قررت من شدة أهوال ما رأت عيني وسمعت أذني وأدمى قلبي حول كيفية قتل الثوار أن أذهب لمنازل وأهالي الشهداء والمصابين رغم مشاركتي لهم كل أيام الثورة أسترجع فيها وحشية القتلة، وجلست ساعات أعيد مشاهدة ما تم تصويره وتوثيقه، وعادت بي الذاكرة لما كان يفعله الظالمون والمستبدون من رجال الأمن حماية للنظام المخلوع من شعبه، وتذكرت ما فعله جهاز أمن الدولة بي شخصيًّا.. تذكرت والدي الذي مات بعد الثورة، وأحمد الله أنه شاهد الثورة بعد أن أبكى رجال الأمن المغلوب على أمرهم في آخر حبس لي في مايو 2010، وكنت وقتها مضربًا عن الطعام، وقررت أن أفتح كل الملفات ولم يعد ينفع مقولة "عفا الله عما سلف"، وعلى كل مواطن شريف أن يقدم ما عنده لمحاكمة كل رجال الأمن المتهمين دون استثناء.

 

المخلوع لم يترك شريحة من المثقفين أو المهنيين أو العمال والفلاحين إلا وآذاها في حريتها وحقوقها.. شريحة المهندسين مثلاً وعلى رأسهم الوزير السابق حسب الله الكفراوي، وما فعل به والرجل شاهد على ما اقترفت يد المخلوع، ونقابة المهندسين التي صادر حقها بقرار منه وغيب العمل النقابي ما يزيد عن 17 سنة، وهذه شريحة المحامين، ولا ننسى مقتل عبد الحارث مدني وأزمات المحامين في المحاكم وجهاز الداخلية.

 

هذا المخلوع لم يترك بابًا للخير إلا وأغلقه ولا بابًا للشر إلا وكان له نصيب في فتحه حتى مع الأعداء، أخافنا من أقزام وصورها لنا غيلانًا تخيف وتأكل اليابس والأخضر ووحوشًا ضارية تلتهم فريستها، وصنع لنا دمًى يفسد بها العلاقة بين نسيج الوطن الواحد كالفتنة الطائفية وإدعاءه بخطر الإخوان المسلمين.

 

كم من مصري حرم من حريته بأحكام ظالمة وبدون محاكم أصلاً؟!! اسألوا أمن الدولة والسجون كم عدد ساعات الحرية التي حبست في الزنازين، وأتحدى أن يحصرها أحد لكثرتها التي لا تعد ولا تحصى، ومن يرد هذه المظالم والحقوق لأصحابها؟!!

 

اسألوا المقابر والقتلة كم من نفس بشرية أزهقوها بغير حق ودفنوا الجثث جماعيًّا وفرادى، ولا يعلم أحد عنهم شيئًا، وحتمًا سينطق الله الأرض وتعترف بما حوت وسيعلم كل ظالم أفلت من العقاب في الدنيا مآله في الآخرة.

 

كم من مسلم مصري وعربي عُذِّب أشد العذاب بأحدث وسائل العصر في جميع مباني أمن الدولة وأقسام الشرطة، وعلى رأسهم بدروم مبنى أمن الدولة في مدينة نصر الذى يشهد بهول التعذيب حتى أن كل من دخل هذه السلخانة البشرية كان يتمنى الموت ويدعو الله أن يميته؛ لعدم قدرته على الاحتمال، ويحكي لي أحد الذين عذبوا حوارًا دار مع أحد زبانية التعذيب في هذا المبنى والذي قال بالنص الواحد: "إنهم لا يقدِّرون أحد ولا يسمعون لأي مسئول في البلد حتى ولو جمال مبارك أو حتى سوزان هو واحد بس؛ الريس حسني مبارك، اللي نعمله تعظيم سلام، أي حد غيره نعمل فيه وفي اللي مخلفينه.. بألفاظ لا يمكن أن تحتملها".

 

في ذات المكان أحد الذين مُورِس عليهم التعذيب يحكي لي أنه كان يتألم من شدة التعذيب، وقال من ضمن ما قال تأوهًا: يا رب، فما كان من ضابط أمن الدولة إلا أن فتح درج مكتبه قائلاً: "وآدي ربنا اللي بتنادي عليه حبسته في الدرج خليه ينفعك"!!!

