مقدمة
هذه السلسلة من المفاهيم الإسلامية لم تأتِ بجديد أو تتناول موضوعات مستحدثة، وإنما هي إعادة التذكير بمفاهيم أساسية، وإن غياب المرجعية للأصول والقواعد هو الذي جعل بعض التساؤلات تظهر في وسائل الإعلام وبين بعض الناس، وهي أيضًا تساؤلات قديمة ولكن بألفاظ ورؤية عصرية؛ لهذا فإن ما تقدمه هذه السلسلة من مفاهيم هي رد وتوضيح لبعض التساؤلات.
ولا يمكن أن نحيط بكل الجوانب ونستوعب المعنى الكامل إلا بالرجوع لتلك القواعد الأصول في الدعوة؛ فهي الإطار الحاكم والمرجعية لأي تصور، وقد أرسى ووضح أبعادها الإمام الشهيد حسن البنا.
وأخيرًا نسأل الله- عزَّ وجلَّ- أن يوفقنا في حسن العرض ليصل المعنى الذي نريده واضحًا، وما كان في هذا الأمر من صواب وتوفيق فهو من فضل الله أولاً وأخيرًا، وما كان غير ذلك فهو من القصور البشري والخطأ غير المقصود، فليتسع صدر القارئ العزيز لنا، ويغفر لنا هذا القصور، ونسأله صالح الدعاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وهو الهادي لسواء السبيل.
د/ محمد عبد الرحمن
عضو مكتب الإرشاد
2011م
توضيح حول ربانية الراية وإسلامية الدعوة:
دعوة الإسلام التي يعمل لها الإخوان في أي مكان من بلاد المسلمين وأقطارهم، لا بدَّ أن تنشأ منذ بدايتها إسلامية صحيحة، ترفع الراية الربانية وتهتف بالشريعة المحمدية، وتعمل للأهداف الإسلامية الشاملة، حتى إن لم تستطع أن تسمي نفسها باسم "الإخوان"؛ ولكن المبادئ والأهداف وجوهر العمل هو الأصل، ويؤكده ويدعمه الارتباط العضوي بالجماعة الأم، (لكن اسم وراية الإخوان يعتبر من ثوابت الدعوة في القطر المصري، أما في باقي الأقطار فقد تسمح به الظروف، أو تؤجل ذلك إلى حين).
ولا يجوز للدعوة وسط جماهير الشعب المسلم، أن تتخلى عن هذه المبادئ الشاملة أو عن ربانية الراية وإسلامية الدعوة؛ بحجة أن هذا قد ينفر الناس منها أو يضع المزيد من العراقيل أمامها أو يضيع منها الكثير من المكاسب الزائلة، وليس لها أن تستبدل بذلك الوضوح والشمول، دعوات إصلاحية جزئية أو شعارات أخرى ليس فيها التميز الإسلامي والرسالة الخالدة، فهذا من التلبيس والخطأ، فشعوبنا الإسلامية حاجتها الأساسية هي إلى الإسلام بمفهومه الشامل وتطبيقه العملي الصحيح والبناء إن لم يكن على هذا الأساس الكامل الشامل وتحت هذه الراية الربانية فلن يكون مستقرًّا أو مستقيمًا على الصراط وسيؤثر فيه هذا الخلط وتلك الشوائب في تكوينه إن عاجلاً أو آجلاً، فدعوتنا ليست دعوة أرضية أو مؤسسة حزبية تحكمها المصالح الحزبية؛ لكنها تسير على هدى دعوة الأنبياء وتحكمها ضوابط الإسلام، حتى إن كان وجودها الرسمي في بعض البلدان تحت لافتة الحزب الذي تكونه حسب قوانين البلد، لكن تبقى الجماعة بمفهومها الشامل وأهدافها الكاملة ورايتها الربانية موجودة ومعلنة ومعروفة للناس، فهي أوسع وأعمق وأشمل من الحزب الموجود بأهدافه وأطروحاتها.
ولا يصح أن نقول إننا ندعو الناس تحت هذه الرايات الجزئية والفرعية، وبدون الشعارات الإسلامية؛ لكن عندما يدخلون الدعوة أو يرتقون فيها سيفهمون الإسلام ودعوتنا بشمولها وأن مناهجنا الداخلية ستعوض ذلك.
