حلَّ شهر رمضان الكريم ضيفًا في الصومال في وقت يعاني أبناؤه أبشع مأساة وأسوأ كارثة إنسانية تفتك بالجميع وتهدد حياة مليونين وأربعمائة ألف صومالي باتوا يفترشون العراء ويرتحلون من هنا أو هناك، بحثًا عن ملاذ آمن وما يقتاتونه لمقاومة المجاعة الرهيبة والقحط الذي ضرب أجزاء من جنوب الصومال.
هذه الكارثة التي تضع الشعب الصومالي بأكمله على حافة الانقراض يمكن القضاء عليها في رمضان.. لكن التساؤل المشروع هنا: كيف يمكن المواجهة عليها للحد من تبعاتها وما تفرزها من نكبات قاسية يشيب لها الولدان وتقشعر لها الأبدان؟
ما هو مفزع حقًّا هو أن يتفرج المسلمون في هذا الشهر الفضيل على مأساة إخوانهم في الصومال الذين التصقت بطونهم بظهورهم لشدة المجاعة، متلفظين أنفاسهم الأخيرة، كنفوق الماشية وسط صحراء قاحلة جرداء، بينما أشقاؤنا في الوطن العربي يكافحون أمراض التخمة والبدانة!!.. فيا حبذا لو أنفقوا جزءًا من أموالهم لهؤلاء البسطاء الذين يموتون بشكل شبه يومي وبأرقام قياسية ليجزيهم الله سبحانه وتعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون!.
وعلى الرغم من حجم الكارثة في الصومال فإن دولاً عربيةً، وفي ومقدمتها الكويت والإمارات والقطر، لا تزال تلك الدول تقدم مواد إغاثية للصوماليين، بينما دول عربية أخرى كان لها السبق في الشأن الصومالي سياسيًّا وإنسانيًّا بات دورها غائبًا وكأن شيئًا لا ولم يحدث في الصومال بعد.. ما يتساءل البعض عن التجاهل العربي لمأساة الصومال التي امتدت قرابة ربع قرن من الزمن.
هبة فلسطينية!
ما يبعث الأمل من جديد هو الهبة التي أعلنها الشعب الفلسطيني لمد يد العون لإخوانهم المتضررين من كارثة الجفاف في جنوبي الصومال؛ حيث دعت حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة المحاصر برًّا وبحرًا من قبل الكيان الصهيوني، دعت إلى جمع التبرعات المالية إشفاقًا ورحمةً للصوماليين، ولم تقف الهبة الفلسطينية عند هذا الحد، بل شرعوا في تدشين حملات إنسانية في قطاع غزة تارةً، وعلى دعوات في صفحات موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) تارةً أخرى؛ ما يوحي بأن الضمير الفلسطيني تجاه أخيه الجريح في القرن الإفريقي لم يمت بعد، وعلى هذا الحال لا بد أن نصيِّر المثل العربي القائل: "فاقد الشيء لا يعطيه" إلى "فاقد الشيء يعطيه"؛ أسوةً بالأخ الفلسطيني الجريح.
وكانت اللاصقات الإعلانية الفلسطينية والتي كتب فيها "طفل صومالي يموت كل 100 ثانية.. 10 دولار فقط تنقذه.. فماذا تنتظر؟" هي التي ملأت المواقع الإلكترونية الفلسطينية، حال هذا يشبه التغطية المستمرة التي شرعتها الكويت الشقيقة في تلبية احتياجات الصوماليين، ولا يزال الإعلام الكويتي يواصل تغطيته المتواصلة من كارثة القحط والجفاف في الصومال؛ لمساعدة أشقائهم في القرن الإفريقي شعورًا بالواجب الديني والإنساني، وأن الإنسان أخو الإنسان.
ومن المقرر أن يعقد لقاء في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة بشأن المجاعة في الصومال، لكننا لا نعلِّق آمالنا على ما تقرره تلك الجامعة التي تحولت إلى صنم أصم لا يحرك ساكنًا تجاه مأساة شعوبه فلسطينيًّا كان أم عراقيًّا أم صوماليًّا.. فعيون الصوماليين معلّقة على موائد الرحمن الكويتية والقطرية والإماراتية، هذا فضلاً عن المحسنين العرب الذين وهبوا جزءًا من أموالهم للصوماليين.
مكمن الحل
إذًا يمكن حل أزمة المجاعة في الصومال: أولاً أن تُبذل جهودٌ جبارةٌ في سبيل تحقيق ذلك الهدف المنشود، ثم تضافر تلك الجهود لتصب لمصلحة واحدة دون بحث عن مآرب سياسية واقتصادية، سوى خدمة لجبين الإنسانية، وتحويل النفقات الحكومية والتبرعات المالية والزكوات إلى الصومال، وخاصةً في غضون هذا الشهر الفضيل؛ حتى يتم إزالة هذا الخطر الذي يدهم الصوماليين من كل حدب وصوب.
فالكثير من المتابعين للشأن الصومالي يؤكدون أن المجاعة فاقت كل التصوّرات ولم تكن بالحجم الذي تتوقعه الدول العربية التي قدمت للصوماليين مواد إغاثية، ليضطروا إلى مواصلة هذا الدعم لتخفيف تلك المعاناة التي يواجهها قطاع عريض من الشعب الصومالي، فيا ترى لو أخرج "الربيع العربي" إلى تظاهرات حاشدة والنزول إلى الشوارع ثانية.. ليس لإسقاط النظام.. بل لإغاثة الصومال.
الصومال وبعد ربع قرن من الصراع تقف اليوم أمام عتبة مأساوية جديدة من موجات المجاعة والتي لا تقل مأساةً عن الرصاص والقديفة التي استنزفت مقدرات الصوماليين نفسًا ومالاً، فهذه الكارثة ربما ستزداد فجوتها، لا سمح الله، إن لم تكن هناك جهود محلية وعربية لمواجهتها كما حدث في عام 1994م، وإن لم تكلل تلك الجهود بالنجاح فإن الصوماليين على موعد مع التشتت والانقراض، وهذا ما يريده الغرب الصليبي للمسلمين في القرن الإفريقي.