- د. سيد دسوقي: مطلوب إعادة النظر في المنظومة التنموية للنظر إلى المستقبل

- د. أحمد دياب: توفير بيئة تعليمية مناسبة قادرة على أن تفرز منتجًا جيدًا

- د. حامد طاهر: الاستقلال الأكاديمي للجامعات يفعِّل المنافسة ويدفع إلى التطوير

- د. محمد أبو الغار: لا بد من الاهتمام بجودة خريج العملية التعليمية

 

تحقيق: الزهراء عامر

منذ ما يزيد عن 30 عامًا وضع مخطط لتدمير التعليم الجامعي في مصر وتشويهه، وبدأ ينحرف عن مساره الصحيح إلى مسار آخر، حتى أصبح التعليم الجامعي متاهةً ضاع فيها الطريق أمام الطلاب والأستاذ والأسرة المصرية؛ بسبب غياب السياسة المستقرة والرؤية الواضحة للمستقبل.

 

وبفضل سياسات النظام السابق بات مستقبل التعليم الجامعي مرهونًا بإستراتيجيات كل وزير للتعليم العالي، وليست أبدًا إستراتيجية وزارة كما هو الحال في جميع دول العالم المتقدم، فضلاً عن تدهور أحوال الجامعات، ولم تستطع جامعة مصرية واحدة الدخول ضمن أفضل 500 جامعة على مستوى العالم.

 

الجامعات المصرية تعاني من أزمة راهنة في جميع عناصرها وفي أدائها لجميع وظائفها، مما يجعلها غير قادرة على مواجهة تحديات المرحلة الحالية والمتوقعة، وخاصة مع بروز تحديات ومتغيرات جديدة على الساحة المحلية والدولية.

 

ليس هذا فحسب بل أصبح التعليم الجامعي مجرد تعليم لمنْح شهادات عالية فقط، وأصبحت العملية مجرد تخريج دفعات غير مؤهلة لسوق العمل وغير ملائمة لفكر السوق المحلية والعالمية.

 

عدد الجامعات الحكومية المصرية 17 جامعة بما فيها (جامعة الأزهر)، والجامعات الخاصة 10 جامعات، ووصل عدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي والجامعي (شامل الأزهر) إلى ما يقرب من 2.5 مليون طالب وطالبة، موزعين بين المعاهد والجامعات، ويبلغ عدد خريجي الجامعات الحكومية 228 ألف خريج.

 

ولأن التعليم الجامعي هو المصفاة الرئيسية لمراحل التعليم المختلفة فإن الاهتمام به هو السبيل الأمثل لبناء جيل قادر على التفاعل مع المستقبل، خاصة أن التعليم يظل بمختلف مستوياته التحدي الأكبر وقضية الحاضر والمستقبل، وكذلك الحديث عن سبل  تطويره.

 

يرى الدكتور سيد دسوقي، رئيس قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة جامعة القاهرة ورئيس هيئة تنمية الابتكارات باتحاد المنظمات الإسلامية، أن التعليم الجامعي في مصر يعاني من إهمال الدولة؛ بسبب غياب الأهداف التنموية، والتي يمثل التعليم جزءًا كبيرًا منها، وأصبح تعليمًا غير هادف.

 

ويضيف أنه لا بد من وجود علاج شامل لجميع المشكلات، من خلال إستراتيجية واضحة المعالم تتم على مراحل تبدأ من الآن، ولكي يكون العلاج سليمًا يجب أن يكون التشخيص سليمًا يستند إلى الأسس التربوية العالمية التي تستوجب دراسة أوجه القصور في جميع مكونات المنظومة‏ "سياق التعلم، المناهج، الطالب، المعلم الجامعي".

 

ويؤكد أن عملية تطوير التعليم الجامعي عملية معقدة، وتحتاج إلى مراحل عديدة، منها: تطوير مناهج التعليم العالي ومقرراته التي تحتوي على مناهج وعلوم عفى عليها الزمن، بالإضافة إلى تطوير طرق ووسائل التدريس، والتقويم، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، ورفع كفاءتهم التعليمية، بجانب تطوير الإمكانات المادية، كالمعامل والمتاحف والمكتبات وقاعات التدريس، والاعتماد على المشاريع والأوراق البحثية، وزيادة المقابل المادي والحوافز لمن يقوم بالتعليم، وتقويم نظام الامتحانات بأن يكون الامتحان ذا مصداقية، وأن يكون ملائمًا وموضوعيًّا.

