مرةً أخرى خرج علينا مجلس الوزراء المرتعش ببيان يوم الخميس الماضي، انحاز فيه بشكل سافر لدعوة الأقلية السياسية، بوضع مبادئ فوق دستورية يصدر بها إعلان دستوري، وتلتزم بها الجمعية التأسيسية للدستور كما تلتزم بها الأجيال القادمة.
تعهُّد مجلس الوزراء جاء قبل يوم من مظاهرة جماعة أبو العزايم والقوى الليبرالية، وهو تعهُّد يكشف أمرين؛ أولهما سوء التقدير السياسي لحجم المظاهرة التي كان كل العقلاء يدركون أنها لن تزيد عن بضع مئات، وفي أحسن الأحوال عن بضعة آلاف، وهو رقم لم يعد معبرًا عن أية إرادة شعبية، والأمر الثاني هو: انحياز أعضاء مجلس الوزراء ومعظمهم ينتمون إلى أحزاب الأقليات السياسية لفكرة المبادئ فوق الدستورية، بغضِّ النظر عن حجم من يطالبون بها.
هذا التعهد- بحد ذاته- كافٍ للدعوة إلى إسقاط مجلس الوزراء الحالي بحسبانه لم يعد يعبر عن الإرادة الشعبية، بل أصبح معبرًا عن أقلية سياسية معروفة، ومن باب التذكير فإن هذا التعهُّد من المجلس ليس هو أول موقف فاضح له في تعديه على الإرادة الشعبية؛ فقد سبق أن صرَّح رئيسه عصام شرف- خلال جولة خارجية له- أنه يؤيد فكرة وضع الدستور أولاً، وإن اضطر إلى التراجع عن هذا التصريح لاحقًا، وهو المجلس الذي ظل نائب رئيسه السابق يحيى الجمل يدعو للمبادئ فوق الدستورية.
الغباء السياسي لمجلس الوزراء سيدفع البلاد مرةً أخرى إلى مزيد من التوتر والاستقطاب؛ فالملايين التي عبرت عن رأيها في أول استفتاء نزيه شهدته مصر يوم 19 مارس 2011م لن تسكت على اغتصاب إرادتها، ولو اضطرت إلى النزول بالملايين مرةً أخرى إلى ميدان التحرير وغيره من الميادين؛ حتى ترتدع الأقلية ذات الصوت العالي، والتي يبدو أنها لم تستوعب الدرس جيدًا من جمعة الإرادة الشعبية يوم 29 يوليو.
قد يقول قائل: إذا كان الإسلاميون- وعلى رأسهم الإخوان- ممثلين في حزب الحرية والعدالة والسلفيون ممثلين في حزب النور؛ قد وقَّعوا على وثيقة مبادئ دستورية في إطار التحالف الديمقراطي الذي يضم 28 حزبًا سياسيًّا فلماذا إذن رفض فكرة المبادئ فوق الدستورية؟!
والرد أن الوثيقة التي وقَّعها التحالف الديمقراطي هي ملزمة لمن وقَّع عليها فقط وهي ليست قيدًا على عموم الشعب أو الأجيال المقبلة، ناهيك أنه لم تصف بنودها أنها مبادئ فوق دستورية، وهو الوصف الذي لم نجد له مثيلاً في أي دساتير أخرى.
أعرف أن الخائفين من الديمقراطية يريدون فرض تصوراتهم الآن قبل الوصول إلى صندوق الانتخابات، وذلك عبر ميكروفونات الفضائيات، ودفع بعض الطرق الصوفية للحشد دعمًا لتلك التصورات، وهو موقف يعبِّر عن انتهازية سياسية تكشف تنصُّلهم من مبادئهم الرافضة لاستخدام الدين والحشد الديني في العمل السياسي، وتكشف في الوقت نفسه هزال قوتهم الذاتية؛ ما دفعهم إلى الاستعانة بقوات من خارج صفوفهم، وقد خذلتهم هذه القوى الصوفية أيضًا، من خلال حضورها الهزيل مساء الخميس في ميدان التحرير.
على مجلس الوزراء أن يعود إلى رشده بشكل سريع قبل أن تشتعل الأمور مرةً أخرى، وتكتظَّ ميادين مصر بالملايين الذين لن يعودوا إلى بيوتهم هذه المرة قبل الإطاحة بعصام شرف وكل مجلسه المرتعش.