كثيرٌ منا قد تسيطر عليه نظرة الحزن عند قراءته للقرآن الكريم، والتي قد تستمرّ معه عند فهمه وتطبيقه، فيتعس بهذه النظرة الحزينة في حياته ولا يسعد.

 

ولعل السبب في ذلك فهمٌ غير صحيح ٍلحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): "إنَّ هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به فمن لم يتغنَّ به فليس منا" ( رواه ابن ماجة والبيهقي).

 

فهذا الحديث بدايةً هو ضعيفٌ عند كثير من العلماء، وحتى على رأي بعض العلماء أنَّ الحديث الضعيف يُؤخذ ويُعمَل به في الفضائل، فمعناه قد بيَّنه الإمام السندي في حاشيته على ابن ماجة بما يدل على أنَّ الحزن والبكاء يكونان فقط عند فعل الذنوب أو التقصير في أيّ عمل ٍدون عذر ٍمقبول، من أجل غسل أثر الذنب أو التهاوُن والتحفيز على العودة فورًا للخير الذي هو طريق السعادة، وليس معناه مطلقا ًدوام قراءة القرآن وتطبيقه بحزن ٍوبكاء!!

 

كذلك ليس معناه أبدًا أنَّ المتمسّك بالأخلاق كاملةً، الطاهرَ الكاملَ المترّفِعَ عن مرارات المعاصي، عليه أن يبكي ويحزن! فعَلى ماذا سيكون بكاؤه وحزنه؟!

 

يقول الإمام السندي موضحًا ذلك عند شرحه لتعريف التحزُّن: "... أن يقرأ القرآن متأسفًا على ما وقع من التقصير مُتلهفًا على ما يُؤمَل.. "، وقال في معنى التغنيّ: "هو تحسين الصوت وتزيينه والاستغناء به عن غير الله وعن سؤاله.. "، وقال في شرح: "فليس منا": .. أي ليس من الذين قراءتهم كقراءة الأنبياء، فهو بيان أنه محروم من هذا الفضل وليس هو من باب الوعيد..".

 

أيضًا قد يكون السبب في هذه النظرة الحزينة بعض آيات ٍعن قصص هلاك البعض أو التخويف من العقاب بالتعاسة في الدنيا وبالنار في الآخرة أو نحو ذلك، لكنَّ كل هذه الآيات هي خاصة بالكفار أو الظالمين المُصّرّين على ظلمهم أو المعانِدين المستمرّين على عنادهم أو العاصين المُضِرِّين لأنفسهم ولمن حولهم لا ينوون عودة للخير والصواب أو ما شابه هؤلاء وليست للمؤمنين الخيِّرين!! .. مثل قوله تعالى على سبيل المثال لا الحصر: (فذلك يؤمئذ ٍيوم عسير. على الكافرين غير عسير) (المدثر).

 

إنه لمن المُتعِس لا المُسْعِد، بل وقد يكون من الخطأ والإثم، لقارئ القرآن الحريص على فهمه والتمسّك بأخلاقه وتطبيقها وحُسْن التعامُل معه، استشعار وتطبيق آية ٍخاصّة ٍبالكافرين أو المتكبّرين على الخلق والخالق ومحاولة إسقاطها على المؤمنين المتمسّكين بأخلاق إسلامهم! إنه لا بُدّ سيشعر على الفور بالتعاسة أو الكآبة أو السلبية أو القسوة أو الظلم أو نحوه!!

 

مثال ذلك: قوله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا) (الأحقاف: من الآية 20)، هو يُخاطِب الكافر لا المؤمن! وأقوى دليل عليه، مطلع الآية ذاته: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ.. )!! .. ثم السبب في هذا الذهاب للطيبات والخيرات هو مِن فِعل أيديهم واستكبارهم على الإيمان والمؤمنين، كما جاء أيضًا في ختام الآية ذاتها: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ).

 

يقول الإمام ابن عادل مؤكدًا هذا في تفسيره "اللباب" عند شرحه للآية الكريمة: ".. قال الواحدي: ...هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع لأنَّ هذه الآية ورَدَت في حقّ الكافر وإنما وَبَّخ الله الكافر لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤدَّ شكر النعم بطاعته والإيمان به، وأمَّا المؤمن فإنه يؤدِّي بإيمانه شكر المُنعِم فلا يُوَبَّخ بتمتعه، ويدل على ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ) (الأعراف: من الآية 32).".

 

كذلك ممَّا يُتعِس ولا يُسْعِد، التعامُل مع آية ٍظاهرها أنها تخاطب عموم الناس لكنَّ باطنها يُخاطِب الكافرين وحدهم، أو الإنسان الكافر وحده دون غيره، ثم إخراجها عن سياق الآيات قبلها وبعدها وتعميمها لتشمل المؤمنين أو كلّ إنسان.

 

بمعنى أنه لكي نفهم معنى آية من الآيات فهمًا صحيحًا دقيقًا ونطبّقها تطبيقًا كاملاً نافعًا مفيدًا صوابًا، أن ننظر إلى سياق الآيات قبلها وبعدها، فإن كان الحديث عن المؤمنين الصالحين، فهي لك أيها المؤمن وانتفع واسعد بها، وإن كان عن المُعاندين المُتعالين، فهي خاصة بهم، فلا تحزن بها، فهي ليست لك، وإنما لهم وأمثالهم، ولكن افرح واسعد بأنك لست منهم، وليس مصيرك مصيرهم، واحذر هذا، واجعل ذلك دافعًا لنصحهم بالحسنى وبكل ودٍّ لتأخذ بأيديهم لسعادة الداريْن مثلك.

