لو قابلت أي إنسان شاهد جلسة المحاكمة الأولى للرئيس المخلوع، ونظر إليه وهو في قفص الاتهام، ثم سألته عن مشاعره لأدركت كمَّ المشاعر المتدفقة والممزوجة بالحيرة البالغة، والسبب في ذلك أننا كنا أمام مشهد لو قلت لأشد المتفائلين هل يمكن أن يتخيله قبل 25 يناير لاتهم بالجنون ولعدَّ ذلك ضربًا من الخيال.

 

ولكنه قدر الله عز وجل وعظيم حكمته ودقة تدبيره "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، وهي لحظة الحقيقة التي لا بد منها "عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به".

 

وبمجرد تلاوة القاضي عليه لائحة الاتهام، وبينما يهمُّ بالرد على القاضي انتابني شعور غريب وقلت في نفسي: ليته يفاجئ الجميع ويفعلها، وهو أن يرد على القاضي معترفًا بجرائمه، التي إن كان مشاركًا فيها بالفعل فتلك مصيبة، وإن لم يكن مشاركًا فالمصيبة أعظم؛ بحكم أنه كان رئيسًا للدولة، ولكن يبدو أنني كنت أمنِّي نفسي بسراب زائل وأمل مقطوع ورجاء لن يتحقق, كنت أتمنى أن يعترف ولا ينكر، ويتجرد ليقابل وجه الله عز وجل، وقد تطهَّر من كل ما اقترفت يداه، وربما مع هذا الاعتراف يكسب تعاطفًا يكون له تأثير في سير المحاكمة وسماحة الشعب المصري وطيبته.

 

وأما حق الله فهو أمر متروك بين العبد وبين ربه سبحانه، إن شاء غفر له، وان شاء عذبه، ولكن خاب ظني وذهبت أمنياني أدراج الرياح.

 

لقد اقترف هذا الرجل في حق شعبه أهوالاً وفظائع أكبر بكثير من أن تُحصى أو تعدّ، ومهما كانت مبرراته ومبررات حوارييه فلن يُعفى منها، كنت أتمنى أن يقول: أنا مذنب يا فندم"، بشجاعة الفرسان وإقدام المقاتلين، خاصةً أنه لو أعمل عقله قليلاً لأدرك أن ما بقي في العمر قليل، وأنه غدًا سيقف بين يدي الكريم، ولكنني أفقت على حقيقة مؤدَّاها أننا أمام شخص غير موفق بالمرة؛ فهو عندما كان نائبًا للرئيس لم يكن موفقًا؛ لأننا لم نشعر به ولم يكن فاعلاً في تحويل- أو الاعتراض على- قرارات مصيرية اتخذها رئيسه في حينها.

 

ولما أصبح رئيسًا للبلاد كان غير موفق، فتردَّت مصر وهوت إلى مجاهل لا يعلم مداها إلا الله عز وجل، ولما حدثت ثورة 25 يناير العظيمة بلغ عدم التوفيق معه أقصى مداه؛ ففي خطابه الأول كان غير موفق، وفي تعيين نائب له كان غير موفق، وعندما ظهر علينا وحدثت موقعة الجمل في اليوم التالي كان غير موفق, وحتى في غيابه الكامل عن المشهد منذ تركه للرياسة حتى ظهوره في قفص الاتهام كان غير موفق؛ حيث كان يجب عليه أن يظهر على الشعب المصري ويوجه بنفسه رسالةً مفادها أنني مستعد للمواجهة وتفنيد كل ما يثار حولي والرد على ذلك لإثبات براءتي، لكننا للأسف رأيناه يغيب ويتمارض، ويبحث عن أشياء يستدرُّ بها تعاطف الناس في وقت وظرف لم تعدْ للعاطفة مكان.

 

أمام المشهد الحالي والعدالة تستكمل مجراها معه ومع أركان نظامه الذي تهاوى أتمنى ما يلي:

 

- ألا يسيطر على شعب مصر العظيم بمختلف طوائفه روح التشفي ولا الشماتة.

 

- أن نتجنب التعاطف المبالغ فيه والغير المفهوم حول الرجل وأركان نظامه.

 

- ألا يسيطر على الشعب والثوار في القلب منه الغرور.

 

- أن تتوحد كل الاتجاهات والرايات حول هدف واحد مشترك، وهو مصلحة الوطن.

 

- أن نترك أمر المحاكمات بيد القضاء الذي نثق فيه وللعدالة أن تأخذ مجراها.

 

- أن نقبل أحكام القضاء أيًّا كانت.

 

- أن ندرك أن الثورة بفضل الله حقَّقت الكثير من الأماني، ولكن ما زال أمامنا تحديات كبيرة وعظيمة.

 

- ألا نألو جهدًا ولا ندخر وسعًا من أجل البحث عن كل سبيل نحقق به رفعة الوطن وإعلاء شأن مصر لتكون منارةً بين الأمم في الخلق الرفيع وقبلة للشعوب في الحق والحرية والعدالة.

 

- أن نبذل جهدنا في العمل والإنتاج والبحث عن كل أسباب التقدم المادي والتقني والتكنولوجي.
- أن نفتح صفحةً جديدةً مع الخالق عز وجل، ونعبده حق عبادته، ونتوكل عليه حق التوكل، ونهتدي بقرآنه ونرجع دومًا إلى شرعه وأحكامه.

 

وفي الختام أظن أن الفرصة ما زالت قائمةً؛ فهل سيفاجئنا ويعترف؟

 

ليته يفعل ذلك!!!.

أسأل الله عز وجل أن يحفظ بلادنا، وأن يقيها شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.