ما أشبه الليلة بالبارحة!!، وما أشبه حكام العرب اليوم بملوك الطوائف في الأندلس!!، وما أشبه حسني مبارك بالمعتمد بن عباد أحد أولئك الملوك الخونة، الذي لقي جزاء خيانته لشعبه ولأمته سجنًا وذلاً حتى وفاته!!.

 

الذين يتباكون اليوم على محاكمة مبارك وإذلاله بدعوى أنه رجل مسنٌّ وأنه أصبح بلا سلطة يشبهون أيضًا من تباكوا من قبل على المعتمد بن عباد، ملك أشبيلية، المتحالف مع "الفونسو السادس"، وقد كان رد زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين على المطالبين بإطلاق سراح المعتمد هو الرد ذاته المناسب للمتباكين على مبارك، "يقولون: لنرحم الرجلَ، فقد كبُر سنه، وذهبت دولته، ولم يعد يملك من الأمر شيئًا، وما سلَّم حتى قَتل منا نفرًا كثيرًا، وقد لقينا منه ما لم نلقَ من الروميّ وجيشه (يقصد الفونسو مللك قشتالة)، فما بالكم تذكرون آخر الأمر ولا تذكرون أوّله، وتذكرون العاقبة وتنسون الأسباب، يتشفّعون لي فيه ويقولون ارحموا عزيز قوم ذل، وما ذل حتى أذل، وإنما إذلاله إذلال رجل واحد، وكان ذله ذل أمة بأكملها".

 

خيانة المعتمد وأبنائه لشعبه وبذخه ومجونه وتحالفه مع أعداء الأمة تكررت مع مبارك وأبنائه، فقد عاش المعتمد في أيام ملوك الطوائف الذين تقاسموا الدولة الأموية في الأندلس، وحكم كل منهم مملكة صغيره، تجاوز عددها21 مملكة، لكل منها علم ونشيد وملك وجيش هزيل، وامتلك المعتمد من الحصون مائتي حصن وولد له 173 ولدًا، وكان لمطبخه في اليوم قرابة ثلاثمائة وخمسين كيلو جرامًا من اللحوم بحسب مؤرخي عصره.

 

ورغم مظاهر الفخفخة والاستعدادات العسكرية (الوهمية) فرض ملك قشتالة الفونسو السادس الجزية على هؤلاء الملوك، ومنهم المعتمد بن عباد، وكان هذا التهاون دافعًا لـ"الفونسو" للهجوم على ممالك المسلمين، ومنها أشبيلية التي استنجد ملكها المعتمد بزعيم المرابطين يوسف بن تاشفين في المغرب العربي الذي هبَّ لنجدته، وحقق نصرًا كبيرًا في معركة "الزلاقة" الشهيرة، غير أن المعتمد ما لبث أن تعرَّض لانتفاضة شعبية ضد سلوكياته وسياساته، وخشي من تدخل بن تاشفين فانقلب عليه خوفًا على ملكه، وعاد لموالاة عدوه السابق "الفونسو" والاستعانة به ضد زعيم المرابطين الذي استشار العلماء وأهل الرأي فأشاروا عليه بخلع المعتمد من مملكته وسجنه، وكان المعتمد يستحق الإعدام لارتكابه ما نسميه في عصرنا "الخيانة العظمى"، هكذا كان الحال في بلاد الأندلس في ظل ملوك الطوائف، وهو الحال الذي دعا شاعرًا ينشد:

 

مما يزهدني في أرض أندلس           أسماء معتضـــد فــيها ومعتمد

ألقاب مملكة في غير موضعها         كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

 

نعم.. ما أشبه الليلة بالبارحة!!، فملوك الطوائف عادوا إلينا في صور ملوك وأمراء ومشايخ ورؤساء جمهوريات لـ22 دولة عربية، لكل دولة علم ونشيد، وجيش هزيل، وحاكم يتفانى في إذلال شعبه وإفقاره، وفي الوقت نفسه يتفانى في خدمة أعداء الأمة، والتزلُّف لهم ودفع الجزية في صورة عصرية لهم، وإمدادهم بالنفط والغاز، وودائع الدنانير والريالات، والاستعانة بهؤلاء الأعداء في واشنطن ولندن وباريس وحتى تل أبيب على إخوانهم في الدين والوطن والعروبة، وما غزو العراق وحرب لبنان ومن بعدها غزة عنا ببعيد!!.