تشكل النخبة في أي مجتمع العقل المفكر لمستقبله السياسي والاجتماعي سواء بالسلب أو الإيجاب، ويميزها عادةً تدفق المعلومات والمنهجية العلمية وعمق التفكير الناتج عن البحث والدراسة المتأنية، هذا فضلاً عن قدرتهم على المواءمات والموازنات لصالح مفردات الوطن، وليس لأشخاص بعينها من أجل البناء الديمقراطي المنشود.

 

والنخبة مجموعة من الشرائح والأطياف التي يندرج تحتها قادة الرأي والسياسيون والمثقفون والكتَّاب والمفكرون.. إلخ.

 

لذا يفترض فيهم أنهم أصحاب نفوذ بما لديهم من القدرة على التأثير وتشكيل اتجاهات الرأي العام؛ ما يتطلب منهم أن يكونوا أمناء في حفاظهم على القيم والعادات المصرية الإيجابية، والتي تتفق مع هويتهم وحضارتهم، ليس هذا فحسب؛ بل أصحاب اتجاه في دعم القيم وترسيخ الهوية، والأكثر من ذلك أن يفترض فيهم قدرتهم على دعم متخذي القرار لصالح الرأي العام.

 

وعادة ما يميز النخبة أنها تلقى قبولاً مجتمعيًّا، ويُسمع لها؛ مما يجعلها تحظى بأغلب البرامج التلفازية خصوصًا الحوارية، وتجد عندها العديد من الرؤى والتحليلات والتفسيرات والتنبؤات لكل القضايا والأحداث والأزمات.

 

لكن الذي حدث إبَّان الثورة هو انقسام النخبة وتشتت أفكارها ومقترحاتها وانحياز البعض منهم لأيديولوجياتهم دون موضوعية وعلى حساب الإرادة الشعبية، ما أفقدها البوصلة فى رسم خريطة المستقبل التوافقية بكل ما فيها والتي تحقق مطالب الثورة في الحرية والأمن والعدالة الاجتماعية لكل فئات المجتمع على المستوى الداخلي وكذلك مستقبل السياسة المصرية على المستوى الإقليمي والدولي، ما أثر سلبًا على الرأى العام حتى سئم الناس مجرد الاستماع إليهم وانفض الكثير من حولهم.

 

حقًّا إنهم أماتوا الفرحة بالثورة بشدة حرصهم على مغانم الثورة.. كل مصري ومصرية في كل مدينة وقرية، في كل شارع وحارة، طوال فترة أيام الثورة حتى تنحي المخلوع وإزاحة النظام المستبد كانوا في فرحة غامرة وسعادة بالغة وتلاحم وشعور كامل بالوطنية والمسئولية لم يصدقها العالم، ولم يتوقعها خبراء السياسة، حتى خرج علينا من يعتبرون أنفسهم من النخبة على الفضائيات وفي الصحف، فنغصوا علينا حياتنا ومسحوا البسمة من على وجوهنا، وزرعوا الخوف في قلوبنا، ونشروا الفزع حولنا وفي بيوتنا! حقًًّا إنهم أماتوا فرحتنا، فهل ينطبق عليهم مدلول النخبة؟ إلا إذا غيرنا مفهوم النخبة الذي ذكرناه في رأس المقال.

 

فالنخبة الحقيقية هي التي يقبل الناس عليها؛ لأنها تقبل بالمغارم من أجل مبادئها وما تؤمن به وتزهد في المغانم إذا كانت على حساب المبادئ.

 

النخبة الوطنية هي التي تدرك مسئولياتها الجسيمة تجاه التحديات التي تواجهها وتعكف على وضع سيناريوهات للحل على المستوى الداخلي والخارجي يتوافق عليها الجميع، ما يقلل نقاط الخلاف إلى أقل مستوياتها، وعلى سبيل المثال: ما هو أفضل حل للحد الأدنى للأجور وكذلك الأقصى بما لا يرهق ميزانية الدولة في المرحلة الراهنة ويحقق العدالة الاجتماعية؟ وما الحل الأفضل لبديل المجالس المحلية التي حلها القضاء؟ وما هي المعايير المتفق عليها لمن يشغل منصب المحافظ؟ وكيف نعيد بناء جهاز الشرطة لصالح الشعب؟ كيف ننمي مواردنا ونشرك الشعب فيها بخطاب محدد سواء بترشيد الاستهلاك أو ترشيد الإنفاق الحكومي أو تنمية مواردنا؟ كيف نهيئ كل الشعب للخروج الآمن من المرحلة الانتقالية؟ وما دور النخبة المحدد في التوعية السياسية لكل شرائحه بكل أمانة وموضوعية؟!.

 

أما على مستوى تحديات السياسة الخارجية فما الرأي في علاقات مصر العربية والإفريقية والأوروبية والأمريكية؟ ما الرأي في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وعلى رأسها اتفاقية كامب ديفيد وتصدير الغاز؟ كيف نعيد مكانة مصر وكرامتها دولة وشعبًا؟.

 

والسؤال: هل النخبة المصرية بعد الثورة من هذا الطراز أم أنها تحتاج إلى إعادة فرز وتجنيب؟!.

