مشهد مهيب ظهر عليه الإسلاميون في ميدان التحرير جمعة 29 يوليو، البعض سماها جمعة "لم الشمل"، وآخرون "الإرادة الشعبية"، لنكن صرحاء إلى أقصى مدى، هذه الجمعة مع احترامنا لجميع القوى السياسية التي شاركت في التنسيق فيها لنقل هدفها الأول من جمعة "الشرعية والهوية" إلى مسمياتها الأخيرة المتعددة، لم تكن "جمعة شمل" بل هي جمعة "توضيح المواقف" أراد فصيل عريض في الشارع أن يعبر عن نفسه وهويته، مثلما عبر آخرون بتنوعاتهم السياسية عن أنفسهم من قبل ومن ذات المكان.

 

مشهد الثورة منذ 27 مايو الماضي بات محتكرًا- من وجهة نظر الكثيرين- لمجموعة "النخبة المثقفة"، الضغط النفسي والسياسي الذي مارسته تلك النخبة عبر أكثر من شهرين على الإسلاميين، من خلال وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة دفعته لجمعة "الهوية"، ورأوا أن من حقهم أن ينادوا بـ"إسلامية.. إسلامية" كما نادى منافسوهم "مدنية.. مدنية".

***

 

نائب رئيس حزب الحرية والعدالة د. رفيق، في حوار خاص معي في يوم 27 مايو، قال لي: إن ثورة يناير أفرزت حالة فريدة في الساحة المصرية لم يكن يتوقعها أحد من متابعي الشأن المصري، إذ إن التيارات الإسلامية بتنوعاتها "السلفية، والجهادية، والتبليغ" التي أبعدها نظام الرئيس المخلوع عن الحياة العامة إما بالاعتقال والترهيب الأمني، وإما بدس العيون بينها كانت عقب نجاح الثورة هي الأكثر مرونة وليونة والأهدأ والأكثر تقبلاً للرأي الآخر، في حين أن النخبة العلمانية كانت أكثر تشددًا، وهو ما ظهر ما قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس الماضي.

***

 

الإسلاميون أسهموا مع غيرهم في نجاح ثورة يناير ومنذ ليلتها الأولى ثلاثاء 25 يناير، وهم مع باقي القوى تناسوا مآسيهم في عهد المخلوع مبارك، توحدوا خلف راية واحد "الشعب يريد إسقاط النظام"، وبالفعل سقط، حوادث فردية لا تعبر عن فهم عموم الإسلاميين، تسببت في نقل صورة سيئة، مثل هدم أضرحة، وقطع أذن، ومشاحنات هنا وهناك، ساعدت وسائل الإعلام في الترويج لها.

 

ثم جاءت مرحلة الاستفتاء على التعديلات الدستورية إذ شهد الاستقطاب مداه الأكبر، شارك في صنعه جميع الأطراف، فكانت غزوة الصناديق، وعظة الكنيسة، وبرامج التوك شو، والفنانين، والمتاجرة بدم الشهداء، وفي النهاية الشعب قال كلمته 77% أعلنوها "نعم".

 

في تلك المرحلة، الإسلاميون وأقصد هنا "السلفيين والجماعة الإسلامية" كانوا أكثر ذكاء من النخبة العلمانية، إذ بدأوا في البحث عن الكيان الرسمي الذي يحتويهم، فكانوا وسط البسطاء، وفي الوقت نفسه يؤسسون أحزابهم "النور- الفضيلة- التنمية".

***

 

الدعوة السلفية وباقي القوى الإسلامية تجاوزت الكثير من الجدل حولها، واندفعت إلى التفاعل المجتمعي والسياسي، دون النظر إلى الخلاف مع النخب العلمانية بل إنها انتقلت من خانة المدافع إلى الفاعل والناشط، بل إن الصيغة التي ظهر عليها برنامج حزب "النور" مثلاً كانت دافعًا إلى قلق تلك النخبة العلمانية التي رأت تطورًا ملحوظًا ومتقدمًا للغاية للدعوة السلفية الذي أعلن أنه يدعو إلى إقامة دولة عصرية على الأسس الحديثة، التي تحترم حقوق التعايش السلمي بين أبناء الوطن جميعًا، وأن تكون مكونات العملية السياسية جميعها منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية، فتحقيق الديمقراطية إنما يكون في إطار الشريعة الإسلامية، وكذلك يدعو إلى إطلاق الحريات، والمحافظة على الحقوق الأساسية والحريات العامة في إطار من الشريعة الإسلامية.

