ها هو رمضان أتى علينا بروحانياته الطيبة، فكيف ننتفع به؟ سؤال أجاب عليه فضيلة الإمام البنا عليه رحمة الله في جريدة (الإخوان المسلمين) العدد 35 السنة الثانية 27 رمضان 1353 هجرية الموافق 3 يناير 1935م فماذا قال.
ما أعذبها ساعة تلك التي يخلوا فيها الإنسان إلى نفسه بعد متاعب اليوم، وعناء العمل، وأحلاها فترة، حين يتخلص المرء من جلبة الحياة وضوضائها، ثم يسمو بروحه في هذه الخلوة إلى فضاء من الأخلية اللذيذة والخواطر العذبة.
ألا إن رمضان في شهور العام هو تلك الساعة الحلوة في ساعات اليوم، فهو سهر خلوة نفسية يتجرد فيها الإنسان معظم وقته عن مطالب المادة ولوازم الشهوات، وتسبح نفسه في عالم كله جمال وروعه وأنس وبهحة.
وإن الفواصل في كلِّ شيء أمر لا بد منه لتجديد النشاط، وتوليد القوه، وإعادة السرور واللذة، تلك سنة الله التي جبل الله عليها نواميس الخليقة جميعًا، أفلست ترى الليل فاصلة بين النهارين، والنهار فاصلة بين الليلين؟
وتصور كيف تكون الحال إذا فقدت هذه الفواصل، وألست تشعر بالنوم فاصلة بين اليقظتين، واليقظة فاصلة بين النومتين، وما بالك إذا استبدت بك اليقظة أو دام النوم عليك سرمدًا؟
وأحلى ما تكون هذه الفواصل عذوبة إذا كان ما قبلها من الأعمال فيه شدة وفيه عنف، وأحب ما تكون هذه الفواصل إلى النفس إذا طالت عليها مدة المزاولة، وغابت عنها الفترة الفاصلة.
وبعد، فشهر رمضان هو فاصلة العام يدرك النفس الإنسانية، وقد غرقت في المادة إلى أذقانها وزاولت عملا شاقًّا في مكافحة ما يحيط بها من ظروف الحياة ومطالبها؛ حتى إذا ما جاء رمضان سما بها إلى عالمها وجردها من كلِّ ما يحيط بها، وطاف بها في عالم طالما استروحت إليه وحنت إلى رياضه ومعانيه، ولهذا كان رمضان شهرًا فاصلاً ممتازًا له فضله وقدسيته وآثره وميزته.
كان رمضان في الجاهلية فاضلاً ممتازًا جعلته العرب لتعبدها وخلوتها وتجنسها وعزلتها، يتخلص فيه المتألهون من قبائلهم فيعبدون الله أيامه وللياليه، حتى إذا انتهت أوقاته المباركة طافوا بالبيت ورجعوا إلى ما كانوا فيه من مزاولة أعمال ومخالطة أقوام، وتلك هي السبيل التي سلكها المصطفى صلى الله عليه وسلم حين أراد الله تبارك وتعالى أن يشرف الدنيا برسالته، وأن يبعثه رحمة للعالمين.
من أحداث رمضان
وكانت أول الآيات نزولاً إلى الأرض في شهر رمضان.. قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية 185)، وأنت جد عليم بأن القرآن الكريم هو صقال النفوس، وطبُّ القلوب، ودواء الأرواح، ولهذا الأمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن في رمضان.
وكانت غزوة بدر هي الغزوة التي أيَّد الله فيها نبيه، وأظهر دينه في أول عهد المسلمين، في رمضان كذلك.. (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)) (آل عمران: )، وكانت غزوة الفتح في رمضان كذلك، وبها نبع انتشار الدعوة في الجزيرة العربية بين مداه، وانتهت الموقعة بين الإيمان والشرك باستيلاء الإيمان على قلب الجزيرة، وذروة سنام مدنها، وفخر أبنائها، ومعقل عزتها وقدسيتها "مكة المكرمة" مستقر بيت الله
العتيق (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزًا (3)) (الفتح)، وفي رمضان ليلة القدر التي خير من ألف شهر، والتي تعمر فيها الأكوان بالملائكة المقربين، وتشرف بالروح الأمين.
الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان
ورمضان شهر معمور النهار بالصيام ومعمور الليل بالقيام، وهو إذا كان شهر الخلوة، فقد ميزه الله باستحباب الاعتكاف في المساجد، والابتعاد عن ضوضاء الاختلاط، وجلبة التقلب في شئون الدنيا استكمالاً لخلوة الروح، وحرصًا على العبادة من فيوضات الحق في هذا الشهر على القلوب الصادقة التوجه إليه، القوية الصلة به.
ولقد علم السلف الصالح ذلك من لدن رسول الله كيف ينتهزون فرصة هذا الشهر، فيعمرونه بعدةٍ صنوف من صنوف البر: يحسن صوم نهاره، وتلك فريضة الله التي فرضها على عباده.. ويفيض جودًا وندى بالصدقات، وهو صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان.. ويعمر ليله بالقيام تهجدًا ونافلة، فإذا صلى بالقوم تجوز في صلاته حتى إذا انصرف إلى رحله أطال ثم أطال يقطع الليل تسبيحًا وقرانًا.. ويدارس جبريل عليه السلام كتاب الله بما أن رمضان شهر القرآن، وبما أن أولى ما ينصرف إليه هذا النشاط الروحي والذكاء النفسي الذي يشع على الفؤاد من أنوار الصيام والقيام، ففهم كتابه، وتدبر آياته ومعانيه، ويعتكف العشر الأواخر، يشمر ويوقظ أهله ويشد المئزر.
كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخذ بسنته أصحابه الأكرمون رضوان الله عليهم، وتبعهم على ذلك صالحو الأمة بإحسان، فكان منهم مَن إذا أقبل رمضان ودع أصحابه إلى العيد، ثم انصرف بكليتيه وجزئيتيه إلى الطاعة، وفرَّ بجسمه وروحه وقلبه إلى الله.