 

هل ستدخلنا النخبة في سيناريو الفوضى- لا قدر الله- أم ستتيح للنظام السابق أن يعود مرة أخرى بثوب جديد، أم سيناريو "كلنا يد واحدة" من أجل بناء نظام ديمقراطي يعيد لمصر مكانتها هو مشروع النخبة القادم؟.

 

ما حدث من بعض من ينسبون لأنفسهم- أقباط المهجر- ويعتبرون أنفسهم للأسف من النخبة وطلبهم حماية دولية على مصر من الكونجرس الأمريكي، هو من المغانم المرجوة على حساب الثورة والتي تنفي عنهم أي مدلول للنخبة.

 

وحتى يعلم القارئ أن من يسمون أنفسهم أقباط المهجر لا يمثلون إلا عددًا قليلاً من المصريين، والأغلبية القبطية منهم ليست على هوى الأقلية، ويستنكرون هذه التصرفات. أسوق لكم بعض ما يدور في أمريكا.. هذه الأقلية المحدودة لا تطيق مصر الوطن ولا أي مصري مسلم حتى أنِّي سمعتها بأذني من بعضهم وهم يخاطبون مصريين قادمين من مصر لأمريكا بهذه العبارة: "إحنا سيبنالكم مصر إنتوا جايين ورانا ليه؟" وهذا تعبير عن أنهم ليسوا حقيقة مصريين ولا يريدونها من قريب أو بعيد واستبدلوا ما هاجروا إليه بوطنهم.

 

في المقابل لك أن تعلم أن غالبية المصريين الأقباط المقيمين في أمريكا يعطون أصواتهم للحزب الجمهوري دون الحزب الديمقراطي حفاظًا على قيمهم المصرية التي يرون الجمهوريين الأقرب للحفاظ عليها.

 

إن سيل الاتهامات الكاذبة والتصريحات الملفقة من بعض النخبة ضد فصيل وطني كالإخوان المسلمين ورموزهم "كصبحي صالح ومحمد مرسى مثلاً" لا تسيئ للنخبة نفسها بل تحدث حالة من القلق المضر بالثورة. كما أن كاريكاتير نجيب ساويرس ضد رموز دينية يصب في اتجاه مخالف للوحدة الوطنية ويُحدث حالة من القلق المسيحي المصري الكاذب، والذي لا أساس له من الواقع؛ فضلاً عن أنه يضر بالثورة.

 

كما أن طرح بعض من النخبة تقسيم الوطن يوجب علينا أن نصنفهم ضمن نخبة المساجين الذين خانوا الوطن وتفتح لهم أخطر السجون، وليس من نخبة الوطن التي تفتح لهم الفضائيات، وتحدد لهم مساحات لإبداء الرأي في الصحف.

 

كل هذه الحالات من تصرفات بعض النخبة تجاه المواقف والقضايا الساخنة يفرزها الشعب بدقة، وسيجنبهم العمل في الشأن العام في الوقت المناسب.

 

أخيرًا الكل ينتظر حركة تطهير تطال كل من أفسد الحياة المصرية على كل المستويات القيادية من نخبة النظام السابق، فتبدأ بتغيير المحافظين سواء الموالين أو السلبيين المرتعشين الذين يفكرون بعقلية ما قبل الثورة، يليها بطانة السوء وقادة الفساد في جميع دواوين المحافظات، ولا يحتاج الواحد منهم إلى تعريف فرائحتهم أزكمت الأنوف، وكلنا أمل أن يكون التغيير وفق معايير موضوعية تحقق أهداف الثورة، ولا يعقل أبدًا أن يبقى من المحافظين أي لواء شرطة خدم تحت إمرة وزير الداخلية المحبوس، أو عسكريًّا أيضًا بالعقلية البيروقراطية، ومن المعايير التي أراها مهمة هي مدنية المحافظ وخبرته وحنكته وكفاءته بجانب قبوله الشعبي، ولم يعرف عنه انتماؤه للنظام السابق ولم يثبت في حقه أي نوع من الفساد المالي والسياسي والأخلاقي.

 

يلي ذلك قيادات المصالح الحكومية في كل محافظة وبطاناتهم الفاسدة والتي يعرفها كل موظف حكومي، وأي استطلاع رأي حصري في أي مصلحة حكومية يخرج لنا الصالح من الطالح.

 

ولا يغيب عنا حل كل مجالس إدارات الغرف التجارية وأغلبها أعضاء في الحزب الوطني المحظور، وتم اختيارهم بمعرفة جهاز أمن الدولة المنحل، وثابت تورط عدد منهم في قضايا فساد. وبالمثل جميع عمداء ورؤساء الجامعات واتحادات النقابات العمالية.

 

التطهير الكامل والعادل خطوة أساسية لنجاح الثورة وهدوء الأوضاع، واتجاه صحيح نحو البناء الإصلاحي الشامل، كما أن قبول المغارم على حساب المغانم هو الطريق الوحيد لصناعة نخبة جديدة تحافظ على الثورة.

------------------

* أمين عام حزب "الحرية والعدالة" بالبحيرة