 

أثناء محبسي في طره عام 2007 كنت أعد لماجستير الإعلام وكانت امتحاناتي في سجن استقبال طره وهناك قابلت بشرًا لم ير أحد منهم الحياة منذ عشرات السنين، ومورس عليهم التعذيب بشتى ألوانه، وممن حكوه لي قصة لأصغر سجين بينهم، وملخصها: عندما ذهب رجال أمن الدولة للقبض على بعضهم من منازلهم ولم يكن في المنزل إلا المطلوب القبض عليه ومعه أخوه الصغير الذى لم يتعدى عمره وقتها 14 سنة، والذي تحدث للضابط قائلاً: لقد أخذتم أخي الأكبر، والآن تقبضون على أخي الثاني، ولم يبق أحد في المنزل غيري وأبي وأمي توفاهما الله، فما كان من الضابط إلا أن قال له: "وليه؟ تعالى انت كمان معاهم وقبض عليه، وأُودع كأصغر سجين بلا أدنى ذنب ولا إذن نيابة ولا يحزنون- البلد بلدنا- ما حدث لا يساوي شيئًا مما حدث لهذا الصغير الذي نال من التعذيب ما لا تحتمل أي عين قراءته، ومنه على سبيل المثال: أن الزبانية فتحوا رجليه حتى كانت خطًّا مستقيمًا أي زاوية 180 درجة وهو عار الثياب وكان المعذب يسأله وهو يضغط على جهازه التناسلي بحذائه؛ لكي يعترف بما يريده المحقق على شكل سوسته.. لك أن تتخيل آهات التعذيب!! أحسب أنه يكفي أن يكون هذا المثال أهون أساليب التعذيب التى كانت في السلخانات البشرية لحساب الرئيس المخلوع!.

 

في أي دولة في العالم يعقل أن يكون الدخل الشهري لكثير من الأسر فيها 100 جنيه بينما يتقاضى آخرون من الموالين للرئيس المخلوع أكثر من مليون ونصف المليون جنيه في الشهر، ولا يعدم رئيسها الذي سمح لغالبية شعبه أن يكونوا من أصحاب الملاليم، والمقربين والموالين له ولفساده من أصحاب المليارات.

 

في أي دولة في العالم يتصور أن يكون غالبية الشعب من سكان القبور والعشوائيات بينما المحاسيب والموالين من أصحاب القصور والشاليهات والمنتجعات ولا يعدم رئيسها؟!

 

في أي دولة في العالم غير مصر في عهد المخلوع لا يجد المواطن وسيلة مواصلات آدمية يستخدمها لضرورات الحياة في نفس الوقت الذي تشاهد أفخم وأكثر أنواع السيارات الفارهة تملأ الشوارع المصرية؟!

 

في أي دولةٍ في العالم يقنن فيها التزوير لهذا الحد الذي رأيناه في انتخابات 2010م وبلا أدنى حياء يخرج علينا رموز النظام المخلوع بأنها كانت نزيهة ومع صحيح القانون! ألهذا الحد من اتساع مساحات النفاق التي وصلوا إليها! كيف لا يحاكمون على تزوير كل الانتخابات التي جرت في مصر حتى اتحادات طلبة المدارس والجامعات زوروها كي يفسدوا الحياة السياسية لأجيال قادمة، ألا تكفي هذه التهمة في إعدامهم؟!!

 

هذه عينة من الحال التي كانت عليها مصر في عهد المخلوع وما فعله بشعب مصر وإهانته لمكانة مصر.

 

والتي تفرض محاكمةً عادلةً تحقق قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة: من الآية 179).

 

أخيرًا ومع حركة المحافظين المتوقع لها أن تكون الأخيرة في المرحلة الانتقالية لنقل السلطة، والتي من دلالتها غلبة لقب اللواءات ما يخالف التوجه المدني للثورة، وكذلك الإصرار على إبقاء بعض الموالين للنظام السابق مع نقلهم من محافظةٍ لأخرى وكأنهم يملكون حصانة أبدية ولا يمكن تغييرهم رغم الرفض الشعبي لهم يعطي استفهامًا حول الآليات وأصحاب النفوذ في القرار!.

 

عمومًا طبيعة المرحلة التي نعيشها تمنحنا فرصة الانتظار حتى نرى درجة الالتزام بالمصداقية والشفافية وقدرة كل محافظ على فرز وتجنيب القيادات الفاسدة في دواوين ومؤسسات الدولة في كل محافظة وقدرته على حل مشكلات كل محافظة، وعلى رأسها البطالة والإسكان والصحة والتعليم وتنمية الموارد، وإنا لمنتظرون.

---------------

* أمين عام حزب الحرية والعدالة بالبحيرة