يحاول اليوم بعض الإعلاميين وأصحاب الأقلام، ممن يقومون بركوب الموجة الجديدة وحصد بعض المكاسب بدلا من تلك التي خسروها بانهيار ورحيل رءوس النظام السابق، أن ينهجوا نفس النهج الذي ساروا عليه مع نظام جعلوا منه الفرعون الأخير في مصر، وصنعوا بأقلامهم نصف إله يحكمنا لمدة ثلاثين عامًا، دفعت البلاد فيها ما دفعت، وعانى العباد فيها ما لا يخفى على أحد، فهم ينافقون المجلس العسكري والحكومة، ونجد بعضهم بجهالة يطالبهما بالمكوث في الحكم لمدة أطول، وليس هذا فقط بل ومنهم من يطالب بمكوثهما للأبد، ثم هناك فئة أخرى على النقيض تمامًا فهي تتطاول وتلقي بالاتهامات يمنة ويسرة وبسخاء في وجه الحكومة الحالية، ضاغطة عليها لتنفذ فقط ما يريدونه، وعلى سبيل المثال لا الحصر موضوع تأجيل الانتخابات إلى ما بعد وضع دستور جديد للبلاد، متخطين بذلك الإرادة الشعبية التي صوتت لصالح الانتخابات أولاً، ومتهمين في نفس الوقت نسبة 77% من الشعب المصري بعدم القدرة على الاختيار والتمييز، ونصَّبوا أنفسهم أوصياء على الشعب وسموْا أنفسهم بالنخبة السياسية.

 

وبين هؤلاء وأولئك تضيع حقوق الشعب، ودماء أريقت في سبيل الحصول على حرية الوطن، وأصوات شعب لا يملك القنوات الفضائية والصحف التي تتحدث باسمه وتعبر عما يريد، وهو لا يملك حقيقةً سوى صندوق الانتخابات كي يقول كلمته.

 

والحقيقة أن الاختلاف مع الحاكم أو الاتفاق معه لا بد أن يسير في خط مستقيم؛ حتى لا يصبح خطرًا يهدد إرادة الأمة بصنع طاغوت، أو أنها تصبح خطرًا من وجهة أخرى بأن تضيع هيبة الحكم، ويصير الأمر فوضى دون ضابط أو رابط.

 

ولكي نفهم كيفية التعامل مع الحاكم يجب أن نفهم أولاً ما لكل فرد وما عليه، فمن واجب الحاكم تجاه شعبه
أولاً: توفير الأمن والأمان والحماية ليتسنى للمواطن أن يعيش حياته بصورة طبيعية حيث يأمن على نفسه وعلى حياته وعلى أمواله وعلى أهله.

 

ثانيًا: من حق كل مواطن أن يجد فرصة عمل مناسبة تتناسب مع قدراته ومؤهلاته، وتوفر له دخلاً يضمن له العيش الكريم.

 

ثالثًا: من حق المواطن أن يتبنى المذهب السياسي الذي يؤمن به، وله كامل الحرية في العمل بأي من تلك الآراء والمذاهب طالما أنها تصب في النهاية في مصلحة الوطن دون ضغط من أي جهة عليه أو محاسبة على اختياره الفكري.

 

رابعًا: من حق المواطن أن تحترم الحكومة ديانته وتوفر له المكان الملائم لعبادته دون تضييق منها عليه.

 

خامسًا: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل فرد من أفراد الشعب.

 

وأما واجب الشعب تجاه الحاكم

فأما إن كان الحاكم مؤديًا للحقوق المطلوبة منه فقد اتفقت الأمة على وجوب طاعته في غير معصية الله، وعلى حرمة الخروج على ولايته.

 

وأما إن كان مقصرًا في أداء واجباته فقد أصبح من اللازم نصحه ومراقبته والأخذ على يده حتى يلزم جانب الصواب، مستعينين في ذلك بحسن الخلق وحسن الأدب بلا إفراط أو تفريط.

 

ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل...... إلخ" فذكره أولهم.

 

وفي صحيح مسلم مرفوعًا : "مَنْ أَطَاعَ الأمير فَقَدْ أطاعني وَمَنْ عَصَى الأمير فَقَدْ عصاني".

 

وتاريخ السلف خير شاهد على ذلك الأمر فهذا أبو بكر الصديق يقول " أطيعوني ما أطعت الله فيكم " ثم هو يقول: " إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني" وهذا هو عمر بن الخطاب أول ما ولي أمر المسلمين يقف خطيبًا في القوم فيقول لهم: إن رأيتم فيّ اعوجاجًا فقوموني، فيقوم له رجل من الصحابة فيقول له: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد السيف، " ولم يغضب عمر ولم ينتقم من الرجل أو يغيبه خلف قضبان حديدية لسنوات طوال.

 

ويحفل التاريخ الإسلامي بعلماء عظام استطاعوا أن يوازنوا بين مصلحة الأمة في النصح للحكام والوقوف إلى جانب الشعوب المستضعفة وفي نفس الوقت يحافظون علي هيبة الدولة، وأختار من هؤلاء شيخ العلماء العز بن عبد السلام، وتتضح شجاعته وعلمه وقوته في موقفه من الأمراء- وهم يمثلون اليوم طبقة رجال الأعمال وأصحاب النفوذ- حين تقع البلاد في محنة التصدي للأعداء فيحكم بأن تصادر أموال هؤلاء حتى يتساووا بأفراد الشعب، ثم إذا استلزم الأمر تجمع الضرائب من الجميع علي حد سواء، وينفذ حكمه رغم جو المؤامرات والشحناء من المنتفعين الموجود في كل زمان ومكان
فالعالم أو الكاتب أو صاحب الرأي لا يجب أن يكون صاحب هوى أو ذا منفعة عند ذي سلطان، وإلا فقد ضاعت الكلمة الصادقة وضاع معها حق الشعوب في رقابة مسئوليهم.

 

وأختم مقالي بالنصيحة الجامعة لإمام التابعين الحسن البصري لخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز يبصره فيه بصفات الإمام العادل الذي يجب أن يلي أمر تلك الأمة فيقول رحمه الله:
اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا ويعلمهم كبارًا، يكتسب لهم في حياته. ويدخر لهم بعد مماته.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهًا، ووضعته كرهًا، وربته طفلاً، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله، وفرق ماله.

 

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟

 

واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له، ولما بعده من الفزع الأكبر.

 

واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعره فريدًا وحيدًا، فتزود له ما يصحبك، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه.

 

واذكر يا أمير المؤمنين (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10)) (العاديات)، فالأسرار ظاهرة، والكتاب (لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) (الكهف: من الآية 49).

 

فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل، قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك، ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك.

 

لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدًا، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم.

 

إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي فلم آلُكَ شفقة ونصحًا، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه بسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة.