الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله- وحده لا شريك له- ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لله أنت سيدى يا رسول الله، إن ذكر المرسلون فأنت إمامهم، وإن ذكر النبيون فأنت خاتمهم، وإن ذكر العلماء فأنت سيدهم، وإن ذكرت الشورى فأنت سيدى خير من طبقها ونشرها في العالمين.
إخوة الإسلام والإيمان
أكرمنا الله في مصر بثورة الخامس والعشرين من يناير، تلك الثورة السلمية التي أبهرت العالم كله، والتي جعلت رئيس وزراء إيطاليا يقول: لا جديد في مصر، فالمصريون صنعوا التاريخ كعادتهم.
وهذا رئيس النمسا يقول: شعب مصر من أعظم شعوب العالم، ويستحق جائزة نوبل للسلام.
إن هذه الثورة العظيمة أثمرت نعمة الحرية التي نحيا في ظلالها، ونتنسم نسائمها الطيبة، وها نحن نتطلع إلى المزيد، نتطلع إلى أن نرى الشورى سائدة في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا وأمورنا كافة.
والشورى علم على دولة الإسلام وأمة الإسلام، ولهذا لو قلت: إنها دولة الشورى، وأمة الشورى لهديت إلى الحق، الشورى ظاهرة فكرية فريدة ربى عليها الإسلام من آمن به.
أولاً: معنى الشورى
الشورى لغة: اسم للمشاورة وكلاهما مأخوذ من مادة (ش و ر) التي تدل على أخذ شيء من شيء.
ومعنى الشورى: ألا ينفرد الإنسان بالرأى وحده في الأمور التي تحتاج إلى مشاركة عقل آخر أو أكثر فرأي الاثنين أو الجماعة أدنى إلى إدراك الصواب من رأى الواحد. كما أن التشاور في الأمر يفتح مغاليقه، ويتيح النظر إليه من مختلف زواياه، بمقتضى اختلاف اهتمامات الأفراد، واختلاف مداركهم وثقافتهم، وبهذا يكون الحكم على الأمر مبنيًّا على تصور شامل، فالإنسان بالشورى يضيف إلى عقله عقول الآخرين، وإلى علمه علوم الآخرين.
ومن أهم فوائد الشورى:
- إصابة الحق في الغالب.
- الشورى تعطي المجتمع قوة في أكثر من مجال.
- الشورى تولد الثقة بين الحاكم والمحكوم.
- في الشورى وقاية من الاستبداد، وتزود الدولة بالكفاءات والقدرات المتميزة.
- الشورى تفجر الطاقات الكامنة في أفراد الأمة، وتشجع ذوي الخبرات، وتفسح المجال لكل من لديه خير للأمة أن يدلي برأيه وهو آمن.
ثانيًا: الشورى في القرآن الكريم
لقد وردت الشورى في الكتاب العزيز في مواطن ثلاثة:
الأول: في سورة الشورى نقرأ قول الله تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)) (الشورى).
الثاني: في سورة البقرة نقرأ هذه الآية الكريمة: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) (البقرة).
الثالث: في سورة آل عمران جاءت هذه الآية المباركة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)) (آل عمران).
أما النص الأول فقد حوى وصف الأمة المسلمة، وحدد صفاتها، وخصائصها المميزة، فمن صفات هذه الأمة أنهم ما حزبهم أمر إلا اجتمعوا وتشاوروا فيه.
أما النص الثاني فجزء من أحكام الأسرة التي جاءت في اثنتين وعشرين آية، والنص الثالث جاء خطابًا موجهًا لرئيس الدولة- الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم- بين ستين آية تتحدث عن غزوة أحد، وما فيها من دروس، حسبك دليلاً على مكانتها، وعظيم أثرها، أن الله أنزل فيها قرآنًا يتلى آناء الليل وأطراف النهار ما بقي على ظهر الأرض مسلم، لتعيها الفئة المؤمنة، ولتتعظ قلوب المسلمين.
ثالثًا: الشورى في السنة المطهرة والآثار
عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البكر تستأمر، والثيب تشاور، قيل يا رسول الله: إن البكر تستحي،، قال: سكوتها رضاها" (1).
وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : "المستشار مؤتمن" (2).
وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت : أتاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: سأعرض عليك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تشاوري أبويك، فقلت: وما هذا الأمر؟ قالت: فتلا علي: " يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيما" قالت عائشة: وفي ذلك تأمرني أن أشاور أبوي، بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة" (3).
والآثار في الشورى كثيرة جدًّا منها:
- قال الإمام علي رضي الله عنه: "نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد" (4).
- قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن المشاورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم" (5).
- وقال الحسن- رضي الله عنه- "والله ما استشار قوم قط إلا هدوا لأفضل ما بحضرتهم ثم تلا: "وأمرهم شورى بينهم" (6).
رابعًا: الشورى في رمضان
تزخر سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأمثلة كثيرة، كان الرسول الأعظم- صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في تطبيق الشورى، وتجلت الشورى في يوم بدر في شهر رمضان العام الثاني من الهجرة في مواقف كثيرة.
النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في بداية الغزوة:
أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو، وكان للمقداد بن الأسود موقف متميز، وقال كلامًا رائعًا.
وبعد أن سمع الحبيب - صلى الله عليه وسلم- من المهاجرين قال: أشيروا علي أيها الناس، وكان يقصد الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن ملزمة لهم بحماية الرسول- صلى الله عليه وسلم- خارج المدينة، وهنا قام سعد بن معاذ- رضي الله عنه- وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فقال: " آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله" (7).
مشورة الحباب بن المنذر في بدر:
نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أدنى ماء من بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر وقال:
يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة "، قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله حتى تأتي أدنى ماء من القوم- أي جيش المشركين- فننزله ونغور- نخرب ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه، وهذا يصور مثلاً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث كان كل فرد من أفراد ذلك المجتمع يدلي برأيه، حتى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى.
