- "التنحي، 25 يناير، التحرير، الشهداء" أشهر أسماء البلح

- غياب الرقابة جعل التجار "يسعرون" السلع على "مزاجهم“

- يجب فرض التقشف ومقاطعة الياميش لأنه غير ضروري

- أسباب الاحتكار وغياب الرقابة انتهت بسقوط المخلوع

 

تحقيق: عبد الرحمن عكيلة

"ياميش رمضان" عادة مصرية ضمن الطقوس والعادات التي ينفرد بها المصريون عن غيرهم من الشعوب العربية والإسلامية، يحرصون عليها بالرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعانون منها، حتى لو اضطروا للاستدانة من أجلها.

 

يرتبط الياميش بحالة الشعب المصري وأوضاعه السياسية، التي تنعكس بشكلٍ مباشرٍ على أسمائه، وليس هناك حدث أكبر من الثورة المصرية التي اقتلعت نظام مبارك المخلوع الذي أرهق هذا الشعب لسنوات طوال.

 

وبرزت أسماء "ميدان التحرير" و"شهداء 25 يناير" و"شهداء الثورة" و"الشهداء" و"خالد سعيد" و"الحرية" و"التحرير" و"مصر وطن واحد" و"شباب الثورة" على البلح السلعة الأساسية في ياميش رمضان، والتي يعتمد عليها الشعب المصري كله بجميع مستوياته المادية والاجتماعية.

 

ونال بلح "التنحي" النصيب الأكبر من الشهرة؛ حيث عبَّر بشكلٍ مباشر عن سقوط النظام السابق ممثلاً في رئيسه المخلوع.

 

رجال ومشاهير النظام السابق أيضًا نالوا حظهم من أسماء البلح هذا الموسم؛ حيث تصدَّر رجل النظام "أحمد عز" قائمة أسوأ وأردأ أنواع البلح على الإطلاق؛ حيث لم يتجاوز سعر الكيلو 3 جنيهات، الذي جاءت تسميته لتعكس فساد النظام البائد.

 

(إخوان أون لاين) تجول في أسواق الياميش لرصد استعدادات المواطنين لاستقبال أول رمضان بعد الثورة.. في سوق العبور قابلنا أحمد عبد الله (تاجر بلح) الذي اشتكى من قلة الإقبال وتوقف حركة البيع هذه السنة، قائلاً "الزبون مش بيعبرنا"، والبيع السنة دي عكس السنة اللي فاتت، كان الإقبال علينا أكثر من كده.

 

وحول أنواع البلح الموجودة في السوق يقول: إن هناك البلح "السكوتي والبرتمودا والشامية والبونديرا وقرن الغزال وأصابع الست، وكل نوع من هذه الأنواع يختلف سعره حسب جودته، وهناك الشامية الكبيرة والشامية الصغيرة "الكراملة".

 

ويضيف أنهم اعتادوا إطلاق أسماء تسويقية على البلح مثل "أبو العربي، أوعى وشك، الزمالك"، أما هذا العام فتأثرت الأسماء بالثورة المصرية مثل "25 يناير" تيمنًا بثورة 25 يناير" "الشهداء" والتنحي".

 

ويرجع قلة حركة البيع إلى تأثرها بما يجري من أحداث على الساحة قائلاً: "الناس مش فايقين للبلح دلوقتي، وكل اللي معاه قرشين في جيبه عاينهم عشان البلد مش مستقرة دلوقتي".

 

ويوضح أن سعر البلح في الجملة يبدأ من 1 جنيه إلى 15 جنيهًا، والبلح الذي يقبل الناس على شرائه يتراوح سعره من 3: 4 جنيهات، مشيرًا إلى أن السعر غالبًا يتوقف على جودة البلح فهناك البلحة الطويلة البيضاء، والتي لا يوجد فيها قشرة، وأحيانًا يصل سعرها قطاعي إلى 25 جنيهًا.

 

الإقبال ضعيف

 الصورة غير متاحة
ويقول أحمد دندرواي أحد التجار: إن الزبون أصبح يخاف من الاقتراب من مستلزمات رمضان؛ نظرًا لأن الأوضاع غير مستقرة والجميع يخافون على ما في جيوبهم، وأيضًا ارتفاع الأسعار أثَّر على حركة البيع، فالسنة الماضية كانت الأسعار مناسبة للجميع.

 

ويضيف: إن طن البلح يتراوح متوسط سعره بين 2000 و3000 جنيه، مشيرًا إلى أن أجود أنواع البلح هو السكوتي، والذي يكون عليه الإقبال كبيرًا جدًّا، موضحًا أن هناك بعض الزبائن كانوا يشترون كميات تصل لـ7 أطنان لتوزيعها على الفقراء.

 

ويقول محمد مصطفى صاحب إحدى محال الياميش: إن الأسعار زادت بنسبة 120% عن العام الماضي بسبب الاحتكار وقلة الاستيراد، وأشهر تلك السلع التي زاد سعرها هي القراصيا وجوز الهند والبندق والفستق واللوز وعين الجمل، فضلاً عن وصول سعر المشمشية وصل إلى 36 جنيهًا للكيلو والقراصيا إلى 20 جنيهًا وجوز الهند الذي كان سعره حوالي 8 جنيهات إلى 24 جنيهًا.