 

لم يكن هذا موقف "النور" فقط بل انضم إليها أحزاب أخرى أكدت أنها بصدد تكوين حزب إسلامي مرجعيته إسلامية، يهدف إلى دعم مقومات المجتمع الأساسية ومؤسساته المدنية وفقًا لأحكام الدستور، واستعادة دور مصر القيادي في العالم العربي والإسلامي من خلال مشروع نهضوي رائد يشارك فيه أفراد الشعب كلهم. ويسعى إلى تحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع المصري على اختلاف مشاربهم وأطيافهم وضمان توزيع عادل للثروة. وضرورة ضمان حرية وسائل الإعلام للتعبير عن فئات المجتمع المختلفة مع الحفاظ على ثوابت الأمة وقيمها الأخلاقية.

***

 

أغلب الظن أن هذه الصيغة التوافقية التي بدت عليها القوى الإسلامية أقلقت التيار العلماني، الذي يعاني أزمة حقيقية مع الشارع المصري، إذ إنه يعاني أزمة "تواصل"، وأن المشاهد بعد الثورة يرى اندفاعًا نحو التنافس والاستقطاب السياسي، وقاد هذا الصراع تلك القوى والنخب العلمانية، وهذا الاندفاع كان بسبب إدراكها أنه في "مصر الحرة" أن الأوزان والثقل السياسية للشارع، وأن ثقلها المحدود سيكلفها الكثير من الخسائر ولذلك اندفعت في سيناريوهات المرحلة الانتقالية، بعيدًا عن أوزانها النسبية، وأرادت أن تجري المرحلة الانتقالية بعيدًا عن الإرادة الشعبية الحرة، من خلال الحديث عن آليات تشكيل لجنة لوضع دستور بالتعيين، كما تريد أن تجري المرحلة الانتقالية قبل الذهاب إلى الصندوق الانتخابي، ودون الاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحرة، لهذا عارضت التعديلات الدستورية، وتريد الانقلاب على نتيجة الاستفتاء، وعلى الإعلان الدستوري.

***

 

الأحداث الأخيرة التي لحقت بالشارع المصري بدءًا من جمعة 27 مايو، إلى جمعة 29 يوليو، يكشف عن أزمة حقيقية، بالتأكيد أن مطالب الثورة تعاني بطئًا في التنفيذ السبب فيها، ولا ضير في ذلك "المجلس العسكري" لا نعفيه من المسئولية، فهو الذي دخل إلى الساحة في اللحظة الحرجة ليشاركنا الثورة لا ليستأثر بها، فكانت مطالب الثورة دائمًا تلقى رواجًا لدى الشارع المصري "الذكي" من سرعة محاكمات لقتلة الثوار، ورموز النظام البائد، ورعاية أسر الشهداء، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، أما قضايا الصراع السياسي فكان الشارع ينحي نفسه جانبًا عنها، والخوف كل الخوف أن يكفر بثورتنا، ويخرج ويقدم حلاًّ بديلاً لا نرضى عنه.

 

أرى أن الحالة الحماسية التي بدا عليها رفقاؤنا الإسلاميون في جمعة 29 يوليو نتيجة طبيعية لحالة التهميش والإقصاء والاتهام من أصداقائنا العلمانيين والليبراليين، فلم يكن لدى الإسلاميين إلا أن يعبروا بتلك القوة عن أنفسهم وليقولوا نحن هنا، إذن كل منا قال ما في نفسه.. رجاء نعود إلى أرضية وطنية مشتركة لا تخوين أو اتهام، ولنعلم أننا متساوون.