ما زالت الخريطة السياسية المصرية تتشكَّل من جديد، وما زالت تحمل بعض موروثات العهد البائد، عهد الكيانات الإعلامية لا السياسية أو البرامجية، لذا كان السؤال: ما الفرق بين أحزاب ما قبل ثورة 25 يناير وبعض الائتلافات المشكلة بعد الثورة؟!
أحزاب ما قبل الثورة عبارة عن مقر وصحيفة وموقع إلكتروني، وائتلافات ما بعد الثورة عبارة عن أربعة من الأصدقاء؛ أحدهم منسق عام للائتلاف، وثانيهم أمين عام، وثالثهم متحدث رسمي، ورابعهم متحدث إعلامي!.
أحزاب ما قبل الثورة وصفت غالبًا بالكرتونية، معظمها جزء عضوي ووظيفي من منظومة الاستبداد والفساد والقمع، أحزاب أمنية أو مخترقة أمنيًّا، تتقن التهويل أو التهوين، وغالبًا التحريض، وائتلافات ما بعد الثورة غالبها كيانات إعلامية تتعرف عليها، من خلال خانة التوقيع على البيانات اليومية الخاصة بالتهديد والوعيد والاعتصام، المشاركة أو الانسحاب، غالبها شباب وطني متحمس تنقصه الخبرة والنضج وبعضها من بقايا النظام البائد ونفايات الفساد في المحليات والنقابات والاتحادات العمالية والطلابية سيئة السمعة والمزورة، بعضهم كانوا مخبرين أمن دولة أو أبناء مخبرين أو مرشدين مباحث، بل ومسجلين خطرًا وبلطجية، أعرف بعضهم بالاسم.
بعضها كائنات إعلامية أو فقاعات هوائية زادها انتفاخًا وتضخمًا بعض وسائل الإعلام الموجه وبعض ممارسات المجلس العسكري المرتبكة والرجل الطيب عصام شرف، معظمها فشل في تكوين أطر وأحزاب سياسية؛ لأنها لا تملك الفكرة أو المشروع، ولا يصطفُّ حولها إلا القليل القليل من المصريين، لا تملك مقومات المنافسة السياسية والديمقراطية، فراحت تهاجم وتخون وتصنِّف؛ أملاً في احتكار الثورة واختزال الملايين في شخوصهم الصغيرة والقليلة.
هل نكرر كيانات وأحزاب ما قبل الثورة؟ 200 ناشط سياسي يكونون أكثر من 100 كيان أو حركة أو لجنة؟ وبعد الثورة مئات النشطاء كونوا 186 ائتلافًا!! ينتشرون في كل وسائل الإعلام المحلية والاقليمية والدولية، يتحدثون عن الثورة ومطالب الثوار، يطالبون بكل ما هو مخالف: الدستور أولاً.. المواد فوق الدستورية.. إسقاط المجلس العسكري.. إقالة حكومة شرف، وأخيرًا على سيبل الدعابة كتب أحد المصريين الظرفاء: "العيد أولاً؛ لأن التيار الليبرالي غير مستعد لرمضان هذا العام"!!.
بعضهم أتقن الصراخ والعويل الإعلامي، وبعضهم يحاول احتكار صكوك الوطنية والمدنية، يمنحها لمن يشاء، ويمنعها عما يشاء، نحن بحاجة لمناخ من الجدية والنضج وترتيب الأولويات والمؤسسية، على هذه الائتلافات توفيق أوضاعها بأن تتحول إلى كيانات سياسية قانونية بإنشاء أحزاب جديدة وبرامج واضحة وغير هلامية، أو تنضم للأحزاب الموجودة القديمة أو الجديدة.
الجلوس فقط في ميدان التحرير أو خلف ميكرفونات برامج "التوك شو" لن يبني دولةً أو يحقق التحول الديمقراطي المنشود، ومحاولة تصنيف الوطن إلى تكتلات ومربعات، بل ودول وهمية "إمارة التحرير الإسلامية" هو تكرار لنمط إدارة جهاز الإثم والعدوان- أمن الدولة- نمط الفبركة والتحريض، نحن بحاجة إلى مخرج ديمقراطي آمن يعتمد الحوار والقبول والمؤسسية واعتبار التنوع الفكري والأيدلوجي.
التوافق المجتمعي مكانه قاعات الحوار لا ميكرفونات الإعلام، خاصةً إعلام الفتنة وشق الصف..
حفظك الله يا مصر الثورة والأمل.