 

ويؤكد أن حركة البيع ضعيفة جدًّا فسعر شنطة مستلزمات رمضان التي كان المواطن يشتريها بـ 100 جنيه وصلت الآن إلى 150 و200 جنيه، وهذا يعتبر ارتفاعًا كبيرًا جدًّا على المواطن العادي الذي سيكتفي بشراء البلح فقط هذا العام.

 

يقول أحمد محمود تاجر: إن اللحمة وصلت لـ65 جنيهًا.. فكيف سيعيش الناس ويشترون لوازم رمضان من الياميش والبلح؟ مشيرًا إلى أن الزبيب الأمريكي يصل سعره لـ235 جنيهًا، والإيراني بنفس السعر، أما الزبيب المصري فيتراوح سعره من 145 جنيهًا إلى 195 جنيهًا للكرتونة بسعر الجملة، أما قمر الدين المصري فيصل سعره لـ95 جنيهًا والسوري يصل لـ 195 للكرتونة بسعر الجملة، ولفة قمر الدين المصري يصل سعرها لـ 5.5 جنيهات.

 

ويتهم الباعة الجائلين الذين افترشوا الطرقات على كورنيش النيل بالتأثير على حركة البيع في سوق العبور، إضافةً إلى غلاء الأسعار وارتفاع بورصة جوز الهند، فسوريا لم تصدر لمصر إلا كميات قليلة منه ومن قمر الدين.

 

وفي كارفور وصل سعر كيلو البلح السكوتي إلى 16.5 جنيه، وجوز الهند بـ20 جنيهًا والبلح العراقي بـ9 جنيهات، والتين التركي بـ 12 جنيهًا، أما الزبيب الإيراني بـ21 جنيهًا، والتمر الهندي بـ10 جنيهات، والزبيب الأسمر بـ15 جنيهًا، واتفق معظم الزبائن هناك على أن جميع أنواع الياميش تقل في جودتها عن السنة الماضية رغم ارتفاع أسعارها.

 

وفي أسواق وسط القاهرة وسط البلد يصف حمادة مهران (تاجر ياميش) حركة البيع بأنها "في الإنعاش"؛ لأن ظروف البلد صعبة للغاية، بسبب تداخل المواسم رمضان والعيد والمصيف والمدارس "فاللي معاه قرش في جيبه مخبيه للظروف".

 

ويضيف أن الأسعار تختلف من منطقةٍ لأخرى، فالمناطق الشعبية والنائية البلح فيها من 8 إلى 10 جنيهات، أما في المناطق الثرية فيتراوح من 12 إلى 15 جنيهًا، وهو البلح السكوتي نمرة واحد ويطلق عليه "البريمو"، مشيرًا إلى أن هناك أنواعًا من البلح يصل سعرها لـ 8 جنيهات، ومعظمه رديء وغير صالح للأكل.

 

وفي سوق السيدة زينب يقول: إبراهيم الحناوي "تاجر ياميش": إن الطلب على الياميش يزداد يومًا بعد يوم في رمضان فحركة البيع تنشط خلال هذه الأيام بعد دخول شهر رمضان.

 

ويشتكي من غلاء الأسعار عن العام الماضي، مرجعًا ذلك إلى ضعف الاستيراد كما كان من قبل وأيضًا إلى جشع التجار الكبار والمحتكرين في السوق.

 

ويضيف أن أشهر أسماء البلح التي يبيعها هو "بلح الثورة"، وهو الأغلى ثمنًا؛ حيث يصل سعره لـ25 جنيهًا للكيلو، وهناك "فلول النظام" و"الثورة المضادة" و"القذافي" و"شيكا بالا" و"أبو تريكة"، وأقل الأنواع سعرًا هو بلح يطلق عليه اسم "معدومي الدخل"، ويصل سعر الكيلو منه إلى 3 جنيهات.

 

تفاؤل بالثورة

 الصورة غير متاحة
وعلى صعيد المواطنين تقول ماجدة الزهوي (ربة منزل): إن الأسعار ارتفعت أضعاف ما كانت عليه السنة الماضية، وهو ما أثَّر على الكميات التي كانت تشتريها فهي ستشتري 2 لفة قمر الدين بدلاً من 5، وستشتري أيضًا كرتونة زبيب بدلاً من 3، مضيفةً أنها ليست قلقلة أو محبطة، بل هي متفائلة، خاصةً بعد الثورة، وأن ما تمر به البلد سيزول قريبًا.

 

ويقول حسين سيد أحمد (موظف): إن الأسعار ارتفعت بشكلٍ جنوني عن أسعار السنة الماضية، خاصةً أسعار الياميش فقد أثَّرت الثورة على كل شيء، والبلد ستظل على تلك الحال حتى تأتي حكومة منتخبة قوية.

 

أما علي السيد (محام) فقد وصف الأسعار بأنها "فوق الإمكانات" والدخول متدنية جدًّا، مرجعًا ذلك لعدم وجود استقرار داخل البلد وغياب الرقابة على التجار فأصبحوا يسعرون السلع على "مزاجهم".

