وحدة الصف
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.. أخي الحبيب.. أختي الفاضلة..
الحمد لله الذي بلغنا رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن الكريم، وشرح صدورنا فيه لفعل الخيرات، فالجنات مُفتحة الأبواب.. وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فالنيران مغلّقة الأبواب.. والشياطين مصُفدة..
ألا تشعر أخي الحبيب.. أختي الفاضلة، بانشراح الصدر، وسكينة الفؤاد، وهدوء البال، وسعادة القلب، بعد ثمان خلت من رمضان، وقد نويتَ الحق وأردتَه، وشمَّرت عن ساعد الجد، وسلكت طريق المبادرات الرمضانية التي اتفقنا عليها في الحلقة السابقة من "مبادرات رمضانية بعد الثورة"..
إذا كان هذا هو حالك.. فلتحمد الله عز وجل، ولتحمدي الله عز وجل على فضله وتوفيقه ومنِّه وعطائه..
وإذا كان الحال غير ذلك فرمضان ما زال ينادي: "يا باغي الخير أقبل"، فلتراجع الآن مبادرات الحلقة السابقة، ولنبدأ في التوِّ دون تراخٍ.. وسيرزقك الله الكريم السعادة والسكينة والطمأنينة.. (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: من الآية 4).
ومن بدأ الدرب وسار على طريق مبادرات النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال الصالحة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا".
فالأعمال الصالحة هي العاصمة من الفتن، وفي هذه الحلقة، وبعد بذل الجهد واستثمار الطاقات في الثماني الخوالي من هذا الشهر العظيم، هيا إلى مبادرة رمضانية جديدة نتعاون فيها جميعًا.
صف الأمة الواحدة
واستمع وتدبر وافرح واعتز بأنك من هذه الأمة التي قال عنها الله عز وجل في سورة المؤمنون: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)) (المؤمنون)، وفي سورة الأنبياء: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)) (الأنبياء).
ألا نتدبر في حال الأمة الصائمة الملتزمة بأمر ربها وهدي نبيها صلى الله عليه وسلم؟!
قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية 187).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية هلال رمضان: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
إنها وحدة الحركة.. وحدة القلب الواحد.. إنها مرجعية المسلم الملتزم بدينه..
إمساك عن الطعام في وقت محدد وإتمام الصيام حتى الليل.. إنه التدريب الرباني.. والريادة المحمدية في تربية الأمة على "وحدة الصف".
وفي الصلاة: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتًا (103)) (النساء) خلف الإمام الذي لا يجوز سبقه ولا مساواته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإن كبر فكبروا". تجاه قبلة واحدة.. البيت المُحرم.. الكعبة..لإله ورب واحد سبحانه وتعالى؛ مقتدين بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وفي الحج: "خذوا عني مناسككم"، و"الحج عرفة".
فالحجيج جميعًا يوم عرفة على صعيد عرفة، ومن لم يحضر عرفة فلا حجَّ له..
وفي الزكاة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) (التوبة: من الآية 103).
إنها شعائر الإسلام التعبدية التي تربي الفرد على أن يتحرك مع الجماعة في صلاته.. صيامه.. حجه.. زكاته..
وهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمي"، وليس أدل على اهتمام الإسلام بوحدة الصف من وجود سورة كاملة في القرآن الكريم تحت هذا الاسم "سورة الصف"؛ حيث استهل الله عز وجل في صدرها بقوله: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)) (الصف).
وهذه المبادرة هي الكفيلة ببناء الأمة ونهضتها.. ومصرنا اليوم في أشد الحاجة إلى مبادرة "وحدة الصف" التي تضمن المُحافظة على مُكتسبات الثورة وتحقيق أهدافها.
ونحن- بفضل الله- نثق في معدن هذا الشعب المصري.. وكلنا أمل في الله عز وجل أن تحافظ شعوب المنطقة على هذه الوحدة التي تستمد منها قوتها وثباتها ضد الطُغاة والظالمين؛ حتى يتحقق وعد الله عز وجل: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)) (الروم).
ولعظم هذه المبادرة وأهميتها في بناء الأمة ونهضتها كان الأجر والثواب العظيم.. واستمع إلى هذا الحديث النبوي الشريف الذي يُرغِّب في تحقيق وحدة الصف من خلال هذا الرباط الرباني "رباط الحب في الله".. "إن مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ".
ولأنهم يعيشون في ظل الحب في الله فهم يوم القيامة في ظل الله وهذا نداء الله في الحديث القدسي: "أين المتحابون فيَّ؟ أين المتزاورون فيَّ؟ أين المتباذلون فيَّ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي..".
وتلكم النعمة هي كاملة من عطاء الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)) (الأنفال)، وفي بداية سورة الأنفال كان السؤال: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)) (الأنفال)، وظلت الآيات تدعو إلى صلاح ذات البين وطاعة الله والرسول والثبات في الميدان أمام الأعداء، وعدم التولي يوم الزحف، والتذكير بنعم الله عز وجل في النصر والتمكين، وتثبيت الفئة المؤمنة، والدعوة إلى تقوى الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) (الأنفال)، كانت هذه التربية الربانية للصف الأول على وحدة الصف ومتطلباته من الآية الأولى من سورة الأنفال حتى الآية الأربعين، وجاء الرد على السؤال (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ" في الآية الواحدة والأربعين: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)) (الأنفال).
إنه واجب الوقت.. واجب الحب في الله.. واجب الوحدة والارتباط.. واجب الاعتصام بحبل الله المتين.. واجب نبذ الفرقة والاختلاف.
شعارنا في هذه المرحلة
نتعاون فيما اتفقنا عليه.. ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه؛ حتى يُتم الله علينا فضله ونصره وتمكينه الذي أقر الله أعيننا به بعد الثورة".
----------
* عضو المكتب الإداري لإخوان دمياط.