كان المشهد في ميدان التحرير أمس مهيبًا, استعاد فيه المصريون ذاكرة الثورة التي أصابها بعض التشويش والتشويه؛ من جرَّاء تصرفات عاطفية مندفعة وغير محسوبة أو مسئولة في بعض الأحيان على مدار الأيام المنصرمة.

 

لقد كان هذا التوحد حول هوية مصر أمرًا غير مسبوق في التاريخ المصري, وكانت اللافتات والشعارات التي تلتهم الأنظار وتسكن الحناجر استقتاءً جديدًا يؤكد نتائج الاستفتاء الأول الذي يحاول بعض المهمشين الالتفاف والانقضاض عليه، وإعداد ما يسمَّى بالوثيقة فوق الدستورية, وهي وثيقة تحلِّق في فراغ الوهم, تشبه العملات المزيفة, التي لا تستند إلى غطاء ذهبي من الإرادة الشعبية.

 

لم تكن جمعة أمس مجرد تصحيح لمسار الثورة التي حاول أن ينفرد بها أصحاب البزات الداكنة، ولكنها كانت أيضًا رسالة مفعمة بمشاعر التحدي للغباء الإعلامي الذي يكرر نفسه دائمًا, ويقع في الأخطاء ذاتها بحماقة مدهشة, لقد كان الإعلام المصري الذي يصر على مغازلة العلمانيين ومنازلة الإسلامين عاملاً مهمًّا في حشد الرأي العام ضده في المرتين، وكنا نظن أن الثورة المجيدة قامت بعملية تطهير لعقول هؤلاء وقلوبهم من الاستبداد الذي عشَّش في أقلامهم وشاشاتهم طوال الحقبة البائدة، لكن يبدو أنهم لم يستوعبوا الدرس بعد, وأن سقوطًا آخر ينتظرهم إن لم يقوموا بمراجعة أدبيات خطابهم الإقصائي والتحريضي ضد التيار الإسلامي؛ الذي يمثل حضورًا يمتد أفقيًّا لدرجة تجعل من السذاجة منازلته.

 

على الإعلام المصري إذن أن يعيد تأمل المشهد الثوري من جديد, وعليه أن يتذكر أن نظام مبارك بقفازه الحديدي لم يصمد طويلاً أمام الشارع الذي لم يكن يعبأ به طيلة حكمه القمعي.
هل وصلت الرسالة؟ أم سنقول قريبًا انتهى الدرس يا غبي!..