يقول الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله- في أحد أحاديثه: (زارني بعض الإخوان فقال: كُنتُ في المؤتمر العام للإخوان المسلمين فلاحظت أمورًا عجيبة، فمن ذلك أنني وجدت- باشمفتش مصلحة ما- جالسًا على حصيرة، وآخر ناظر مدرسة جالسًا في ركن من أركان الدار، وهكذا من أمثال ذلك كثير، يستمعون في إصغاء وانتباه، من غير ضجرٍ ولا مللٍ، بينما غيرهم يجلسون على الكراسي المذهبة في صدر المكان، ثُمَّ لا يجدون في أنفسهم غضاضة، مطمئنين إلى ما هم فيه من متعةٍ روحية، الساعات الطوال في وسط الشارع وفي الطرقات، وفي فناء الدار؛ فقلت لهذا الأخ: إن كثيرًا من إخواننا الفضلاء لو استطعنا لحملناهم على أكتافنا، ولكنَّهم يأبون إلا أن يضعوا أنفسهم هذا الوضع دون أن يشعروا بغضاضة، ومن هنا نعلم أن الأزمة في النفوس، وليست أزمة دراهم ولا نقود ولا عرض من أعراض الحياة، وإنما هي أزمة تعاطف وتراحم وتواد، ولذا يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11).
إن النفس البشرية خلقها الله عزَّ وجلَّ لتكون سراجًا تصعدُ بصاحبها إلى الدرجات العلى إن هي استقامت على أمر الله، وتجردت من اللهو واللعب، وحقًا كنت ترى العجب العُجاب في المركز العام للإخوان في كلِّ يوم ثلاثاء، ترى الناس جميعًا وقد أصغت آذانهم، وخشعت الأصوات للمتحدث- رحمه الله- فلا تسمع إلا همسًا، وترى في الساحة القلوب وقد التفت حول الإمام وهوَ يحدثها عن عِظم هذا الدين، وتتمنى أن تظل هكذا طوال الليل لا تمل، ولا تشعر بتعب حتى قال الأستاذ المرشد حسن الهضيبي- رحمه الله-: "ما استمعت إلى محاضرٍ ولا متحدثٍ إلا وتمنيت أن ينتهي، وما استمعت إلى الإمام البنا إلا وتمنيت ألا ينتهي".
يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر: "إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح"، قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله"، ثم تلا: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)) (السجدة).
ويهلُّ علينا شهر رمضان المعظَّم ليعيد إلينا النور، ويطرد عنَّا الغفلة، ويشرح صدورنا بإذن الله، ويطمئن قلوبنا، ويعطينا دفعةً روحيةً، ويحبب إلينا الطاعات، ويبغض إلينا المعاصي، ويَصِلُنا برمضان من النور ألطاف تجعلنا نهرعُ إلى بيوت الله، ولا نشعر بتعب جسمي، ونحن نُؤدي التراويح التي قد تستمر إلى قرب الفجر، فقد عزفنا عن الدنيا وما فيها، وما عليها، الجميع عبيد يعملون عند سيدهم سبحانه وتعالى، إن أحسنوا وأطاعوا قدموا عليه يوم القيامة قدوم الأبرار، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)) (مريم).
لقد نادى الشاعر المسلم الناس ليفيقوا من غفلاتهم، ويهتموا بما يستحق الاهتمام، فقال:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطـلب الربـح مما فيـه خسـرانُ؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
نعود ونؤكد أن أزمة العالم اليوم في شرقه وغربه- إلا من رحب الله- أن قضيته الكبرى التي من أجلها يحارب ويخاصم ويصنع الفتن، وليس للضعيف مكان، هو أنه انشغل ببطنه وبأطماعه، ويتحول إلى شيء بشع يشبه حيوان الغابة، ويدَّعِي المدنية والتقدم، ولا حظَّ له في شيء من ذلك.
ويبذل كل طاقاته في الصدِّ عن سبيل الله، وفي الإعراض عن رسالات الأنبياء والرسل التي جاءت لإبعاده عن هذه الطفيليات، ووصله بالخالق جل جلاله، ليحيا الحياة الطيبة التي لا يحياها إلا المؤمنون العاملون، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)) (النحل).
ما أجمل أن نردد دائمًا- آناء الليل وأطراف النهار، وفي السرِّ والعلنِ- قول الله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)) (الحج).
يقول الشهيد سيد قطب في الظلال في هاتين الآيتين: "وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة، ويُلخص تكاليفها التي ناطها بها، ويقرر مكانها الذي قدره لها، ويثبتُ جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل، متى استقامت على النهج الذي أراده الله لها، إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود، وهما ركنا الصلاة البارزان، ويُكنَّى عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها صورة بارزة، وحركة ظاهرة في التعبير، ترسمها مشهدًا شاخصًا، وهيئة منظورة، لأن التعبير على هذا النحو أوقعُ أثرًا، وأقوى استجاشة للشعور.
ويثني بالأمر العام بالعبادة، وهي أشمل من الصلاة، فعبادة الله تشمل الفرائض كلها، وتزيد عليها كذلك كل عمل، وكل حركة، وكل خلجة يتوجه بها الفرد إلى الله، فكل نشاط الإنسان في هذه الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله، حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة، بلفتة بسيطة تصبح عبادات، تُكتب له بها الحسنات، وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها، وينوي بها أن يتقوَّى على طاعته وعبادته، فإذا هي عبادات وحسنات، ولم يتحول في طبيعتها شيء، ولكن تحول القصد منها والاتجاه.
ويختم بفعل الخير عامة في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة، يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تُفلح، فهذه هي أسباب الفلاح، العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريقة أصيلة، وفعل الخيرات يؤدي إلى استقامة الحياة الجماعية على قاعدة الإيمان، وأصالة الاتجاه، فإذا استعدت الأمة الإسلامية بهذه العُدَّة من الصلة بالله، واستقامة الحياة، فاستقام ضميرها، واستقامت حياتها، نهضت بالتبعة الشاقة.
ثم يقول- رحمه الله- في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج: من الآية 78) وهو تعبير شامل جامعٌ دقيق، يُصوِّرُ تكليفًا ضخمًا، يحتاجُ إلى تلك التعبئة، وهذه الذخيرة، وذلك الإعداد، والجهاد في سبيل الله يشملُ جهاد الأعداء، وجهاد النفس، وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء. (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)، فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة، ولا يجعل هناك مجالاً للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرامٌ من الله لهذه الأمة ينبغي أن يُقابل منها بالشكر وحسن الأداء" أ. هـ.
توجيهات:
أيها الإخوة..
يجب علينا في شهر رمضان أن نجدد النيَّة، وأن نعزم على الوفاء لهذا الحق، والقيام بهذه الواجبات، وهي في إمكاناتنا لو أحسنَّا توزيع الوقت بدقة، وضبطنا مواعيدنا، وحررنا أنفسنا من بعض المعوقات التي لا داعي لها، من الجدال، والأخذ والردِّ أحيانًا، وفرغنا كلَّ جهودنا لخدمة هذا الحق، وإذا كان هناك بعض الواجبات التي تتطلبها الدعوة فهي جزء من هذا الأمر، غير أنَّ كلَّ شيء يجبُ أن يكون بميزان دقيق، والله عزَّ وجلَّ يراقبنا ويحاسبنا، ويجب أن نرتب حياتنا على أساس النجاة من هول يوم القيامة الذي يقول فيه المقَصِّر حين يرى أمامه الأهوال: (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: من الآية 49).
وإليكم هذه التوجيهات، وهي تحمل صفات الفرد المسلم والمجتمع المسلم.
1- إصلاح نفسه حتى يكون قوي الجسم.
2- متين الخلق:
- أن تكون صادق الكلمة فلا تكذب أبدًا، فإن آية المنافق – أعاذكم الله – إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، فاحذر هذه المهلكات التي أخبر عنها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
- أن تكون شجاعًا عظيم الاحتمال، وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق، وكتمان السر، والاعتراف بالخطأ، والإنصاف من النفس، وملكها عند الغضب.
- أن تكون وقورًا، تؤثرُ الجد.
- أن تكون شديد الحياء، دقيق الشعور، عظيم التأثُّر بالحسن والقبيح، تسرُّ للأول، وتتألم للثاني.
- أن تكون عادلاً، صحيح الحكم في جميع الأحوال، ولا ينسيك الغضب الحسنات، ولا تغض عين الرضا عن السيئات، ولا تحملك الخصومة على نسيان الجميل.
- أن تحرص كل الحرص على أداء مهنتك من حيث الإجادة والإتقان، وعدم الغش، وضبط الموعد.
- أن تكون حسن التقاضي لحقك، وأن تؤدي حقوق الناس كاملة غير منقوصة بدون طلب، ولا تماطل أبدًا.
- أن تجاهد نفسك جهادًا عنيفًا حتى يسلس لك قيادها، وأن تغض طرفك، وتضبط عاطفتك، وتقاوم نوازع الغريزة في نفسك، وتسمو بها دائمًا إلى الحلال الطيب، وتحول بينها وبين الحرام من ذلك أيًّا كان.
- أن تبتعد عن أقران السوء، وأصدقاء الفساد، وأماكن المعصية والإثم.
- لا تكثر الضحك، فإنَّ القلب المتصل بالله ساكنٌ وقور.
- لا تشغل نفسك أبدًا وتضيع وقتك بالتافه من الأمور، مثل بعض المسلسلات، وابتعد عن هذا الباب، وهذه الفترة التي تقضيها في هذا الأمر أنت وبيتك تقضيها في طاعة الله، في التسبيح، في الذكر، في قراءة القرآن، فنحن في حاجة ماسَّة إلى هذا الأمر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأحد الصحابة: "لا يزال لسانُكَ رطبًا بذكرِ الله"، ويقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) (الأحزاب).
- وإذا تعودت خلقًا طيبًا في رمضان فاحذر أن تبتعد عنه في غير رمضان، بل داوم عليه، واثبت على تكاليفه مهما كلفك ذلك.
- إذا رأيت إنسانًا في الطريق أو غيره فأقبل عليه، وعرفه بنفسك، وإذا كان في مشكلةٍ وعندك وقت فساعدهُ على حل هذه المشكلة، فربما يأتي من وراء هذا التعارف الخير، لاحظت- وأنا في دولة الإمارات- أنَّ الشباب المسلم المهذب يحتفظ في سيارته بحبل طويل، وإذا رأى إنسانًا غرزت سيارته؛ يقف وينزل من سيارته ويأخذ الحبل ويربطه بينهما ثم يخرجه من هذا الأمر، وهذا تفكير جيد يترك أثرًا طيبًا في نفس الآخر.
أخي..
كل الأمل والرجاء أن نكون جادين في كلِّ شيء، فأين أنت من بيتك وأهلك؟ ماذا تصنع معهم؟ وماذا تؤدي لهم؟ هل أنت كما قال صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".
كان للإمام البنا خادمة، فطبَّق عليها وعليه حديث رسول الله: "إخوانكم خولكم، فمن كان عنده أخوه فليطعمه مما يطعم، وليكسه مما يكسو، ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلَّفه ما لا يطيق فليعنه على ذلك"، ولذلك نراه رحمه الله مع هذه الخادمة كما علمت أنه أفرد لها سريرًا خاصًّا في حجرة بناته، إذا ذهب إلى السوق وأحضر لأولاده شيئًا أحضر لها مثلهم، وجهزها كبناته، وحفظت القرآن، وزوجها من أحد الإخوان، ورغم مشاغله كان يذهب إليها لزيارتها والاطمئنان عليها، هذا هو التطبيق العملي لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأوامره مع الخدم.
فهل نحن كذلك؟ ما هو نصيبنا من هذا الأمر، وما هو موقفنا في البيت مع زوجاتنا، ومع آبائنا وأمهاتنا، هل نخدمهم؟، هل نرفه عنهم، هل ينخفض صوتنا أمامهم تطبيقًا لقوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) (الإسراء).
هل دعوتهما ومعهما زوجتك لجلسة يتعلمون فيها شيئًا من الأحكام الشرعية، أو تقرءون القرآن، أو تتذكرون السلف الصالح، هل تقوم بخدمة من في البيت كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك بنفسه، فقد سُئلت السيد عائشة رضي الله عنها: كيف كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم معكم، قالت: يكون في حاجتنا، يخيط ثوبه، ويرقق نعله، ويقمُّ لنا البيت (يَقُمّ أي: يكنس)، ويقطع لنا اللحم، فإذا نودي للصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
هل تلاعب أولادك أو إخوتك الصغار، فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وبلغ من رقته ورأفته أنه كان مرةً في صلاة الجماعة فجاء الحسين وهو ساجد فصعد على ظهره، فأطال صلى الله عليه وسلم في السجود حتى قال له الصحابة بعد الصلاة: لقد أطلت علينا في الصلاة في السجود، فقال صلى الله عليه وسلم: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله، وكان صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة إذا سمع بكاء طفل خففها لئلا تُفتن أمه.
هل علمت أن عمر بن الخطاب الذي تهابه الشياطين إذا سلك طريقًا سلكت الشياطين طريقًا آخر، كان في بيته ينام على ظهره، وأولاده يلعبون على بطنه، ودخل عليه أحد الولاة يومًا واستغرب من هذا المنظر: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلت سكت المتكلم، وقام القاعد، فقال له سيدنا عمر: اعتزلنا، إنك لا ترفق بأهلك، فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه جوانب من السنن العملية مطلوبة من كل أخ بنفسه وبمفرده، وواجبة عليه أن يؤديها، كما أنَّ من الواجب عليه أن يحترم أهله وزوجته، فلا يرفع صوته في البيت، ولا يأمر ولا ينهي، إنما هو التفاهم بالحسنى وبصوت هادئ فيه أدب، وأخلاق المسلم الذي يريد نُصرة دين الله، ورفع رايته، والعودة به إلى سابق مجده وعزه، كُنْ كذلك، وداوم على هذه الأمور، ودرِّبْ نفسك عليها مهما تكن الظروف، فلا تخرج عن هذا الطور، وعن هذه الأخلاق، فاتق الله الذي ستعرضُ عليه، وستقف بين يديه، والحق تبارك وتعالى يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) (ق).
اللهم اجعلنا من عتقاء رمضان، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم تب علينا، اللهم توفنا مسلمين، اللهم آمين.
---------------
* من علماء الأزهر- عضو مكتب الإرشاد سابقًا