لا يستطيع أحد أن يشكك في أن الأمومة غريزة أودعها الله عزَّ وجلَّ في نفس المرأة التي ستحمل على عاتقها أكبر مسئولية في هذه الحياة؛ وهي تربية الجيل الجديد الذي سيقوم بدوره باستكمال المسيرة الحياتية، وبالتالي فإن الأم تعطي من وقتها وجهدها الكثير والكثير مما يصعب على غيرها أن تعطيه، وهو ما جعل للأم خصوصية لا يشاركها فيها أحد.

 

غير أن هذا لا يمنع أن يوجد من بين النساء من يملكن القدرة على العطاء، وتعويض ما افتقده الأبناء في أمهم التي رحلت أو طلقت أو أن يكن على أقل تقدير حضنا دافئًا لأبناء الزوجة الأخرى للزوج، وهو ما سجلته وقائع وأحداث الدهر الكثيرة من المرات؛ لتنفي تلك الانطباعات المجتمعية الخاطئة عن زوجة الأب التي كثيرًا ما يحاول البعض تصويرها على أنها شيطان أو نمر متوحش.

 

ولكن في الواقع هناك من النماذج التي أعطت لزوجة الأب الأم المثالية؛ حيث إنها الأم التي قامت بالتربية وليست التي ولدت، وفي هذه الحالةِ تُعامِل زوجة الأب أولاد زوجها كأنهم أولادها، وتدرك أنهم يحتاجون إلى الحب والحنان والتفاهم في إطارٍ من الحزمِ (الثواب والعقاب)، وهي ما تسمى بزوجة الأب الناضجة.. أما زوجة الأب التي تعامل أولاد زوجها كأنهم غرباء عنها وكأنها تجني من خلالهم كل الإحباطات التي واجهتها فهذه مرفوضة ومنبوذة، وتعطي صورةً سلبيةً عمَّا نراه بمفهوم مرتبط بزوجة الأب، بالإضافةِ إلى المعتقد الشعبي الذي يقول إن (طفلاً من غير أم حالته تغم).

 

ولكن ما هي الأسباب الحقيقية لتلك النظرة الخاطئة لزوجة الأب؟

الثقافة الخاطئة

إن ثقافة أي مجتمع تلعب دورًا في تشكيل بعض الصور الذهنية والنماذج التي تغرسها في عقل أفرادها، فهم يتوارثون اجتماعيًّا ثقافةَ المجتمع، ويتشكَّلون بالصورة التي ترسمها لهم تنشئتهم الاجتماعية وثقافتهم التي ساهمت في تكوين انطباعاتهم وتصوراتهم على بعض النماذج، ومن أبرزها زوجة الأب؛ حيث لعبت العادات والتراث الثقافي لمجتمعنا في تصويرها على أنها إنسانة شريرة، جاءت لخطف الأب، وتعذيب الأطفال وتشريدهم، وتشجيع الأب على معاملة أبنائه بالعنف؛ حتى يصل إلى حدِّ كرهه لهم أو طردهم.

 

ومما لا شك فيه أنَّ هناك بعض المؤسسات والهيئات التي تلعب دورًا محوريًّا في تعزيز هذه الصورة.

 

وسائل الإعلام

إنَّ التاريخَ أعطى صورةً سيئةً لزوجة الأب؛ لأن المشكلة عندنا أننا نعظِّم السيِّئ وفي المقابل لا نبرز النماذج الطيبة، وقد لعبت وسائل الإعلام، سواء المقروءة أو المرئية دورًا في التضخّيِم من هذه الصورة، من خلال الدراما التليفزيونية وغيرها.

 

ولعلنا نتذكر العديد من الأفلام التي صوَّرت زوجة الأب وكأنها شيطانةٌ، كما قدمت وسائل الإعلام النماذج السيئة لأمهات يتميزن بالقسوة والعنف؛ كما تقدمها شديدة القسوة، غيورة، أنانية، وغيرها من الصفات السيئة كالضرب، أو الحرمان من الطعام والتجويع، والشكوى المتكررة منهم لأبيهم الذي غالبًا ما ينصاع وراءها وتصيبه عدوى القسوة على أبنائه، فلا يكفيه حرمانهم من حنان الأم، فيذيقهم وزوجته مرار اليتم.

