دأبت الحكومات المصرية في العقدين الأخيرين على زيادة معاناة المصرين، وتفننت في تعقيد حياتهم على مدار الساعة منذ استيقاظهم في الصباح حتى نومهم في المساء، ولا نبالغ إذا قلنا إنها لم تتركهم يهنئون حتى ببضع ساعاتٍ من النوم فحوَّلت أحلامهم إلى كوابيس مفزعة، واعتبرت ذلك واجبًا مقدسًا ومهمةً وطنيةً لم تستثنِ منها أحدًا رجلاً كان أو امرأةً، مسلمًا أو مسيحيًّا، شيخًا كبيرًا أو طفلاً صغيرًا، فالكل في الهمِّ سواء.

 

وبالطبع اختصت طلاب المدارس والجامعات بقسطٍ وافرٍ فأصبح طلب العلم خطيئة لا بد أن يُعاقب مرتكبها، فأصبح طريق العلم مليئًا بالصعاب والعقبات، وأصبح لزامًا على كل عالم وباحث قبل أن يبحث في العلم أن يبحث لنفسه عن مكان خارج مصر، فالعلماء والمفكرون ليسوا من الفئات المطلوبة أو المرغوبة في بلد الحضارة مصر، وتسوقنا الأحداث الجارية وأزمة تنسيق الجامعات إلى الحديث عن الثانوية العامة؛ ذلك الامتحان الذي جعلت منه الحكومة السابقة بعبعًا يُثير الرعب والفزع في قلوب الآباء والأمهات قبل الأبناء، وفعلت فيه الأفاعيل وأخضعته لكل التعديلات والتغييرات والتطويرات والابتكارات التي لا يدري أحد ولا حتى جهابذة الحكومة ممن اقترحوها ما مبرراتها أو الهدف منها؟!!.

 

وبالرغم من كل ذلك فالغريب بل المدهش في الموضوع هو هذه الإرادة الجبارة والمثيرة للعجب لدى الشباب المصري من طلبة وطالبات الثانوية العامة على تحدي الصعاب وقهر العقبات، أجلها هو تلاكيك الحكومة، فكلما ازدادت الامتحانات صعوبةً ارتفعت معدلات النجاح حتى وصلت درجات الطلاب إلى أرقام فكلية تجاوزت الــ100% لدرجة أربكت حسابات الحكومة وأظهرت عجزها في مواجهة الموقف، وهو ما بدأ جليًّا من خلال تضارب التصريحات أثناء المرحلة الأولى فقد طالعتنا التقارير بأن عددًا من حصلوا على 97% فأكثر تجاوز 32 ألف طالب وطالبة.

 

وهذه النتيجة المبهرة جديرة بالتقدير، وأيضًا جديرة بالدراسة، وهي تضع الحكومة المصرية أمام حقيقة مهمة كما تضعها أمام تحدٍّ حقيقي، أما الحقيقة فهي أن مصر لديها جيل من الشباب يمتلك إرادةً قويةً وقدرةً عاليةً على التحدي لا نملك أمامها إلا أن نشعر بالزهو والفخر، كما أنه لديه قدرات ذهنية وعلمية رائعة تُنبئ بأن مصر على أعقاب مرحلة علمية واعدة تشهد ظهور العديد من المفكرين والعلماء النابغين، وأما التحدي فهو أنه ينبغي على الحكومة ألا تتعامل مع هذه الأجيال من الشباب الطموح المتفوق بنفس العقلية السابقة المتخلفة، وتظل نهاية مشوار التعليم هي النهاية المعروفة، والتي لا تتغير إما بالسفر للخارج أو بالجلوس على مقاهي الخريجين "المعاشات سابقًا"، ولكن على الحكومة أن تدرس بكل دقةٍ وبكل جديةٍ كيفية الاستفادة من هذه الثروة البشرية التي هي أساس النهضة وقاطرة التنمية في كل الدول المتقدمة الراقية.

 

نريد أن نرى حكومةً لديها حصر دقيق بأعداد تلاميذ رياض الأطفال، ولديها خطة واضحة ودقيقة ومدروسة لكيفية الاستفادة منهم بعد عشرين عامًا؟

 

نريد أن نرى حكومةً تُحدد نسب قبول الجامعات بناءً على دراسات فعلية دقيقة تعكس احتياج مؤسسات الدولة لهؤلاء الخريجين وليس تقديرًا مبنيًّا على قرارٍ سياسي يضيق السبل أمام الجامعات الحكومية ليفتحها أمام الجامعات الخاصة.

 

نريد أن نرى حكومةً تعلم مسبقًا قبل أن تحدد نسب القبول في الجامعات كم طبيبًا، وكم مهندسًا، وكم مدرسًا، وكم محاسبًا، وكم صانعًا.. إلخ تحتاجه مصر بعد خمس سنوات حتى تحدد على أساسه تنسيق الجامعات؟ وبذلك نرى حكومة جديرة بحق بهذا الجيل المتفوق.

 

نريد أن نرى حكومةً لديها دراسات حقيقية دقيقة تحدد كم عدد المستشفيات وكم عدد المدارس وكم عدد المصانع....... إلخ الذي تحتاجه مصر بعد عشر سنوات وبعد عشرين عامًا وبعد خمسين عامًا؟

 

نريد أن نرى حكومةً لديها إحصاءات عن شعبها الذي هي أمينة عليه.. كم مريضًا لا يجد الدواء؟ وكم فقيرًا لا يجد العون؟ وكم عاطلاً لا يجد عملاً شريفًا يكفل له حياة كريمة؟
نريد أن نرى حكومة تتعامل مع الأحداث بحكمةٍ وفطنة وتدير شئون البلاد برؤية ودراسة.

 

نعني ببساطة أن نرى حكومة ذكية فعلاً وليس قولاً وقتها فقط سنشعر أننا بعد الثورة وأن الحاضر ليس كالسابق وأن المستقبل سيأتي بما هو أفضل.

-------------

* برلماني سابق وعضو الأمانة العامة لحزب الحرية والعدالة بالبحيرة