت مطالبه وإتاواته إلى حد فرض العقوبة التي يريدها على من يشاء دون أن يجد أية مقاومة أو موقفًا قانونيًّا حازمًا من جهاز الشرطة بالمدينة، ووصلت به شهوة الإجرام إلى قهر أرملة وأبنائها وسلب ثلاثة آلاف جنيه منها، ولما ذهبت تشكو إلى الشرطة لم يسمعها أحد، وعادت تبكي حظها التعس الذي وضعها في طريق البلطجي المنكود.

 

ولعل ما جرى مع الأرملة البائسة كان الشرارة التي دفعت الأهالي للاستعانة ببلطجية آخرين (!) لتواجه البلطجي الشرس، وتقضي عليه بالموت، وتسلم جثته إلى الشارع أمام مركز الشرطة، وكأنها تقول للشرطة: خذوا بضاعتكم!.

 

بالطبع فإن تطبيق القانون بمعرفة الأفراد يعد عملاً خارجًا على القانون، ولا يوافق عليه أحد في مجتمع طبيعي يحكمه النظام والقانون، ولكن تقصير الشرطة في دسوق، ووقوفها تتفرج على ما يجري دون أن تحرك ساكنًا يمثل جريمةً يجب أن يعاقب مرتكبها مهما كانت رتبته أو درجته العسكرية، ولكن هل هناك من يعاقب ويبحث عن المقصر ليحاسبه؟!

 

الداخلية كلها استقالت من مهمتها، وانشغلت بمهنة البصاصين التي كان يقوم بها جهاز أمن الدولة اللعين، الذي يراقب الناس ويمنعهم من السفر أو ينتظر وصولهم من الخارج، بالإضافة إلى تتبع الناشطين السياسيين بطريقة وأخرى، فهل هذه صحوة الشرطة التي تمناها الشعب بعد ثورة يناير؟!

 

لقد سبق وطالبنا وطالب غيرنا بحل الجهاز اللعين المسمَّى أمن الدولة، ومحاكمة ضباطه وأفراده الذين أساءوا إلى الناس بالتعذيب أو الملاحقة أو التجسس، وليس المتهمين بالقتل فحسب، وتسريح بقية الضباط والأفراد، وإحالتهم إلى التقاعد؛ لأنهم تعودوا- كما قال أحدهم- أن يكونوا سادة البلد، وأن يفعلوا ما يريدون دون أن يعترضهم أحد.

 

أما اليوم فقد انتهى ذلك، وأظن أن الأمور لن تبقى في طيِّ الصمت والكتمان والتعتيم تجاه أي فعل يقوم به سادة البلد سابقًا، وهو ما يعني أن الأمور يمكن- مع استمرار حالة الانفلات- أن تأخذ أبعادًا غير طيبة وغير مقبولة.

 

إن ما يشاهده الناس ويسمعون عنه من حوادث غير مسبوقة من قتال بين العائلات أو البلطجية في أحياء شبرا والمطرية وشارع عبد العزيز والأزهر ومدن وقرى ومناطق جرجا والعريش وسيناء وغيرها، بالإضافة إلى عمليات الخطف والاغتصاب والسرقة تحت تهديد السلاح الأبيض في وضح النهار؛ كل ذلك يعني أن وزارة الداخلية استقالت من وظيفتها، وليست على استعداد لأن تقوم بواجبها، بل إن بعض ما يحدث من بعض المسئولين الشرطيين يثير علامات الريبة والاستفهام، من ذلك ما قام به مأمور سجن طره قبل أيام حين أخرج المتهمين من رموز النظام السابق من زنازينهم، وأقام لهم إفطارًا فخمًا على مائدة كبيرة، وتركهم- بالمخالفة لقانون السجون ونظامها- حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل يمرحون ويتسامرون ويتبادلون الآراء حول مستقبلهم القانوني في القضايا التي تنتظرهم وما يتعلق بها في الإطار السياسي والقضائي، ثم ما قيل عن إتاحة الفرصة لهؤلاء المتهمين كي يجلسوا جلسات طويلة مع زائريهم من المحامين وغيرهم؛ ليقوموا بعمليات بيع أو تحويل أو تنازلات عن ممتلكاتهم وأموالهم ومؤسساتهم لآخرين، وتوقيعها بتواريخ سابقة على دخولهم السجن (لأن السجين يفقد الأهلية في البيع والشراء والتحويل والتنازل)؛ ليهربوا من الاتهامات ومن المساءلة ومن الإدانة (أخبار اليوم ، 13/8/2011م).

 

صحيح أن المأمور الذي قيل إنه من أتباع الوزير الأسبق السجين؛ تم نقله إلى قسم الترحيلات، وقيل إنه سيتم التحقيق معه، ولكن الأمر في مجمله يعني أن الداخلية قد استقالت من وظيفتها، ولولا ما تقوم به الشرطة العسكرية التابعة للجيش من جهود في تأمين بعض المنشآت والمناسبات؛ لكانت الفواجع أكبر، والخسائر أعظم!.

 

سبق الحديث في الصحافة والإعلام عن ضرورة هيكلة الداخلية، وتغيير فلسفة الأمن السائدة القائمة على احتقار الإنسان المصري وتعذيبه وإهانته داخل الأقسام ومقار أمن الدولة اللعين، والتقصير في حماية المجتمع من البلطجية وجرائم العنف والغصب والفساد، ويوم أعلن بعض الضباط أنهم لن يعودوا إلى وظائفهم الشرطية طرح الناس بدائل عديدة، ولكن الوضع ظل للأسف على ما هو عليه، ولم يتغير الأمر كثيرًا إلا في المسميات وإحالة بعض الضباط إلى الاستيداع!.

 

إن المطلوب الآن أمام إصرار الداخلية على الاستقالة من وظيفتها أن تقبل هذه الاستقالة فورًا، مع تشكيل اللجان الشعبية مرةً أخرى من الشباب في القرى والأحياء لتقوم بواجب الحماية، مع الشرطة العسكرية؛ حتى يتم تخريج دفعات من خريجي الحقوق بعد تدريبهم لمدة ستة شهور، ليقوموا بأداء دورهم في حماية المجتمع وخدمة الجمهور!.

 

إن إعادة هيكلة وزارة الداخلية وتغيير فلسفتها مسألة حياة أو موت، ونجاح الهيكلة يمثل قاعدةً لنجاح ثورة يناير وتحقيق أهدافها، وخاصةً إذا ترأَّسها وزير مدني بعيد عن الانتماءات الشللية وفلسفة الداخلية السائدة القائمة على احتقار الجمهور.

 

حماية الجمهور وخدمته وطي صفحة أمن الدولة اللعين؛ الذي كان يتحكَّم في البلاد والعباد، وعدم السماح بعودته تحت أي مسمى يعني أن الثورة انتصرت إلى حد كبير، ووصلت إلى مرحلة تحقيق الأهداف والغايات.

 

إن استقالة وزارة الداخلية مقبولة، وعلى الشعب أن يقوم بحماية نفسه، والله المستعان.