 

كما لا يغيب عن بالنا الهجمة الإعلامية المقصودة والمدبرة التي وضعت اللمسات الأخيرة في تأصيل فكرة امتهان قدر زوجة الأب، في مسلسل أو برنامج، مستخدمين وسيلة فضح الصور السلبية لزوجة الأب، فبدلاً من علاج السلبيات لإصلاح النظرة إلى زوجة الأب، فإنهم يعمدون إلى تضخيم السيئات إلى درجة تجعل المجتمع مقتنعًا أن أفضل وسيلة للعلاج هي قتل زوجة الأب، إن لم يكن فعليًّا فمعنويًّا.

 

العرف والمعتقدات

إنَّ المجتمعَ يتقبل أن تقسوَ الأم على ابنها ولكنه يستنكر أن تقسوَ زوجة الأب على ابن زوجها، وكأنما ذلك نتاجٌ للمثل الشعبي (حبيبك يبلع لك الزلط)، فالأم حينما تضرب ابنها لا يستطيع الإنسان أن يذكر أنها لا تحبه؛ لأنها أمه، والكل يعلم أنه لو وُجد إنسان يحب هذا الطفل فستكون هذه الأم.. لذلك يخجل المجتمع أن يُعاقب الأم عند الضرب، أما إذا كانت المرأة زوجة للأب حتى لو كانت درجة القسوة أقل من ضربِ الأم لابنها، فالأمر أشد وأبشع في حالة زوجة الأب؛ لأنَّ المجتمع يرفض هذه القسوة ويتعامل مع زوجة الأب كأنها نمرة متوحشة تريد أن تأكل هؤلاء الأطفال، وذلك ناتج من النظرة الأولية، ففي كل الأحوال ينظر إليها على أنها تقسو على الأبناء، وهذه نظرة المجتمع.

 

الوازع الديني

ربما كان لضعف وانعدام التربية الإسلامية والأخلاقية في طريقة الحكم على الآخرين، وبناء النظرات المعتدلة تجاههم دور في هذه المشكلة، فبدلاً من أن يربى المرء في المجتمع على أن يعطي لكلِّ ذي حق حقه، وأن يقدر الناس قدرهم، وينزلهم منازلهم اللائقة لهم، فإنه يعتاد النظر إلى الآخرين نظرة عدائية ذاتية نفعية.

 

كالذي نلاحظه من اضمحلال خلق البر للأبوين في كثير من قطاعات المجتمع الإسلامي، فإن مجتمعًا لا يحفظ للأبوين قدرهم الذي منحهم الله إياه أجدر ألا ينزل زوجة الأب ومن دونها المنزلة اللائقة لها.

 

إن المرأة التي تربت تربيةً إسلاميةً في بيت يسوده المناخ الإسلامي الواعي تستطيع أن تقوم بواجبها نحو الأطفال، سواء بنين أو بنات، سواء أمًّا أو زوجةً لأبيهم؛ لأنها تعلم علم اليقين أنها مسئولة أمام الله- عز وجل- فهي ترعاهم صحيًّا وتربويًّا.

 

وزوجة الأب التي تعلم أن لها ربًّا يراها تتعامل مع أولاد زوجها كما تتعامل مع أولادها، وذلك من منطلق إسلامي، فهي تنشئهم على الدين والخلق منذ نعومة أظفارهم، فيشب الأولاد على الخلق الفاضل والحياة الكريمة الطاهرة النظيفة، فالمرأة المؤمنة تكون ذات أثر فعَّال في تربية أولادها أو أولاد زوجها، وكم من زوجة لأب قامت بواجبها خير قيام نحو أولاد زوجها؛ حتى إنَّ أولاد الزوج ينادونها بقولهم أمي؛ وذلك لحبها وعطفها وحنانها وسهرها على راحتهم.

 

نظرة الإسلام إلى تلك القضية

إنه لا توجد شريعة من الشرائع اكتملت نظرتها إلى المرأة مثل شريعة الإسلام، فلم تظلمها الحقوق المتعلقة بها، سواء مانحة أو ممنوحة، كما أن شريعة الإسلام لم تقسم النساء إلى فئات فذمت فئة ومدحت أخرى، فلم تمدح فئة الأمهات وتذم فئة البنات مثلاً، بل المرأة هي محل احترام وتقدير من الشريعة الإسلامية تحت أي مسمى سواء كانت أمًّا، أو زوجةً، أو بنتًا، أو عمةً، أو خالةً... إلخ.