 

وحول زيادة أعداد الطلبة الملتحقين بالجامعات، يوضح أنه بفضل رغبة الحكومة في توفير مكان لكل طالب ناجح في الثانوية العامة في الكليات والمعاهد، أصبح هناك كم كبير من المعاهد والكليات التي تقبل آلاف الطلاب كل عام، فضلاً عن إهدار طاقات شباب كان من الممكن أن يبدءوا حياتهم العملية، ولكن من أجل أن يحصل فقط على مؤهل عالٍ أمضى 4 سنوات أو أكثر، وفي النهاية يحصل على شهادة ليس لها قيمة في سوق العمل.

 

ويلفت النظر إلى أنه من الممكن أن يقل التكدس في الجامعات إذا وجهت الأنظار إلى التعليم الصناعي، وأصبح هناك تعليم صناعي من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية؛ لأن سوق العمل يحتاج إلى تقنيين وفنيين وفلاحين لزراعة الأرض وليس بالضروري أن يكون الفلاح جاهلاً، موضحًا أن منظومة التعليم مرتبطة بسوق العمل، وبما أن سوق العمل يعاني من اضطرابات فأن المنظومة التعليمية أيضًا تعاني من اضطرابات.

 

ويطالب بضرورة إعادة النظر في المنظومة التنموية وتوطينها، وتخريج دفعات جديدة تعمل من أجلها، مؤكدًا ضرورة تحديد نوعية التنمية التي نريدها، ومن ثم يتم توفير مجموعة من الرجال للقيام بها.

 

بيئة حرة

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد دياب

ويقول الدكتور أحمد محمود دياب، الأمين العام لحزب "الحرية والعدالة" بالقليوبية، إنه لا بد من تغيير فلسفة التعليم من مجرد تخريج دفعات لسوق العمل إلى تخريج كفاءات؛ ولذا لا بد من دراسة أحوال سوق العمل؛ لنضع خريطة بالتخصصات التي نريدها والأعداد التي نحتاج إليها، فضلاً عن استقلالية الجامعات ومراكز الأبحاث؛ بحيث تتكون بيئة تعليمية مناسبة قادرة على أن تفرز منتجًا تعليميًّا جيدًا.

 

ويضيف أن الجامعات كانت تعاني من شبه سيطرة كاملة للأمن عليها، بدءًا من اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وانتهاءً بالتدخل السافر في الانتخابات الطلابية، فهذه البيئة لا تصلح للتعليم الجيد، مؤكدًا أهمية مشاركة أعضاء هيئة التدريس في اختيار رؤساء الجامعة، وتدريب الطلاب على المشاركة السياسية.

 

ويشير إلى أن خطة التطوير تبدأ عندما يكون هناك مؤسسات تعمل بإرادة شعبية حرة في ظل حكومة منتخبة وليس مع الحكومة الانتقالية؛ لأن كل حكومة ستأتي برؤية لتطوير التعليم وليس برؤية وزير.

 

ويرى أن هناك مهماتٍ من الممكن أن ينجزها وزير التعليم العالي "معتز خورشيد" ويقطع فيها شوطاً، قبل بدء العام الدراسي؛ للتقليل من مشكلات التعليم، منها: تغيير القيادات الجامعية التي كانت مواليةً للحزب الوطني، بالإضافة إلى النظر في موازنة الجامعات، وحل مشكلات أعضاء هيئة التدريس؛ الأمر الذي لا يحتاج إلى تأجيل، فضلاً عن استقلالية الجامعات، موضحًا أن هذا لا يحتاج إلى وقت لتصفية التدخلات الأمنية سوى إرادة وزير، بجانب حل مشكلة ارتفاع أسعار الكتاب الجامعي، من خلال إقامة حوار مع الأساتذة.

 

ويطالب بإعادة النظر في بعض الهياكل التي أنشئت في العهود السابقة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للجامعات، وتحديد الأدوار التي تقوم بها، والمهام التي أنشئت من أجلها، موضحًا أن هذه الهياكل لعبت دورًا في عرقلة العملية التعليمية، وليس لها أي دور حقيقي في النهوض بالتعليم.

 

استقلال الجامعات

ويوضح الدكتور حامد طاهر، نائب رئيس جامعة القاهرة السابق، أن مشكلة التعليم الجامعي مثلها مثل مشكلة التعليم بصفة عامة، تتلخَّص في تدخل الدولة السياسي في نظام التعليم، سواء بفرض شخصيات معينة تنفِّذ أجندات معينة، أو في مناهج معينة لا تحقق الأهداف التي يرجوها الشعب المصري، موضحًا أن التدخل السياسي في التعليم يفسد ولا يثمر، فضلاً عن عدم وجود نظرة سياسية شامة لتطوير التعليم يشترك فيها كل أبناء المجتمع وتقتصر على فئة واحدة، وهم وزراء التعليم العالي.