لأن الدعوة للإسلام ليست سرية في أهدافها ورسالتها، ولا بدَّ من إعلان ذلك للناس ورفع الراية التي يلتفون حولها سواء جاءوا من الحزب الموجود التابع أو من الأحزاب الأخرى.
كما أن هذا تفريغ وإضعاف للهوية والراية، والمبدأ الإسلامي، ولا يستقيم المسار بعد ذلك عمليًّا ويؤدي إلى انفصال حقيقي يؤثر في تكوين الشخصية، وإذا قيل إن هذه أوعية وواجهات ومؤسسات فرعية تحكمها ضوابط الواجهات، فنقول: فأين الجماعة التي توجه هذه الواجهات وتستفيد منها؟، وأين صوتها وشعاراتها وخطابها للمجتمع من حولها؟.
إنه لا بدَّ للناس من راية الإسلام بمفهومه الصحيح الكامل؛ حيث تناديهم الدعوة وتدعوهم وتوضح لهم دينهم ورسالتهم، حتى إن واجهت المعوقات وتعرَّضت للضغوط فهذه هي طبيعة الطريق وضريبة الدعوة.
وإذا كان هناك مكان أو قطر من أقطار العالم الإسلامي، لا يستطيع الدعاة فيه أن يعلنوا عن رايتهم ورسالتهم الإسلامية، ويقولون إن هذه الرايات الجزئية هي المتاح حاليًّا، وإن هذا تمهيد وتهيئة فليدركوا جيداً أنهم ما زالوا لم يبدءوا الدعوة حقًّا مهما تعللوا بأنهم يربون أفرادهم على الفهم الشامل، وأن هذا التمهيد لا يمكن أن يستمر هكذا دون حدود، فلا بدَّ من إعلان الدعوة إسلامية ربانية توجه رسالتها للمجتمع والأمة، وتدعوهم ليلتفوا حول رايتها ويعملوا لها، فهذا هو النهج الذي بدأ به الإمام الشهيد دعوته وحرص عليه وأوصى الإخوان به.
يقول الأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله- في هذا المجال: " ..عرض علينا البعض أن نعمل للإسلام من خلال كيان لمبدأ أرضي: الاشتراكية مثلاً، لنستفيد بما فيه من وسائل ومنابر غير متوافرة، ووضعنا غير المعترف به رسميًّا كي تتاح لنا فرصة أوسع بكثير للحركة بالدعوة والعمل لها، ولكننا رفضنا ذلك ورأينا أن ما يصدر عنَّا وتحت رايتنا وشخصيتنا الإسلامية المستقلة، أقوى أثرًا وأكبر فعالية، ولو كان حجمه قليلاً مما لو كان من خلال تلك الراية الوضعية ولو كان حجمه كبيرًا.
ومن جانب آخر كيف نرضى أن نعلن الراية الأرضية فوق الراية الربانية؟ لا شكَّ أن ذلك انتكاسة في خط السير ومسخ لشخصيتنا الإسلامية الحرة، وفي نظر الناس أن ذلك الكيان الأرضي قد احتوانا وسنتحمل أوزاره رضينا أم لم نرض، ولا مجال بعد ذلك لاستعادة مكانتنا وكرامتنا الإسلامية وثقة المسلمين بنا، خاصة أننا نرى هذه اللافتات الأرضية تتبدل وتتغير ألفاظها ومدلولاتها"(1).
وطرح الجماعة لشعارات إسلامية، لا تقصد بها المتاجرة أو الإساءة لأحد، أو أنها تحتكر الحديث عن الإسلام أو نفيه عن الآخرين، وإنما ذلك تعبير عن بواعث مشروعها وتعريف به وتركيز للمعاني والأهداف التي يحملها، فهو يمثل تحديدًا للهوية، ويمثل أيضًا خطابًا شرعيًّا موجه للأمة ليوقظها ويربطها بإسلامها، وهو أقدر شيء لإصلاح حالها وأن تنهض وتتقدم، خاصة أن المسلمين يشكلون غالبية الشعب.
أما عن شركاء الوطن، فإن هذا لا يمثل حاجزًا، لأنهم يتعاملون مع ذلك من منطلق وطني وإن كان الإسلام لا يمثل دينًا لهم؛ لكنه يعتبر انتماء حضاريًّا ووطنيًّا بالنسبة لهم، كما لا يمنع الإخوان التيارات الأخرى أن تتقدم برؤيتها التي تقتنع بها، وأن ترفع شعاراتها التي تمثلها.