 

فإن من أصول الشريعة الإسلامية أن التفاضل بين الناس لا يكون حسب ألوانهم وأشكالهم ومسمياتهم وأجناسهم، بل إن الأفضلية في الإسلام هي لأكثرهم تقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13) وهي قاعدة أصيلة في الإسلام، تشمل جميع فئات المجتمع، وقد أعطى الله- تعالى- لزوجة الأب حرمة تماثل حرمة الأم، فواجب لها الاحترام من جانب الأبناء، وحق البر والصلة حتى بعد وفاة الأب، كما لا يجب عليهم إغفال حقها في الميراث.

 

وقد كانت المرأة قبل الإسلام تورث كالمتاع أو كالحيوانات التي يتركها الميت لورثته، هكذا حكم الجاهلية، ولكن حكم الإسلام يختلف تمامًا، إذ حكم بأن هذا لا يحل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: من الآية 19).

 

كانت المرأة إذا مات عنها زوجها ينكحها ولده من غيرها دون أي اعتبار لما كانت تتمتع به في حياة زوجها من منزلة، ودون اعتبار لزوجة الأب التي هي بمنزلة الأم، فأبطل الله هذه الفعلة القبيحة وحرمها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً (22)﴾ (النساء).

 

ولذلك سماه العرب بنكاح الضيزن أو المقت.. والضيزن في الأصل: النخاس أو الشريك في المرأة، ثم صار يطلق على الذي يشارك أباه في امرأته.. يقول أوس بن حجر:
والفارسية فيهم غير منكرة  فكلهم لأبيه ضيزن سلف

(أي: هم مثل المجوس يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه وامرأة ابنه)

واجبات زوجة الأب

أن تراعي الله- تعالى- في معاملة أبناء زوجها بتربيتهم التربية الصالحة والعناية بهم، فلا شك أن هؤلاء الأبناء سيكون عليهم واجبات عظيمة نحوها، ويكون لها من الله- تعالى- الأجر والثواب العظيم.

 

والمرأة الواعية هي التي تقوم بواجباتها نحو أبناء زوجها؛ لأنها تكون مسئولة أمام الله- عز وجل- عن رعايتهم والعطف عليهم مثل أبنائها تمامًا، وهي تستطيع كسب قلوبهم وحبهم فينادونها بأمي تعبيرًا عن امتنانهم لها.

 

كما أن على المرأة التي تقبل أن تكون زوجة أب أن تكون شجاعة وواعية، وعليها أن تضحي حتى تسعد زوجها وأبناءه، وتبذل الكثير من الجهد لكسب ثقتهم... فمطلوب منها أن تعيد التوازن للأسرة التي فقدت مصدر الحنان، حتى تجعلهم يتقبلون وجودها بينهم، ولا شك أن نجاحها في ذلك سيحقق لها ولهم السعادة والراحة النفسية.

 

وهي من حقها أن تفكر في إنجاب طفل؛ ليكون وسيلة لتقوية الروابط بينها وبين أولاد زوجها، كما أن وجود طفل وليد في الأسرة يدخل البهجة على القلوب.. كما يجب عليها أن تحرص على أن تبقى علاقتهم موصولة بأمهم سواء كانت متوفاة أو على قيد الحياة.. فالأم كائن مقدس، كما يجب عليها أيضًا أن تتسم بالصبر على أخطائهم، وأن تجعل من نفسها معلمة ومرشدة نفسية لهم، وأكثر تسامحًا وحبًّا وحزمًا أيضًا عند اللزوم كما هي الأم تمامًا.

 

وعلى زوجة الأب مساعدة زوجها في أداء دوره، ولا بد من تفهم مشاعر الأطفال، وعدم التدخل في أسلوب التربية الذي يتبعه الأب معهم، ويجب أن تعرف أن الهدوء والتسامح والحب أساس سليم لأسرة سعيدة مهما كانت الروابط بين أفرادها.

-------------------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.