إن هذه الحرية التي ربى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، مكنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أصحاب الرأي السديد، والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا.
ونلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في شخص الحباب بن المنذر- رضي الله عنه- فجعلته يتأدب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم دون أن يطلب رأيه، ليعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تم بعد السؤال العظيم الذي قدمه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن هذه النفسية الرفيعة تعلمنا أصول الشورى وأصول إبداء الرأي بطريقة فيها الأدب الجم والحوار الحضاري.
وتبدو عظمة القيادة النبوية في استماعها للخطة الجديدة، وتبني الخطة الجديدة المطروحة من جندي من جنودها أو قائد من قوادها (8).
المشورة في ساحة المعركة:
بعد نزول النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه على أدنى ماء من بدر، اقترح سعد بن معاذ- رضي الله عنه- على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بناء عريش له يكون مقرًّا لقيادته، ويأمن فيه من العدو، وقال سيدنا سعد كلامًا جميلاً رائعًا.
ويستفاد من بناء العريش أمور أهمها:
- لا بد أن يكون مكان القيادة مشرفًا على أرض المعركة، يتمكن فيه القائد من متابعة المعركة وإدارتها.
- ينبغي أن يكون مقر القيادة آمنًا بتوفر الحراسة الكافية له.
- ينبغي الاهتمام بحياة القائد، وصونها من التعرض لأي خطر.
- ينبغي أن يكون للقائد قوة احتياطية أخرى تعوض الخسائر التي قد تحدث في المعركة.
المشورة في شأن أسرى بدر:
قال ابن عباس- رضي الله عنهما - فلما أسروا الأسارى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر: "ما ترون في هذه الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال عمر: ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا منهم فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ..... " (9).
هكذا نرى الحبيب صلى الله عليه وسلم يفعِّل مبدأ الشورى هذا التفعيل الرائع في يوم بدر، نجد الشعور بالمسئولية من قبل الصحابة، وأنهم يعيشون المعركة كما يعيشها الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويقدمون المقترح تلو المقترح في كل خطوة من خطوات هذه المعركة التي أثمرت انتصارًا مبهرًا عظيمًا، كان نقطة تحول في حياة المسلمين، ثم طبق الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في أحد وفي الخندق وفي خيبر والحديبية وفي تبوك وفي سائر أموره.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله- وحده لاشريك له- ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا وبعد
فقد وقفنا هذه الوقفات مع قيمة الشورى ومع فوائد الشورى، ورأينا اهتمام النبي الأعظم والرسول الأكرم بهذه القيمة. وإذا كان هناك واجبات نوصي بها للاستفادة من هذا الموضوع المهم:
على الفرد أن يمارس الشورى في حياته، يشاور في أموره المهمة التي تحدد مصيره ولاسيما حين الزواج، أو القيام بمشروع من المشاريع التي تحتاج إلى رأي أهل المشورة، الفرد يحتاج إلى المشورة في تربية أولاده، وفي تعليمهم وفي زواجهم.
الفرد المسئول عن عمل في مدرسة أو مستشفى أو مصنع أو مؤسسة، لا بد أن يطبق الشورى؛ لأنه إذا استبد برأيه ضيع نفسه، وضيع من معه.
الحاكم الذي يحكم الأمة في مسيس الحاجة إلى تطبيق الشورى، حتى يشعر أفراد الشعب بقيمتهم وأهميتهم، وحتى يستفيد من عقول الأفراد.
على مستوى الأسرة المسلمة الصغيرة المكونة من الأب والأم والأبناء، لابد من ممارسة الشورى وتعويد الأبناء عليها، لابد أن تسير أمور البيت وفقًا للشورى، فالأسرة شركة مديرها الزوج، والنائب والمعين له الزوجة التي يجب على الزوج أن يحسن الاستماع إليها.
وأخيرًا لا بد من تفعيل حقيقة الشورى في الشعوب الإسلامية، ومن أهم الوسائل التي تساعد على عودة الشورى سريعًا إلى حياة المسلمين:
- جعل الشورى الطريقة الوحيدة لكسب أي نظام حكم الشرعية من الشعب أو المجتمع أو الأمة.
- وعي سياسي للفرد والرعية والحاكم لأهمية الشورى، فالشورى لا تنمو في مجتمع أو شعب أو أمة لا تعي معنى وقيمة الشورى.
- رفع الهالات والقداسة عن الرؤساء والحكام، فالإسلام لا يقدس الحكام أو الرؤساء.
الله أسأل أن يحفظ مصرنا من كل سوء، وأن يوفق المسئولين لما فيه خير البلاد والعباد، اللهم أعنهم وسدد رأيهم، وارزقهم البطانة الصالحة، اللهم صب الخير على مصر صبًّا، اللهم من أراد بمصر خيرًا فوفقه لكل خير، ومن أراد بمصر شرًّا فأشغله في نفسه، اللهم احفظنا واحفظ أبناءنا وبناتنا، وارزقنا حبك ورضاك واجعل مثوانا الجنة.
-------------
- الهوامش:
1- رواه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وله أصل في الصحيحين.
2- رواه الترمذي وأبو داود وصححه الشيخ الألباني.
3- رواه أحمد، والآيتان من سورة الأحزاب: 28، 29.
4- أدب الدنيا والدين صفحة: 260.
5- نفس المصدر السابق صفحة: 260.
6- فضل الله الصمد في شرح الأدب المفرد ص: 258 .
7- السيرة النبوية للدكتور / الصلابي 2/6 .
8- للمزيد انظر: السيرة النبوية 2/10، 11 .
9- رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير.
-----------
* إمام وخطيب