رمضان المبارك هو شهر الصيام والقرآن، وله ميزات كثيرة لا توجد في شهر مثله؛ منها: أن صيامه وقيامه يكفران الذنوب؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ما تأخر" (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (2)، وأيضًا هناك من أهل السماء من ينادي أهل الأرض لينالوا المغفرة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ".... ونادى مناد من السماء كل ليلة- أي في رمضان- إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير يمم وأبشر، يا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من تائب يتوب الله عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟..." (3).
كما أن شهر رمضان يعد من نفحات الدهر التي رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في التعرض لها فقال: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا له لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا". (4).
ويلاحظ من الأحاديث النبوية أن الحصول على ثواب الصيام متوقف على العمل والحركة فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لفت النظر إلى هذا، وطلب من المسلم بأسلوب الرجاء أن يُرِي ربه منه خيرًا في رمضان؛ حتى ينال رحمته سبحانه وتعالى فقال: "أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة ويحطُّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فالشقي من حرم فيه رحمة الله" (5).
وقد فهم السابقون ذلك، فلما قيل للأحنف بن قيس: إنك شيخ كبير، والصوم يضعفك، قال: "إني أعدُّ لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله".
وكل هذا وأكثر منه يعلمه أعداء الإسلام والمسلمين؛ لذلك يحاولون أن يفسدوا على المسلم عبادته لربه دون أن يطلبوا منه أن يتركها، فتراهم يستخدمون الإعلام في إفساد عبادة الصيام من خلال مجموعة أعمال فنية، بها رقص وتبرج للنساء وخلاعة وفتن في الصوت والمظهر والحركات، وتستخدم فيها أحدث آلات التصوير، وأعظم فنون الإخراج، وأكثر النساء جاذبية؛ كالفوازير والمسلسلات والأفلام والمسرحيات والبرامج، فمثلاً عدد المسلسلات المعروضة في شهر رمضان هذا العام بلغ 110 مسلسلات (6)، كلها تعرض مفاتن النساء، فالصائم يظل طوال النهار صائمًا بعيدًا عن الذنوب والمعاصي، وبالليل يجلس أمام تلك المسلسلات والفوازير والأفلام، فيزني بفكره وببصره، يقول الرسول: "زنا العينين النظر" (7).
فما جمعه الصائم بالنهار من حسنات أضاعه بالليل مع الفنانات والراقصات والمغنيات،
ولو تدبر المسلم هذا السؤال لفهم لماذا تلك الحملة المسعورة لإفساد عبادة الصيام، لماذا لا تعرض هذه المسلسلات والأفلام بهذا الحجم في شهر شوال أو شعبان أو أي شهر آخر بخلاف رمضان؟
فاحذر أيها الصائم ما أعدَّه لك أهلُ الانحلال، ودعاة الفساد والضلال، من برامج مضلة، ومشاهد مخِلّة.
إن الصائمين- إلا من عصم الله- يعيشون اليوم مع القنوات الفضائية في محنةٍ لم يُكْرهوا عليها بل رغبوا فيها، واستشرفت لها نفوسهم، وكأنهم في حالة رغبة فيما يفسد دينهم ويخرب دنياهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فما أشبه حال هؤلاء الصائمين المنجذبين نحو هذه القنوات، والقابعين باستمرار لمتابعة تلك الأعمال الهابطة، ما أشبه حالهم بحال الفَراش الذي يتساقط في النار؛ لجهله واعتقاده النفع في النار المُهلكة.
لكن: هل الصائمون اليوم في غفلة عما يعرض في هذه القنوات؟ وهل يجهلون ما يبث لهم ليلاً ونهارَا من سموم؟ لا.. لكنهم مبهورون، أسكرتهم الرغبة، وأعمتهم الشهوة، فلم يحركوا ساكنًا!.
أما الذين يفسدون الصيام على الصائمين بمسلسلاتهم وأفلامهم ومسرحياتهم وغنائهم نقول لهم ما قاله الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).
ونذكر كل صائم بأن من غضَّ بصره عما حرم الله عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خيرٌ منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى بهما ما لم يره من أطلق بصره في محارم الله، وهذا أمرٌ يحسه الإنسان من نفسه، فإن القلب كالمرآة، والذنوب كالصدأ فيها، فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي، وإذا صدأت لم تنطبع فيها صور المعلومات، فيكون علمه وكلامه من باب الخوض والظنون.
كما نذكر ونحذر كل صائم من قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" (8).
--------
الهوامش:
1- تخريج السيوطي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث صحيح.
2- تخريج السيوطي عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث صحيح.
3- ذكره المنذري في الترغيب والترهيب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حديث حسن.
4- تخريج السيوطي عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه تحقيق الألباني (ضعيف) في ضعيف الجامع.
5- رواه الطبراني وصححه الألباني.
6- موقع http://www.youtube14.com/category/63/637.
7- تخريج السيوطي عن علقمة بن الحويرث رضي الله عنه تحقيق الألباني (صحيح) انظر صحيح الجامع.
8- تخريج السيوطي عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث صحيح.
--------------