 

ويضيف أن المجلس الأعلى للجامعات الذي أنشئ عام 1954م في عهد عبد الناصر ليحكم قبضته على الجامعات هو أحد المفاسد التي أساءت إلى التعليم الجامعي في مصر؛ لأنه جعل من مختلف الجامعات المصرية نسخًا مكررةً بعضها من بعض، وهذا الأمر لا يقتصر على الجامعات الحكومية فحسب، بل يدخل في إطاره الجامعات الخاصة، متسائلاً: كيف يمكن أن تحصل الجامعات على استقلالها الأكاديمي ورئيس الجمهورية يعين وزير التعليم العالي ورئيس المجلس الأعلى للجامعات؟!

 

ويطالب بأن تستقل كل جامعة بنظامها الأكاديمي الخاص بها كما هو معمول به في جميع دول العالم، وتضع كل جامعة مناهجها بنفسها، وتعين أساتذتها بطريقتها الخاصة، وأن يتم اختيار طلابها حسب برامجها، وهذا ما نراه في الجامعات الأمريكية، فلا يتدخل فيها وزير، مؤكدًا أن تطبيق هذا الأسلوب سيؤدي إلى المنافسة بين الجامعات، وبالتالي تحسن كل جامعة من نفسها، وتطبق كل جامعة المعايير الدولية للنجاح أو الرسوب.

 

ويرى أن هناك العديد من القوانين في الجامعة التي تحتاج إلى تعديل بدلاً من إلغائها، مثل: قانون الجامعات الذي يحتاج إلى تعديلات، وعلى سبيل المثال بند العقوبات، لا بد من أن تعدل النقاط، بالإضافة إلى المرتبات.

 

ويشير إلى أن الهدف الرئيسي من التعليم هو إمداد المجتمعات بخريجين مؤهلين؛ لتلبية احتياجاتها المهنية والبحثية، ويكونوا قادرين على المساهمة الفعالة في إعداد وتطبيق سياسات التنمية وخططها، فضلاً عن مواكبة منظومة التعليم العالي مع احتياجات المجتمع وسوق العمل الداخلي والخارجي، وحصر الأسواق الداخلية والخارجية، وطاقات العمل حتى يمكن استيعاب جميع الخريجين، سواء داخل مصر أو خارجها.

 

المخرج التعليمي

 الصورة غير متاحة

د. محمد أبو الغار

ويرى الدكتور محمد أبو الغار، أستاذ طب النساء والتوليد بجامعة القاهرة وعضو حركة 9 مارس، أن تطوير التعليم الجامعي عملية ليست بسيطة وتحتاج إلى وقتٍ لإصلاحها؛ ولكن بداية التغيير تكمن في اختيار القيادات الجامعية الجيدة.

 

ويؤكد أن معظم القيادات الجامعية غاية في السوء، وبعضهم معيَّن بواسطة الأمن ولجنة السياسات، وليس لهم أي علاقة بالعملية التعليمية نهائيًّا، موضحًا أن الكثير من الأساتذة أو المدرسين والمعيدين يتم تعيينهم؛ ليس لكفاءتهم أو تفوقهم، بل لاعتبارات أخرى لا صلة لها بالعلم والمؤهل والكفاءة العلمية.

 

ويبين أن وضع التعليم الجامعي الحالي هو نتيجة فكر ومعتقدات لبعض الأشخاص الذين تدخلوا في العملية التعليمية كما يريدون، مشيرًا إلى أن هناك عددًا من المشكلات التي تمثل جوهر المشكلة في التعليم الجامعي، بدءًا من مشكلة ما قبل التعليم الجامعي، بالإضافة إلى مشكلة الكم والنوع المتصلة بتضخُّم هائل في الناحية الكمية، من حيث عدد الجامعات وعدد الكليات وعدد الطلاب والهيئة الأكاديمية والكادر الإداري والفني، مع فقر شديد في النوعية.

 

ويوضح أن هناك عددًا من التحديات تقف في وجه التعليم الجامعي، وعلى رأسها الأخطاء الفادحة من النظام السابق، وسوء الفساد الإداري داخل الجامعات، أو سن قوانين ليست في المصلحة، مثل تحويل الجامعات الأهلية إلى جامعة خاصة تهدف إلى الربحية.

 

ويطالب بضرورة التركيز على جودة الخريج في العملية التعليمية؛ باعتبارها أهم مخرج للجامعات المصرية، بالإضافة إلى بحث موازنة الجامعات ومشروعات التطوير، وكيفية زيادة موارد الجامعات الذاتية والمدن الجامعية ورعاية الطلاب والجودة والبحث العلمي.