 

ويتفق معه محمد علي أن أسعار اليامش هذا العام ليست في متناول الجميع، مشيرًا إلى أن الأحزاب الموجودة على الساحة هي السبب في عدم وجود هذا الاستقرار.

 

وتقول مدام سيدة (ربة منزل) إنها لن تشتري ياميش أو حتى بلح قائلةً: "منين؟ ما فيش فلوس خالص، والبلد ما فيهاش فلوس ومش عارفين حالها هينصلح امتى؟"؟

 

وتقول علا كامل (موظفة بالآثار) إنها لم تشترِ سوى البلح وقمر الدين، ولن تشتري شيئًا آخر إضافيًا بسبب غلاء الأسعار التي ترى أن سببه الرئيسي هو ضعف حركة الاستيراد بسبب الثورات العربية، وخاصةً في سوريا التي كانت تُصدِّر لنا أغلب السلع الخاصة برمضان.

 

ويشتكي محمد محمود (شيف) من غلاء الأسعار في رمضان، خاصةً الياميش، واتهم التجار بالجشع ووضعهم لأكثر من تسعيرةٍ على السلع الواحدة، مطالبًا الحكومة بتشديد الرقابة عليهم.

 

ترشيد الاستهلاك

 الصورة غير متاحة

 محمود العسقلاني

من جانبه يقول محمود العسقلاني منسق حركة "مواطنون ضد الغلاء": إن الارتفاع الشديد في الأسعار ليس مسئولية تضامنية بين المواطنين والحكومة، مشيرًا إلى أن الحكومة حتى هذه اللحظة لا تختلف كثيرًا في عملها عن الحكومة قبل 25 يناير فما زالت لا تتدخل في الاقتصاد تاركةً إياه لجشع التجار واحتكارهم، مطالبًا الحكومة بأن تُحكم قبضتها على السوق مرةً أخرى ولا تدع الأفراد يتحكمون فيه طبقًا لمصالحهم.

 

ويطالب المواطنين بترشيد الاستهلاك في هذا الشهر، مشيرًا إلى أن الحركة دشنت حملةً بعنوان "لازم نعيش من غير ياميش"؛ لمقاطعة ياميش رمضان هذا العام، على خلفية أزمة تناقص النقد الأجنبي بالبنك المركزي، وزيادة احتياج المواطنين إلى السلع الضرورية وأهمها رغيف الخبز.

 

ويشير إلى أن الارتفاع غير المبرر لياميش رمضان، واحتياج المستهلكين للسلع الضرورية، يستوجب معه فرض سياسات تقشف ومقاطعة للياميش، خاصةً أنه ليس سلعةً ضروريةً، بل سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، مضيفًا أن الحملة سوف تستمر للأسبوع الأول من رمضان؛ في محاولة لمنع استغلال كبار التجار لحالة النهم التي تنتاب المستهلكين قُبيل شهر رمضان المبارك.

 

وشدد العسقلاني على ضرورة تفعيل عمل جهاز حماية المستهلك لمراجعة الأسعار ومراقبة السلع وجودتها للكشف على السلع الفاسدة، والتي تنتشر خصاصة في المواسم التي يزداد فيه الطلب على السلع الاستهلاكية.

 

ضبط السوق

ويقول الدكتور حمدي عبد العظيم الرئيس الأسبق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية إن الزيادة في الأسعار التي يشهدها السوق الآن بسبب الطلب الموسمي المتزايد على شراء السلع الاستهلاكية، والذي يزيد في ذلك الشهر عن 3 أضعاف الأشهر العادية.

 

ويضيف أن العجز في السعر واللجوء للاستيراد من الخارج يزيد من الأسعار، والذي يسبب ارتفاع سعر صرف الدولار، بالإضافة إلى جشع التجار وضعف الرقابة وعدم وجود قانون ينظم الأسعار ووضع الضوابط لمنع الاحتكار وحماية المنافسة.

 

ويشدد على ضرورة وجود آلية جديدة لوضع حد أقصى للأسعار وللأرباح، مشيرًا إلى أن مجلس الوزراء هو المنوط به تنفيذ ذلك، محذرًا الحكومة من الاستجابة لضغوط رجال الأعمال الذين يمارسون الاحتكار؛ لأن أسباب احتكار السوق وتعطيل قانون منع الاحتكار والرقابة على السلع وضبط الأسعار انتفت بسقوط الرئيس المخلوع مبارك.

 

ويطالب الحكومة بتفعيل قوانين الرقابة وتكثيف الحملات لضبط للتأكد من ضبع أسعار السلع، مشددًا على ضرورة استمرار العمل والإنتاج، وتغيير سياسية النظام القديم في إدارة أمور الدولة فمصر تستورد 60% من الغذاء، بالإضافة إلى أن زيادة الطلب مستمرة بسبب قدوم المصريين من البلاد التي اندلعت بها الثورات، وكذلك زيادة نسبة السكان بأكثر من 2 مليون نسمة كل عام.