 

مثال ذلك: لفظ "الناس" في قوله تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) (يونس: من الآية 21) يُقصَد به- عند بعض العلماء- الكفار فقط وليس عموم الناس، كما يقول الإمام البغوي في تفسيره: " .. يعني: الكفار.."، وكما هو السياق من خلال الآية التي قبلها والتي تؤكد أنها تقصدهم لا المؤمنين: (وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) (يونس: من الآية 19).

 

كذلك لفظ "الإنسان" في قوله تعالى:  (لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) (فصلت) يُقصَد به الإنسان الكافر لا المؤمن، كما يقول الإمام الخازن في تفسيره: ".. أي لا يملّ الكافر.. "، وكما هو السياق من خلال الآية التي بعدها والتي تحدِّد أنها تقصده لا المؤمن: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)) (فصلت).

 

إنَّ آيات القرآن الكريم وتشريعاته وأخلاق الإسلام فيه ما نزلت أصلاً إلا لفرحة البشر وإسعادهم، كما يؤكد تعالى بقوله:  (..فَلْيَفْرَحُوا..) (يونس: من الآية 58)، وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89).. فالهدى والرحمة والبشرى هي السعادة الكاملة الأكيدة في الداريْن.

 

ولذا، فلا بُدّ أن يُقرأ القرآن ويُفهَم ويُطبَّق في إطار هذا المعنى، معنى الإسعاد لا الإتعاس والإيجابية لا السلبية، ولا يُترَك لنفسية قارئه سعيدة كانت فترَى الآيات مُسْعِدَة أو حزينة فتراها مُحْزنة! (برجاء أيضًا مراجعة مقالة: "تشريعات الإسلام سعادات لا تكليفات" لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح).

 

بل مَن كان حزينًا سيَسْعَد مؤكدًا، لوعده تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)) (يونس)، والذي قال في تفسيره الإمام السعدي: "... حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور، ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) (يونس: من الآية 58 ).."
لأنه سيُصلح حاله وسيَضبط أموره كلها بأخلاقه، وسيُبَيِّن له أين الصواب من الخطأ والخير من الشر فيها جميعها.

 

وحين يكون أخلاقيًّا كامل الأخلاق، كرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، سيسعد بكل تأكيد، سيسعد بالصدق والأمانة والعدل والإخلاص والتعاون والصفاء والوفاء والتسامح والتحاور والعمل والعلم والإنتاج والإنجاز ونحوه... وسيَتعَس حتمًا إذا ترك خلقًا من هذه الأخلاق أو جاء بعكسها، سيَتعَس بالقدْر الذي أساء فيه، كما يُفهَم من قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء: من الآية 7)

 

وهنا قد تدمع العين، ليرتاح العقل وتطمئنّ مشاعره النفسية بهذه الدموع، حيث خلقه خالقه كذلك.

 

قد تدمع قليلاً أو كثيرًا، على حسب ما اقترف.

 

قد تدمع حزنًا وندمًا على ما قدَّم من سوء، لغسله وفتح صفحة جديدة سعيدة مع الخير سريعًا، وهو الندم والبكاء الإيجابيّ.

 

أو قد تدمع فرحًا!! مثلما كان معظم دمع عيون الصحابة الكرام! لسعادتهم الغامرة بأنهم ليسوا مع أهل السوء، وبأنهم قد نجحوا في تمسَّكهم بكلِّ ما هو خير ٍمُسعدٍ لهم أوصاهم به ربهم فآمِنوا باقترابهم منه أكثر واطمأنوا بقوته وسعدوا باستجابته لطلباتهم.

 

وهذا هو البكاء المُسْعِد النافع الدافع للخير المفيد، وهو المطلوب أن يكون الأكثر من الدمع الحزين لأنه الدلالة الأكيدة على أكثرية الخير وندرة الشرّ بالإنسان والمجتمع كله، وأن يكون هو الذي يستمرّ مع القرآن الكريم قراءةً وفهمًا وتطبيقًا.

 

أو قد لا تدمع مطلقًا!! ولِمَاذا تدمع والعقل وأحاسيسه دائمًا بالإسلام لا يسير إلا في كلّ ما هو خيْريّ ٍفطريّ ٍمُسْعِدٍ بعيد ٍعن أيّ شرّ ٍمُتعِس ٍمُخالِفٍ لفطرته؟!

 

إنَّ القرآن يُجيب عن أسئلة ٍقد تحتار البشرية أو تضلّ وتتعس ولا تسعد عند الإجابة عليها بمفردها دون توجيهه، مثل سبب الحياة وأنها للانتفاع والسعادة، وما بعد الموت والحساب والجزاء والعقاب وسبب الآخرة لتمام العدل ونيْل كلّ ذي حقّ ٍحقه ولخلود البشر في الهناء، والعقل وما يحمله من كلّ صفات ِخير ٍومشاعر نفسية تؤهل الإنسان لأسعد حياة على أكمل وجه ٍمع التجهيز لآخرة أتمّ وأخلد وأسعد، ونحو ذلك ممَّا يُجمله قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: من الآية 9).  

 

ولذا فلا بُدّ أن يُتعامَل معه وفق هذا الإطار المُسْعِد الهانئ الآمِن الإيجابيّ ونحن منطلقون به في حياتنا اليومية، وإلا فقد أسأنا أيّما إساءة فهمه وقراءته وتطبيقه والتعامُل معه والدعاية له لو أصابنا الحُزن والركون أثناء أو بعد قراءته.

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام من أصحاب النظرة السعيدة لا الحزينة للقرآن، ومن الداعين غيرك لذلك، لتسعد ويسعدوا في الداريْن.