على طريق النهضة، وإعادة عرض تاريخ الأمة على الوجه العلمي الصحيح تصبح الحاجة إلى عرض تاريخ المرحلة التي ظهرت فيها الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، وفي الذروة منها والقلب، دعوة الإخوان المسلمين، عرضًا إسلاميًّا ، وطنيًّا جامعًا، لا بعين "جماعية" منفصلة عن محيطها، تصبح الحاجة إلى ذلك حاجة وقت وضرورة نهضة ووحدة.
ذلك أن الذي تفعله أدبيات الجماعة في عرض تاريخها، وكأنه كان طفرة بدأت بعبقرية الإمام الشهيد حسن البنا، رضي الله عنه وهي عبقرية حقيقية هذا الذي تفعله هذه الأدبيات يضاد الحقيقة العلمية من جانب، ويفصل الجماعة عن تربتها الوطنية الأصيلة، وأناسها الذين حملوا معها الراية، وتبنوا فكرتها التجديدية والإحيائية للدين الذي يؤمنون به أصلاً، لكنها لم تكن تُفَعِِّل الإيمان به إلى عمل على الأرض، وهنا كان الدور العظيم الذي قدمه الإمام الشهيد حسن البنا، الذي "انتقل بمشروع النهضة من إطار الصفوة المثقفة، والنخبة المفكرة إلى أحضان الأمة، وأيدي الجماهير" (راجع : د/ محمد عمارة "أزمة الفكر الإسلامي الحديث" 121) تلك الجماهير التي كانت مهيأة بفطرتها لحمل الأمانة بعدما تم تنبيهها إلى نفسها، وأهمية بل وفرضية دورها، ومسئوليتها العقدية والوطنية.
وعرض هذه الأدبيات لتاريخ الجماعة على النحو الذي تسير عليه الأدبيات التقليدية للجماعة، والذي أشرتُ إليه سابقًا ، يؤدي أيضًا إلى تغييب لرموز وطنية إسلامية حقيقية لا تقف عند الإمام الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد رضا، بل وأحمد حسن الزيات، والخضر حسين، والشيخ مصطفى عبد الرازق، وغيرهم. بل تتجاوزهم وتحتوي معهم رموزًا وطنية تم استلاب تاريخها وتمييعه، ونسبته إلى تيار علماني رافض للدين، بل ومناهض له، وذلك في غيبة منا عن التعرف الحقيقي على هذه الرموز الإسلامية الوطنية التي جاهدت واجتهدت في سبيل إحياء الأمة وإنهاضها، وذلك من أمثال الزعماء: مصطفى كامل، وسعد زغلول، أولئك الزعماء الذين كانوا يقفون ويصدرون عن أرض وفكر إسلامي واضح المعالم.
ولقد يصبح أبلغ التدليل على ما أقول أن أدلل برأس وقاعدة النظام السياسي الحاكم (البائد) والذي تمثل في زعيم الأمة العظيم: مصطفى كامل باشا كصوت وطني إسلامي أصيل يعلن في غير مرة: أن "إحياء الأمة وإنهاضها بغير الحقيقة الدينية مستحيل"، ويزيد موقفه هذا جلاء بأن يقول: "إننا نريد أن تكون مصر للمصريين، ونرفض قطعًا كل نير أجنبي.... وإذا كنا نطلب إرشاد أمتنا إلى الحقيقة الدينية، فما ذلك إلا لأن الأضاليل والأكاذيب والخزعبلات التي راجت بين العامة باسم الدين، قلبت حقيقة هذا الدين، فصار الجهل والتأخر والانحطاط، وكل الآفات، مما يلقى على الدين وينسب إليه، والدين منه براء. لذلك كان من المستحيل إحياء الأمة وإنهاضها بغير الحقيقة الدينية؛ لأنه لا سبيل إلى إبادة جيش الباطل الذي أُلِف ونُظِِم باسم الدين إلا بالدين نفسه، فالتعليم الديني ليس فرضًا من الوجهة الدينية فحسب بل هو كذلك أيضًا من الوجهة الوطنية.... إن بث الحقيقة الدينية بين المسلمين من أكبر الأسباب الموجدة للتسامح والتقرب من الشعوب الأخرى؛ إذ لا تعصب مع علم، ولا نُفْرَة مع نور ورشاد، فمن منفعة العناصر كلها أن يعرف المسلمون دينهم على حقيقته، وأن تزول أوباء الجهالات والخرافات من بينهم.... ونحن إذا اعتمدنا على الإسلام وقواعده وأوامره وإرشاداته، وأخذنا من المدنية الغربية فوائدها ومنافعها، واعتبرنا بعبر التاريخ، وتركنا النزاع الذى أضر بمصر والإسلام، واجتنبنا كل افتراق وشقاق، بلغنا أقصى ما يرام من مجد وعز وسؤدد ومقام رفيع..... فتقليد الغرب شيء والأخذ من المدنية الغربية الفوائد والمنافع شيء آخر......... و"إحياء الأمة وإنهاضها بغير الحقيقة الدينية مستحيل" (راجع د/ محمد عمارة: (الجامعة الإسلامية والفكرة القومية عند مصطفى كامل 87، 95، 97، طبعة بيروت سنة 1976م، وأيضًا د/ محمد عمارة: أزمة الفكر الإسلامي الحديث: 105: 107، الطبعة الأولى: دار الفكر- دمشق، ودار الفكر بيروت 1998م).