ودقة المصطلحات والشعارات التي تتحرك بها الدعوة، أمر له اعتباره، ويجب أن يتوفر فيه الضابط الشرعي، والتعبير الصحيح عن المشروع والأهداف، أما الجري وراء بعض الشعارات التي يطرحها البعض في الساحة أو تحت الضغط، فإنه يؤدي إلى التشويش وعدم الثبات، فالبعض حاول إدخال مصطلحات اليمين واليسار والتقدمية للوصف الإسلامي، أو الاشتراكية والرأسمالية، وحاول أن يصنف الإسلام ودعوته تحت هذه المصطلحات، كل حسب هواه، متأثر بالمناخ السائد وقتها.
وهذا كله لا يتمشى مع منهج الإسلام وتميزه، فهو فوق كل هذه المصطلحات والرؤى الأرضية، وقد يأخذ بعض هذه التيارات ببعض ما جاء في الإسلام لكن يبقى الإسلام هو الأصل والأعم والأشمل.
وكذلك محاولة البعض أن يصف الإسلام بوصف إضافي، وكأن هناك أنواعًا من الإسلام أو أنه في حاجة لصفة إضافية، فسمعنا: الإسلام الوسطي، الإسلام المتحضر، الإسلام المعتدل.. إلخ.. إن الإسلام هو الوسطية وهو الاعتدال وهو الحضارة شاملاً لكلِّ ذلك من معانٍ، وإذا كان جائزًا في الشرح لمفهوم الإسلام ومعانيه أن أشير إلى هذه الجوانب المتميزة فيه، لكن لا يتحول ذلك إلى شعار ومصطلح وتعريف يحدث هذا اللبس وذلك التشويش.
وإذا أخطأ أحد في فهم الإسلام، أوضحنا جانب الخطأ؛ حيث مرجعية الجميع في فهمهم تكون وفق مبادئ وأصول وقواعد الإسلام.
والجماعة تحمل مشروعًا إسلاميًّا متكاملاً، فهي صاحبة رسالة للأمة الإسلامية وللعالم أجمع، تعرضها عليها، وتقنعها بها لتنهض الأمة وتحملها معها، فإذا ما زالت الدعوة مجهولة عن الكثيرين، أو ما زال البعض يعارضها أو لم يتفاعل معها، فإن الجماعة لا تتخلى عن رسالتها؛ بحجة أن هذا رأي غالبية الشعب، وإنما تواصل معهم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة مهتدية بأسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عارضه في بداية الدعوة الكثيرون، ثم لم يلبثوا أن دخلوا في دين الله أفواجًا.
وللجماعة أمل كبير في توفيق الله وعونه وأن الأمور والمقادير بيده سبحانه، ولها تقدير للعاطفة الإسلامية الكامنة في نفوس أفراد الأمة، وأنهم سوف يستجيبون لدعوة الإسلام.
والإخوان- كما قال الإمام البنا- أفسح الناس صدرًا للآخرين، حتى لو كانوا مخالفين، وهم في ذلك منضبطون بتوجيهات الشرع وميزان العدل والتقوى، وتاريخيًّا كانت الشواهد تشير إلى أن الآخرين هم الذين كانوا يضيقون بالدعوة ويحاولون إقصاءها والهجوم عليها.
ومع تقديم الإخوان لمشروعهم الإسلامي المتكامل، فإنهم يسعون للتعاون والمشاركة مع الآخرين ويسعون للوحدة ويكرهون الفرقة والتنابذ، ويعلنون مبدأهم: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فيٍ أطروحات الإصلاح ووسائل العمل.
لكن لا يظن أحد أن هذا التعاون مع الأحزاب والقوى السياسية والوطنية يجب أن يجعلنا نتنازل عن أجزاء من مشروعنا الإسلامي وأهدافنا ليرضى الآخرون بهذا التعاون معنا، فهذا التصور أبعد عن الفهم الصحيح لدعوتنا؛ لأن في منهجنا ومشروعنا مجالات ومساحات مشتركة مع الآخرين حتى إن كان هذا الاشتراك في الآليات والوسائل وليس في البواعث والأولويات، وهذه المساحة المشتركة نتقدم للتعاون فيها مع القوى الأخرى لصالح الوطن ولإصلاح حاله، مع احتفاظ كل طرف بمشروعه الخاص، والأمة في النهاية هي التي تنحاز لهذا المشروع أو ذاك.
