على صفحة الآراء الحرة من موقع (إخوان أون لاين) المبارك أطلقت دعوتي "لإعادة كتابة تاريخ الجماعة"، فانبرى أحد إخواننا عبر عدة أماكن عرضت للمقال المتواضع، منكرًا على موقع الجماعة أن يُنشر على "موقعنا"- كما يقول- مثل هذه المقالات؟ وكأني بالأخ الكريم وأمثاله لم ينتبهوا بعدُ إلى أننا شعب قد ثار، لا على مبارك ونظامه وحسب، بل على كل صوت مستبد يمنع الآراء الحرة أن تجد فضاءها وسماءها، وموقع الإخوان موقعنا جميعًا يا سيدي لا موقعك وحدك، وهو أول المواقع التي يجب لهذه الثورة وتلك الحرية أن تجد حقيقتها على أرضه وفي أحضانه.

 

كما انبرى الأخ معرضًا بالمقال وصاحبته وأمثالها ممن يحملون شهادات هم أصغر منها.. كل ذلك لأنني قلت رأيا لم يرق له!.. وأُشهد الله الذي لا إله غيره، ونحن صُوَّم قُوَّم أنني لم أغضب لما نال شخصي الصغير حقًّا– ولعلها كلمة الصدق الوحيدة التي جرت على لسانه– غير أنني جزعت وتألمت؛ لأنه إن قيلت هذه الكلمات من غير إخواني لاحتملناها، ورأيناها من جملة بلايانا وابتلاءاتنا، ولكن صدورها على هذا النحو من عدم الدقة أو الأمانة أو العلمية في الحوار والمناقشة، والتزام آدابها؛ يضع الجماعة ومربيها على محك إعادة النظر فيما صار إليه بعضنا من أخلاق حوار لا تليق بأهل النصفة؛ فضلاً عن رجال ينتسبون إلى دعوة تحملهم على الحق والموضوعية وآداب الحوار حملاً.

 

ولقد هان الأمر عليًّ كثيرًا حين وجدت جرأة هذا الأخ على أمثال الإمامين الأفغاني ومحمد عبده.. وأستحلفه بالله أن يسأل نفسه، ويجيبها، ولا أريد منه إجابة لي: كم صفحة قرأها للأستاذ الإمام في تفسيره للقرآن الكريم، مثلاً؟.. كيف جرؤ على وصمه بالعمالة للاستعمار والمعاونة له؟!.. وهنا يحضرني رد السيدة عائشة رضي الله عنها، حين سئلت عمن يتطاولون على بعض الصحابة ممن أفضوا إلى ربهم؛ حيث قالت: "قطع الله عنهم العمل، ولم يشأ أن يقطع عنهم الأجر".

 

بدأت هذه البداية، وما في نفسي– علم الله- شيء من غضبة للنفس، وإنما لأنوه وأشير إلى ما وراء الأمر من خطأ تربوي ومنهجي.. أسال الله عز وجل أن تكون صحيفة حسناته عامرة يوم كتب ما كتب؛ ليزاد شكري له على ما أهدانيه من حسنات يومه، وربما أيام أخرى مع يومه الأول.

 

 على أنني أعود إلى قضيتنا الرئيسة والدعوة التي توجهتُ بها إلى الجماعة وأطلقتها عبر موقعها المبارك، بأن نبدأ مهمة النهضة في هذا الميدان، ميدان إعادة كتابة تاريخ الجماعة؛ ليكون تاريخًا للوطن والأمة، ومن الأمانة أن أعلن أن النسخة التي نشرت كانت النسخة الخطأ؛ إذ جاءت المنشورة تحت عنوان: "إعادة كتابة تاريخ الجماعة"، وكنت كتبتها تحت عنوان:"إعادة كتابة تاريخ الجماعة، ليكون تاريخًا للوطن والأمة"، وكان بها بعض التعديلات المهمة.

 

 كنت في الواقع مشغولة بفكرة الموضوعية في الطرح والأمانة العلمية والفهم لمجريات حركة التاريخ والمجتمعات، وفكرة دمج الجماعة في إطارها الوطني العام، وكونها تعبيرًا عن جهادات سابقة في الأمة والوطن، لا طفرة تاريخية منتزعة من سياق عام، فكان الجانب الموضوعي والعلمي والمنهاجي هو أكثر ما يشغلني (راجع المقال على صفحة الموقع).

 

غير أنني من جهة أخرى كان عقلي وقلبي- ولا يزالان- معلقان بكتب التاريخ، تاريخنا الحديث في مدارسنا وجامعاتنا، وحاجتنا إلى إغاثة فكرية سريعة لأبنائنا في مراحلنا التعليمية كافة، بل لكل ذي عقل وفكر في الأمة؛ كي لا تطول حالة الزيف الفكري والوطني التي تخرجت بها أجيال وأجيال من أبنائنا، ولا تزال تعيش بها أجيال منا. تأملت هاتين الحالتين، فوجدتهما تصبان في مجرى واحد، ومن هنا كانت دعوتي التي دعوت إليها.

