الفن بهجة وفرح حتى لو كان المبدع أهدى للمتلقي عملاً فنيًّا يعبر فيه عن أحزانه الدفينة إلى حدِّ الشعور بالشقاء.

 

والشعر هو ديوان العرب قديمًا وحديثًا على الرغم من المقولة التي ذاعت وشاعت بعد حصول الروائي العظيم نجيب محفوظ على جائزة نوبل وهي أن الرواية أصبحت ديوان العرب، ونظرة منصفة إلى المشهد الشعري الآن تدل على أن فن العربية الأول هو الشعر يسير بخطى حثيثة إلى مستوى رفيع من الإبداع بنوعيه الفصيح كما يتجلى في شعر التفعيلة في مصر وسائر البلاد العربية والعامي الشعبي.

 

وهذا الازدهار الشعري الذي شهده يشمل من بقي على قيد الحياة من الروائيين وتابعيهم من الخمسينيات من القرن الماضي إلى اليوم، لم ينقطع عن العطاء إلا القلة القليلة؛ ما يشمل ظاهرة بزوغ نجم الشباب الموهوبين، حتى أصبح الإنتاج يشكل من كثرته عائقًا دون متابعة النقاد ولا سيما الكبار منهم، وإن كانت هنالك عوامل أخرى أهمها إدانة الشعراء للقهر والاستبداد لبعض الأنظمة الحاكمة، والبوح الصريح بما يعانيه الوطن والأمة من مرارة الشعور باليأس والألم للتناقض بين المثل الأعلى الذي تتطلع إليه الشعوب والقيود التي تفرضها السلطات.

 

ومن هؤلاء الشباب الشاعر ناصر صلاح الذي يجيد صياغة الشعر الفصيح عموديًّا وحرًّا والشعر العامي، وينم كلاهما عن قدرة فنية متميزة في الشكل والمضمون، وعن رؤى واقعية تتسم في بعض النصوص بنزعة من التدين دون جنوح إلى التصوف.

 

وللشاعر ناصر صلاح عدة مجموعات شعرية أحدثها (الشوارع هس هس) وهي المجموعة الثالثة من أغاني حرفوش المجذوب، وقد صدرت عن فرع ثقافة القاهرة بإقليم القاهرة الكبرى، وهذا الديوان غني بحقول الدلالات، وخصب الدوال، ولا سيما الصور البيئية المستلهمة من المخيلة ومن الواقع، وأبرز هذه الحقول البيئية الريفية حيث مولد الشاعر، فتراه يرصد ويسرد التقاليد والعادات في تلك البيئة مصورًا المشاهد ووقعها في نفسه وذكريات من جده وجدته وحواره معهما، وحنان الأمهات وحنين الأبناء إليهن كلما فارقهن، تتجلى هذه المشاعر والمشاهد في قصيدة (وأه يامه):

 

وأجيلك بالهموم يا أمه.. وأحط دماغي على حجرك

وأبوس يدك.. تفليني

وتحكي لي.. فلان سوى .. فلان خوى

فلانة بتبعت السلامات ومشتاقه.. فاكرها إياك.. وكيف أنسى

دا ياما شاليتني ع اللكتاف.. وجابت لي مداغة

وفاكر لما روحنا نزور.. وفي الموسكي جابت طبلة

وقبل ما أخطى أنا خطوه.. كانت على الأرض ميت شقفة

وكيف حالها.. كما حالي.. يبارك ربنا فيكم

بدعوتكم نعيش ياما.. بدعوتكم نعيش في أمان

 

ويفر ناصر صلاح إلى مذهب التقية القائم على الرمز كلما أراد أن يعبر عن غضبه وتمرده كما نجد في قصيدة بحور الهم على منوال خيمنيث الشاعر اليوناني العالمي وخليفته الإفيان الشاعر الكويتي.

 

ويتعاطف شاعرنا مع الحمار هذا الحيوان الذي أشقاه ابن آدم مصورًا بذلك نزعته الإنسانية وذلك في قصيدة (وح يا حمار).

 

ويبلغ شاعرنا الشاب ذروة فنيته في قصائده ذات النسيج القصصي ويغترف من نهر الفلاح الفصيح في قصائد أخرى يبث فيها شكواه وكل نصوصه الشعرية تشف عن روح مصريي تتسم بالحزن والسخرية والألم والأمل في مولد وطن أجمل وعالم أفضل.