وتستمر الجماعة في توجيه الدعوة لهم بالأسلوب المناسب؛ لتزداد مساحة اقتناعهم ومشاركتهم، وليس واردًا أن تتنازل الجماعة عن أهدافها ورؤيتها التي لا يوافق عليها الآخرون..
والإخوان في تعاملهم حتى مع أشد المخالفين لهم، يتميزون بالأدب والاحترام للجميع وحسن الخلق وضبط الألفاظ وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه.
وهم أبعد الناس عن المنابذة واتهام النوايا أو التعامل في كبر واستعلاء.
وكذلك أهمية وضوح الصبغة الإسلامية في مشروع النهضة لحياة الإنسان في كل جوانبها، فنحن نستهدف تكوين الإنسان المسلم والبيت المسلم، وليس الإنسان بمرجعية إسلامية، ونستهدف كذلك إقامة المجتمع المسلم والدولة المسلمة والأمة المسلمة، وليس من الدقة في صياغة الأهداف أن أقول إقامة المجتمع بمرجعية إسلامية، وإقامة دولة مدنية بمرجعية إسلامية، فالإسلام يقيم دولة إسلامية في جميع أركانها ومجالاتها ويصبغها بصبغة الإسلام، ولها دور ورسالة تؤديها.
وإذا كان من الجائز في الشرح لِمَن لا يعرف ما هي الدولة الإسلامية أن أشرح وأوضح بما يمكن أن يفهمه أنها دولة مدنية وليست كهنوتية؛ لكن صياغة الهدف والمصطلح يجب أن تكون دقيقة ومعبرة ومنضبطة بمفهومه الشرعي.
وكان الإمام الشهيد حريصًا على ضبط المصطلحات والشعارات ودقة صياغة الأهداف، وأن العدول عنها هو نوع من الانحراف والتغيير.
وقد يتساءل البعض: هل المشروع الإسلامي الذي يطرحه الإخوان يمثل مشروعًا جذريًّا للتغيير لا شأن له بالإصلاح الجزئي، فهو ينتظر حتى يستكمل إمكانيات التغيير الكلي ثم يطرح مشروعه..؟
أم هو مشروع تغيير جزئي، وبالتالي يقبل بالواقع وينحصر في فرعيات وجزئيات للإصلاح؟.
نوضح ذلك فنقول: إن المنهج الإسلامي في التغيير والإصلاح هو منهج متميز له رؤيته وموازينه الخاصة به، فالمشروع الإسلامي الذي يحمله الإخوان يستهدف كلا الأمرين، فهو- كما قال الإمام البنا- نعمل في الإصلاح لغاية قريبة وغاية بعيدة؛ فهو إصلاح شامل يتناول كل الأوضاع القائمة بالتعديل والتقويم، وفي الوقت نفسه يهتم بالنصيحة والإصلاح في المجالات المختلفة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ تطبيقًا للتكليف الشرعي بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* وعن تساؤل كيف يمثل الحزب السياسي موقعه من الجماعة ومن مشروعها الإسلامي؟، نوضح:
لقد سبق أن أشرنا إلى أن الجماعة لا يمكن أن تنحصر في حزب أو في هيئة أو في واجهة محدودة، فهي أوسع وأشمل بقدر شمول الإسلام واتساعه.
وأن الجماعة تعمل بالمفهوم الشامل للإسلام، والعمل السياسي جزء من رسالة الدعوة في الجماعة، لا يمكن أن ينفصل عنها، وأن الحزب السياسي وسيلة من وسائل العمل السياسي وليس قاصرًا عليه.
وهذا الحزب يحمل جزءًا من رسالة الدعوة يسعى لتحقيقه ويستفيد من الوسائل المتاحة له في ذلك، وهو لا بدَّ له من الصبغة والمرجعية الإسلامية لهذا الجزء الذي يحمله، وهو لا يسعى للسلطة وكراسي الحكم مثل باقي الأحزاب، ولا يسلك مسلك التنافس والصراع الحزبي الموجود على الساحة؛ لكنه يعمل على مشروع الإصلاح الإسلامي بالمجتمع، ويصل بالدعوة إلى كل التيارات والمؤسسات.
والحزب لا يشكل خطًّا موازيًا للجماعة، وإنما وسيلة ضمن الوسائل، والواجهات التي تشكلها الجماعة.