 

واختلط الأمر على أحد إخواني الفضلاء من المداخلين فأرشدني إلى ضرورة التفريق بين المذكرات الشخصية لبعض أفراد الجماعة، وبين المذكرات العامة التي كتبها أساتذتنا من أمثال الأستاذ الدكتور علي عبد الحليم، أمد الله في عمره، وكذا شيخنا الأستاذ جمعة أمين؛ ظنًّا منه أنني لم أطلع إلا على المذكرات الشخصية، ومن هنا كانت دعوتي.

 

إننى ما قصدت– إخوتي– المذكرات: لا عامة، ولا خاصة، إنني أتحدث عن تاريخ جديد يُكتب للوطن كتابة علمية منهجية جادة، ومتجردة وأمينة، تضع الإخوان في سياقهم الوطني العادل من جهة، وتربطهم بكل أوصال الوطن والأمة من جهة أخرى. والسؤال هو: هل هذه المذكرات الأمينة التي قدمتها الجماعة– نحسبها كذلك ولا نزكيها على الله– ستقرأ على أنها تاريخ الجماعة، أم على أنها تاريخ للوطن يعتمد في جامعاتنا ومدارسنا؟

 

وقال أحد الفضلاء من إخواني: هذه مهمة الدولة ووزارة تربية وتعليم، قلت: نعم، ولكننا في حال طارئة تتطلب من كل ذي حس وطني أن يبادر، فيمد يد العون السريع، وأن يقتحم العقبة من غير تباطؤ.. فلتبدأ الجماعة، جماعة الإخوان المسلمين، بعلمائها ومتخصصيها الذين يوجب عليهم الدين، وتقتضي منهم الأمانة أن ينصفوا الناس، وينصفوا أنفسهم.. إن هذا الأمر واجب وطني من أوجب واجبات الوقت والمرحلة على كل الوطنيين والساعين بحق إلى إنهاض الأمة.. إن هذا الأمر دين.  ومََنْ غير الإخوان يبدأ المهمة؟!!.

 

- ولقد تصورت أن تبدأ الجماعة بإنشاء مركز بحثي يتولى المهمة مع رجالات وطنية شريفة أخرى لا تنتمي إلى الجماعة، وإنما تجمعهم العلمية والدقة والرغبة الجادة في خدمة الوطن.. فالمسألة ستكون علمية تحقيقة توثيقية بحتة، لا مجال فيها للهوى.

 

- والإخوان أعلى قدرًا، وأكثر ورعًا من أن ينسبوا لأنفسهم ما لم يفعلوا، أو أن يحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. على أنهم سيكونون أول رابح لو كتب التاريخ بتجرد وموضوعية ونزاهة.. ويكفي أن تفتح ملفات جهادهم للمستعمر، وجهادهم في فلسطين، وملفات الاستبداد والاضطهاد الذي نالهم في سبيل أمتهم.. يكفي أن نوثق أرقام شهدائهم وأعدادهم، ومعتقليهم.. أين كل ذلك في كتب تاريخنا الدراسية المعاصرة؟، بل أين لفظة: "الإخوان" مجرد اللفظة في هذه الكتابات؟

 

- أردت من الجماعة أن تبدأ ولا تنتظر استقرار أمور الدولة؛ إذ المهمة عاجلة، ولئن جاءت الدولة وآمنت بالقضية، وهي فاعلة لا محالة فلندفع إليها بالأوراق كلها، ولنبق خدمًا للفكرة مع كل الوطنيين والشرفاء. 

 

فأما الأسماء التي قمت بالاستدلال بها في المقال، ورأها البعض مشبوهة، فلن أدخل الآن في جدل بشأنها، ولكن هب أنها مشبوهة وشائهة حقًّا كما زعم الزاعمون– ولا يصح زعمهم على إطلاقه- فلنطرح أوراقها على طاولة الدرس والبحث: جرحًا وتعديلاً، تحليلاً وتوثيقًا، وليقل العلم كلمته الجامعة الأمينة.

 

على أنني لا بد أن أحيل الجادين والمنصفين إلى كتابات شيخ المحققين أستاذنا الدكتور محمد عمارة عن هؤلاء الرجال، وأكرر: سنطرحها على البحث والدرس والعلم قبل اعتماد أي رأي فيها، وهذا هو جوهر ما قصدته.

 

إنني أتحدث عن تاريخ صحيح علمي وموثق للوطن: ننهي فيه النزاع على الشخصيات الوطنية كلها، ونتعرف على حقيقتها، وخلفياتها الرؤيوية والعقدية بمنهجية وبحث ونظر من جانب، وننزل فيه الجماعة منزلتها الصحيحة والعادلة دون تحيز، أو إجحاف: لن نرتضي أن نظلم أحدًا، ولن نقبل أن يظلمنا بعد اليوم أحد. فحق الأجيال أن تعرف الحقيقة، والحقيقة وحدها.

 

دَّمت فكرتي، جادة ومخلصة، توجهت بها إلى الجماعة؛ لأني أراها أهلا للمهمة، وسأظل أدعو إليها إيمانًا واحتسابًا. والله سبحانه غايتي ومقصدي.