منذ ما يقرب من عشرين عامًا قرأت هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)﴾ (الزمر)
أعدت قراءتها... تأملتها... أسقطتها على الواقع... فإذا هي شديدة مروُعة... فالإنسان يحمي وجهه بكل الوسائل (بيديه- يضع وجهه بين رجليه- بثيابه- حتى بزميله الذي يسير بجواره) من أي شيء حتى ولو ذرات تراب أو دوامات الهواء أو لهيب الشمس.
ولكن المُفِزع أن يتقي الإنسان بوجهه العذاب!!.
فقرأت هذه الآية على أحد أصدقائي الذي كان يسبقني في مجال القراءة والخطابة وتلقي العلم وقلت له: ما فمهمته منها أن الإنسان يدافع عن نفسه يوم القيامة بوجهه من شدة الهول، فقال لي: إن تأويلها: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ أي بعمله... فالتزمت الصمت... ولكن، كلما قرأت هذه الآية بعد ذلك أحس فيها الشدة والفزع وأحس أن تأويلها كما فهمته.
وكانت اللحظة: في يوم 3/8/2011 - 3 رمضان 1432هـ قُدر لي أن أشاهد وعلى مدى عشر دقائق في بداية محاكمة رموز نظام العار.
إنه الرئيس المخلوع ونجليه ووزير داخليته وغيرهم...
لم أنتبه لما يقال ويدار في المحاكمة هذه الدقائق التي شاهدتها... ولكن الذي لفت نظري وأنا أنظر إليهم في قفص الاتهام... أن كل واحد من هؤلاء... يحاول جاهدًا عندما تأتي عليه الكاميرا أن يكون وجهه خلف قضبان القفص حتى لا يظهر وجهه للناس حتى سرير الرئيس المخلوع كان يحاول نجلاه إخفاء السرير ووجه رئيس نظام العار عن الكاميرات، واستدعى هذا المنظر صور رموز الفساد أثناء المحاكمات قبلهم كان الواحد منهم ينزل من سيارة الترحيلات فيتم تغطية وجهه بقميص... أو جلباب... أو...
هذه الرموز التي كانت صورها تملأ الميادين ووسائل الإعلام جميعًا... ويظهر الوجه كاملاً يكذب ويتهم غيره بالكذب... يسرق ويصف نفسه بالأمين... هذه الوجوه الكالحة، وهذه الدقائق العشر استدعت من ذاكرتي... الآية التي طالما دارت خواطر لي حولها: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، فكانت هذه الكلمات.
1- الوجه في القرآن والسنة:
اهتمت الشريعة الإسلامية بالوجه اهتمامًا عظيمًا؛ فحذرت من إهانته والإساءة إليه، ورغَّبت في تكريمه والحفاظ عليه.
وسلكت في ذلك مسالك شتى... من هذه المسالك عرض صور للوجه في حالات الذل والهوان وفي حالات العزة والكرامة في الدنيا والآخرة، وتركت للإنسان الحرية في أن يحافظ على وجهة الجميل جميلاً أو يلطخه بالسواد.
1- الوجه في القرآن الكريم: كنت أريد أن أجعل هذا العنصر محورين منفصلين وجه حافظ عليه صاحبه جميلاً، ووجه لطخه صاحبه بالسواد ولكن من إعجاز القرآن أن جعل لك في المرآة الصورتين متجاورتين لتنظر إليهما نظرة واحدة فيكون ذلك دافعًا للعبرة والعظة وتحديد جيد للطريق الذي تسلكه بوجهك.
وقبل هذا العرض بدأ بمشهد رهيب على النفس...
يقول الله تعالي: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ (الزمر).
يقول صاحب الظلال: "والإنسان يقي وجهه عادة بيديه وجسمه، فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نفسه النار بيديه ولا برجليه".
فيدفعها بوجهه، ويتقي به سوء العذاب... ما يدل على الهول والشدة والاضطراب وفي زحمة هذا العذاب يتلقى التأنيب وتُدفع إليه حصيلة حياته ويا لها من حصيلة ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ويلتفت من هذا المشهد إلى الحديث عن المكذبين الذين يواجهون محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليعرض عليهم ما جرى للمكذبين قبلهم لعلهم يتداركون أنفسهم.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26)﴾ (الزمر)، فهذه حال المكذبين في الدنيا والآخرة، في الدنيا أذاقهم الله الخزي، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأكبر، وسنة الله ماضية لا تتخلف ومصارع القرون من قبلهم شاهدة، ووعيد الله لهم في الآخرة قائم، والفرصة أمامهم سانحة، وهذا الذكر لمن يتعظ ويذكر ﴿لو كانوا يعلمون (1).
أ- يقول الله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)﴾ (آل عمران)، وهنا يرسم السياق مشهدًا من المشاهد القرآنية الفائضة بالحركة والحيوية، فنحن في مشهد هول، هول لا يتمثل في ألفاظ ولا في أوصاف، ولكن يتمثل في آدميين أحياء، في وجوه وسمات، هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر فابيضت من البشر والبشاشة.