ولا يتصور أحد أن الجماعة يمكن أن تنفصل إلى جزءين: حزب سياسي وجمعية أهلية خاصة بالمجتمع فقط.
فالجماعة بثباتها وصمودها على مبادئها وأهدافها أفشلت كلَّ محاولات تجزئتها أو تغيير مشروعها.
ومشروعيتها تستمدها من المنهج الإسلامي الذي تحمله، ومن الإيمان الذي تنطلق منه ومن اللجوء إلى الله والاعتصام به وبشريعته، وكذلك من مكانتها في قلوب الجماهير التي تواصلت معها.
وقد يطرح بعض المتعجلين تساؤلاً هل أن منهج الإخوان السلمي وتمسكهم بشعاراتهم ومشروعهم حقق لهم نجاحًا، وماذا قدم الإخوان طوال هذه السنين، وهل هم محلك سر وفقط أم أن مشروعهم يتقدم ويحقق نجاحًا نحو الأهداف المنشودة؟.
نوضح ذلك ونقول:
أولاً: إن الباعث للجماعة وأفرادها هو باعث إيماني رباني، من منطلق العبودية والطاعة لله، وإن هذا إذا تحقق بثبات وجهاد الإخوان، فقد حققوا الغاية والهدف الأسمى.
ثانيًا: إن سنن الله في التغيير كما وضحها القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتصر على الجهد البشري، على الرغم من أنه عامل أساسي مطالبين به، وإنما هناك أيضًا فوق ذلك مشيئة الله وقدرته وعونه وتأييده لدعوته، فهو الذي يمكِّن لها في حقيقة الأمر وما نحن إلا ستار لقدرة الله عزَّ وجلَّ ومجريات الأمور اختبار لنا ولثباتنا وتمحيص لإيماننا.
وثالثًا: إن أي دعوة مهما امتلكت من وسائل أو رفعت من شعارات.. إلخ، لا بدَّ لها من مرحلة ابتلاء طويل وتمحيص عميق، ليظهر ويتحقق مدى ثباتها وصمودها، وكثير من الدعوات انهارت أو تبدلت بعد سنوات، وعند أول محك للمحنة.
رابعًا: إن هذا الثبات على المبادئ والأهداف وتواصل الأجيال، وفعاليتها وانتشارها في كل بقاع الأرض دليل على النجاح والتوفيق من الله، فهذا الثبات يُعدُّ إنجازًا ونجاحًا.
خامسًا: إن أي منصف لأثر دعوة الإخوان ولمشروعهم الإسلامي، ليشهد بذلك هو وكل من نظر إلى حال الأمة قبل ظهور الدعوة وإلى حالها الآن من إرساء للقيم والمفاهيم الصحيحة، ومن إقبال الشباب على الإسلام، ومن إيقاظ الأمة وتزايد المقاومة للمشروع الغربي الصهيوني، ومن إحراز نجاحات متعددة على صعيد الأنشطة وعلى أرض الواقع، على الرغم من المحاصرة والتضييق ومحاولات الإقصاء أو الاستئصال، حتى أصبحت- بفضل الله- أمل شعوب العالم الإسلامي.
إن أي دعوة أو جماعة تعرضت لما تعرضت له دعوة الإخوان لانهارت وانتهت منذ سنوات بعيدة، ولكنها باقية مستمرة بفضل الله.
وقد أشار بعض الراصدين إلى أن الجماعة تتميز بالثبات، والقدرة على امتصاص الضربات، والعمل في كل الأحوال والظروف.
ولا ندَّعي أن كل أثر إسلامي إيجابي في المجتمع هو من صنع الجماعة مباشرة، ولكن كان للجماعة الفضل في تثبيت الفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي ضد العواصف العاتية التي كانت تستهدف اقتلاعه، وفي تحفيز كل التيارات والأفراد في هذا الميدان، وفي قيادة التغيير والإصلاح والتوجه نحو الإسلام، وفي كونها خط الدفاع الإسلامي وقلب المقاومة للمشروعَيْن الأمريكي والصهيوني.
وتعلم الجماعة أن الطريق طويل متعدد المراحل، وكثير التضحيات، يحتاج إلى الصبر والعمل الجاد، وفي نفس الوقت هي على يقين من نصر الله لدعوته والتمكين لها.
-----------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.
(1) مجلة الدعوة العدد 62 - يوليو 1981- شعبان 1401 هـ.