- هذه الرؤية الإسلامية العظيمة ينبغي أن نرفع لواءها لا لمجرد أن نسحب البساط من فكر الحزب البائد بل ومن الأحزاب العلمانية الأخرى.
- حقيقة علمية وتاريخية سنقررها لأنفسنا وللآخرين- بهذه الكتابة الجديدة لتاريخ الدعوة الإسلامية التي ننتسب إليها، هي: أن أغلب الزعامات الوطنية في عالمنا العربي كله، وليس في مصر وحدها كانت زعامات وطنية مرتبطة بوعائها الحضاري الإسلامي، وكانت خلفيتها العقائدية حاضرة دومًا، وأصيلة فيما صدرعنها من مقاومة وعزة وانتصار لقضايا الأمة، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.
- إننا إن نفعل ذلك فإننا نعيد كتابة تاريخنا المعاصرعلى وجهه الصحيح والعلمي، وننصف هذه الرموزالكريمة التي استلبت طويلاً من قبل العلمانيين وأضرابهم، ونسبت إلى غير أرضها المسلمة الأصيلة. ونمنع المدعين والأفاقين الذين يمارسون الزيف الوطني والعقائدي من التزين بأسمائهم الجليلة التي لا تبقى من حالهم المعاصر أية نسبة حقيقية إليهم. كما أننا نعيد لأنفسنا الانتماء إلى كل عناصر الخير في الأمة: ننتمي إليهم جميعًا، وُنكْبِِرهم جميعًا.
- والأمر في حقيقته وعي حقيقي بالذات وتبصر عميق بالحالة التاريخية التي ظهرت فيها الدعوة، بل إلى الحالة الدينية الأصيلة التي نشطت منها ومن تربتها كل حركات وزعامات الوطنية الحقيقية في أوطاننا الإسلامية كلها.
- هذا العمل الفكري الذي أدعو إليه سيعيد الانسجام إلى لُحمة تاريخ الوطن، وسينفي عن الجماعة تهمة التعالي بما عندها من خير، وهي تهمة لا يزال الآخرون يلاحقون الجماعة بها، وسوف تقلل- بلا جدال- من حالة التمايز بين قطاعات الأمة، فيما لا داعي فيه للتمايز( تأملْ على سبيل المثال ما يقولونه إزاء اسم الجماعة: أنتم الإخوان المسلمون، فمن نحن؟ ألسنا مسلمين؟!).
- وأخيرًا.. إننا حين نعرض تاريخ الجماعة بهذه الرؤية الشمولية العلمية نخرج من حالة التعجيز والسلبية التي يمكن أن تتسرب إلى وعي المسلم حين يرتبط الخير والإنجاز عنده بوجود الشخصية المجددة الفذة- على كونها حقيقة لا تنكر- نريد أن نخرجه من حالة انتظار نزول المعجزة، أو انتظار المنقذ، بينما نريد منه أن يعيش عملاً فرديًًّا مسئولاً في إطار جماعة وجماعية واعية يمكن أن تكون بديلاً معاصرًا لفكرة الإمام المنقذ، والمجدد، ومحركًا إيجابيًّا لكل طاقات الأمة المعطلة.
- لقد كان الشيخ حسن البنا رحمه الله رمزًا أصيلاً وبارزًا لتاريخ رموز كبيرة وكثيرة سبقته، بل ولتاريخ أفراد عاديين في أمة تسوقها فطرتها وعقيدتها إلى ربها ودينها، وحقيقة وجودها على الأرض، ذلك الوجود الذي ينتهي في وعي المسلم بآخرة يثاب فيها الناس أو يعاقبون.. أمة لها رب حاضر في ضميرها يجعل الجنة ثمنًا لحركة الصلاح والإصلاح وعمارة الأرض.
- لقد كان المَعْلم الأبرز في تاريخ الإمام الشهيد حسن البنا أنه أزال التراب عن الفكر الإسلامي الأصيل، والبسيط، وحمله إلى حضن الأمة والشعوب، كما قال الدكتور محمد عمارة، وهو ما يؤكد قولي بأن من أهم عناصر انتصار الرجل ونجاحه أنه قد توجه بمشروعه إلى أمة تريد أن تعود إلى ذاتها وحقيقتها، لا إلى أمة تكره الدين وتعاديه، أو حتى تنكره، ويؤكد ذلك أيضًا أن استشهاد الرجل لم يوقف المسيرة، بل زاد من استمساك الأمة بخيارعودتها إلى "ذاتها"، "فطرتها"، "دينها".
- نعم يتفوق الرجل على الرموز التي سبقته، ويتجاوزها يقينًا وبشكل غير مسبوق في حركات الإصلاح المعاصرة، لكنه يبقى تحقيقًا وتمثيلاً لكل جهادات السابقين واجتهاداتهم في كل ميادين الإصلاح التي رابطوا عليها.
نحن أولى الناس بكل نَفَسٍ وطني شارك في الإصلاح وحاول إنهاض الأمة.
----------
* أكاديمية وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية.