من أخطر ما يواجه الثوار في هذه اللحظات الفاصلة من عمر الوطن، الفرقة والبحث عن مصالح خاصة، ورفع بعض المطالب المختلف عليها على الرغم من أن تحقيق مطالب الثورة يحتاج إلى وحدة صف وتجرد وعدم الانجرار وراء وقيعة فلول النظام المخلوع والإخلاص لله ثم للوطن.
وللأسف لم يقرأ حكماء بعض القوى والمجموعات والائتلافات الواقع الثوري جيدًا وخارطة الطريق التوافقي التي أجمع عليها الفرقاء في مواجهة مبارك؛ فأسقطوه بعد التفاف شعبي جارف حول مطالب الثورة.
وللأسف أيضًا لم يراجع بعضهم خطواته وحملاته وانسياقه بعمدٍ أو بدون عمد وراء أصحاب المصالح والمصائب ومخططاتهم، واشترى قنوات وصحفًا وأقلامًا لتدعيم مواقف تشق الإجماع الوطني، وهو ما ألقى ولا يزال بظلاله المريبة على المشهد المصري الثوري.
وجاءت حملة إقصاء الإسلاميين وتشويههم التي تلت جمعة وحدة الصف والإرادة الشعبية استكمالاً لحملة انطلقت عقب خسارة بعض القوى السياسية لاختبار الاستفتاء؛ تستهدف تأجيل الديمقراطية وشخصنتها وشيطنة الإرادة الشعبية الحرة، وتفضح مواقف ائتلافات فرَّت من الوحدة والإرادة والديمقراطية عندما لم تأت على هواها.
هذا المشهد المريب يفرض على المخلصين أن يبادروا لوقف هذه المهازل فورًا، وأن يسعوا لفرض كلمة الثورة على الجميع، ووقف الخلط بين ما هو سياسي حزبي وما هو ثوري وطني، فالثورة لا تحتاج إلا إلى الإجماع الوطني ولا تقبل إلا بتخديم "السياسي الحزبي" عليها وليس العكس، ولن تتقدم كثيرًا في ظل علو الأجندة السياسية الحزبية على الأجندة الثورية الوطنية، ومحاولة البعض تلوين الثورة الشعبية بلونه السياسي الحزبي.
إن محاولات البعض لاستغلال الثورة في غير مسارها ستبوء بالفشل؛ لأنها عصية على الاحتواء تحت راية غير راية الوطن، وتحمل في طياتها كلمة سر واحدة سرمدية أبدية لا تقبل التعديل وهي: الشعب، الشعب كله دون إقصاء أو تهميش أو فزاعات أو شق صف أو تقسيمات.
ولذا قد نحتاج إلى التوافق على كيان معبر عن الثورة، كيان موجود أو جديد، كيان حقيقي وقوي غير الائتلافات الوهمية التي فرغت الفكرة من محتواها بعد أن لجأت القوى الخاسرة في اختبار الاستفتاء إلى حشد أسماء اتئلافات بعدد ضخم لاستغلاله إعلاميًّا فقط.
إن هذا الكيان قد يكون مجلس أمناء الثورة، أو اللجنة التنسيقية لجماهير الثورة، أو غيرهما، بحسب التوافق، وهو مطالب باحتواء كل التيارات الفكرية والمشاركة في الثورة تحت أجندة ثورية مكتوبة، للمتابعة والحشد، وضبط الإيقاع، والضغط.
وقد نحتاج إلى وسائل أخرى ناجزة للوحدة، حتى لا يدسُّ أحد مطلبًا غير توافقي أو سياسيًّا حزبيًّا أو خاصًّا على مطالب الثورة التي استشهد فيها المئات وأصيب فيها الآلاف، وحتى يصبح ميدان التحرير محضن الوحدة والإجماع الوطني.
ومن المؤكد أن هناك الكثير من الأفكار الجديرة بالرصد والبحث؛ ولكن يجب أن نسعى جميعًا في اتجاه إنجاز ترميم الشرخ في جدار الثورة في أقرب وقت؛ حتى لا نسمح لأصحاب المصالح والمصائب بإجهاض مكاسب الثورة المتتالية.
وإن بعضًا من وسائل الإعلام والصحف مطالبة بامتلاك شجاعة الاعتذار لمرة واحدة، على الفترة الماضية، وتحديدًا من بعد جمعة النصر حتى جمعة وحدة الصف، لأنها كانت سببًا في إثارة الوقيعة وشق الصف وإيغار الصدور وتضخيم الخلافات بقصد أو بدون قصد.
إن وحدة الثوار ليست ترفًا نبحث عنه بل هي الطريق الأوحد لاستكمال باقي مطالب الثورة، والحفاظ على صورتها مشرقة وحية وشامخة في مواجهة مناوشات الداخل والخارج، وهو ما يتطلب الكثير. وفقنا الله إلى كل خير، وليعلم الجميع أن الثورة غالبة مهما كان كيد الفلول.