وهذه وجوه كمدت من الحزن واغبرت من الغم واسودت من الكآبة وليست مع هذا متروكة إلى ما هي فيه؛ ولكنه اللذع بالتبكيت والتأنيب(2) ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾
وأقول: صدر الآيات يحذر من التفرق والاختلاف، فنحن الآن بحاجة شديدة إلى الوحدة والصف والبنيان المرصوص، إن مصر الآن تحتاج إلى الجد والاجتهاد والعمل حتى يشرق وجهها بالنور، وإن ذلك لقريب إن شاء الله تعالي.
يقول صاحب الظلال(3): السياق يحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف وينذرها لما فيه الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها- من أهل الكتاب- ثم تفرقوا واختلفوا فنزع الله الراية منهم وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية فوق ما ينتظرهم من العذاب يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف ومعنى النعمة الإلهية الكريمة بالإيمان والائتلاف(4).
أذكر ذلك لأبين مدى أهمية وحدتنا في المرحلة الراهنة التي تمر بها مصرنا العزيزة وأمتنا العربية والإسلامية.
فالوحدة الوحدة- حتى لا تسود الوجوه.
ب- ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50)﴾ (إبراهيم) يقول ابن كثير: قوله "وتغشى وجوههم النار" كقوله: "تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون".
يقول صاحب الظلال: فمشهد المجرمين اثنين اثنين مقرونين في الوثاق- يمرون صفًّا وراء صف مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار... ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم من مادة شديدة القابلية للالتهاب، وهي في ذات الوقت قذرة سوداء "من قطران"... ففيها الذل والتحقير وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار، ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ (5).
أقول: إن صورة الذل والتحقير والهوان لا تكتمل إلا بهذا الوجه تغشاه النار حتى ولو كان البدن كله داخل النار، إن تغطية الوجه بالنار دلالة على عظيم ما حدث للبدن فهذا الوجه ملأ الميادين وسود الصحف والمجلات وأفسد الحياة؛ ففتن الناس ومنع وجوه الخير من الإطلال على الناس.
ج- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾ (القيامة) هذا النص يشير إلى حالة من السعادة يعجز الإدراك عن تصورها حتى لتتضاءل إلى جوارها الجنة بكل ما فيها من ألوان النعيم - هذه الوجوه الناضرة - نضرها أنها إلى ربها ناظرة.
إن روح الإنسان لتستمتع بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس تراها في الليلة القمراء.. أو... فتغمرها النشوة وتفيض السعادة- فكيف بها وهي تنظر- لا إلى جمال صنع الله- ولكن إلى جمال ذات الله ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)﴾ هي الوجوه الكالحة المنقبضة التعيسة المحجوبة عن النظر والتطلع بخطاياها وارتكابها وكثافتها وانطماسها.
د- ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)﴾ (عبس)، نهت الشريعة الإسلامية عن العبوس في الوجه حتى ولو كان الذي عبس في وجهه أعمى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كره قطع كلامه مع هؤلاء القوم رجاء إسلامهم وتظهر الكراهية في وجهه الذي لا يراه الرجل...
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38)﴾ هذه وجوه مستنيرة منيرة ضاحكة مستبشرة راجية في ربها مطمئنة بما تستشعره من رضاه عنها.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)﴾ غبرة الحزن والحسرة ويغشاها سواد الذل والانقباض وقد عرفت ما قدمت فاستيقنت ما ينتظرها من جزاء.
2- الوجه في السنة:
أ- الوجه مجمع المحاسن: روى الإمام أحمد والطبراني عن أبي حميد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لحظيته" يقول النووي في شرح الحديث: وفي هذا دلالة لجواز ذكر مثل هذا للنصيحة ومنه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها" (6) .
ب- جعلت السنة الابتسامة في الوجه من الحسنات للحديث: "ابتسامتك في وجه أخيك صدقة".
ج- حذرت السنة من ضرب الوجه في الحديث عن حق الزوجة: "ولا تضرب الوجه".
3- الوجه عند الأطباء: اصفرار الوجه أو احمراره أو تغير لونه له دلالة مَرَضيِّة عند الأطباء.
وفي الختام: إذا أردت وجهًا جميلاً فعليك:
1- الوضوء. 2- النظر في المصحف.
3- الدعوة إلى الله تعالى والإخلاص في تحمل مشاقها.
4- الحسنات... يقول الأستاذ الراشد: فلو أسلف المسلم حسنة في المساء... يستيقظ فإذا زوجته مبتسمة في وجهه... واحذر السيئة... لقوله أيضًا "ثم لو أسلف سيئة في ليلة أخرى... يستيقظ فإذا زوجته ذات عبوس وتأفف" (7).
5- الدعاء والإلحاح على الله تعالي: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...﴾ (غافر: من الآية 60).
اللهم بيض وجوهنا يوم القيامة.
-------------------
(1) في ظلال القرآن, ج5, ص 3049 .
(2) في ظلال القرآن, ج1, ص 445 .
(3) في ظلال القرآن, ج1, ص 445 .
(4) جريدة الشروق - الأحد 7 أغسطس 2011 - الصفحة الأولي.
(5) المصدر السابق, ج6, ص 3773 .
(6) موسوعة هذا هو الإسلام, ج3, ص 1817 .
(7) صناعة الحياة, أ/ محمد الراشد, ص 17 .